عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

بهلولي جيهان: هل أصبح الإنسان يخاف من أن يكون نفسه؟

تمهيد: يُعدّ الإنسان الكائن الوحيد الذي لا يكتفي بمجرد الوجود، بل يظل منشغلًا بالسؤال عمّا ينبغي أن يكونه، وبالصورة التي يريد أن يمنحها لذاته داخل هذا العالم. فهو لا يولد مكتملًا، وإنما يصوغ ذاته تدريجيًا من خلال اختياراته ومواقفه وقناعاته، ولذلك تبدو الحرية في جوهرها مرتبطة بقدرة الإنسان على أن يختار وأن يقرر وأن يمنح حياته معنى ينسجم مع ما يؤمن به. غير أن الحرية، رغم ما تحمله من وعد بالتحرر وتحقيق الذات، ليست امتيازًا مريحًا دائمًا؛ إذ إنها تضع الإنسان أمام مسؤولية اختياراته، وتدفعه إلى مواجهة نتائجها دون أن يجد دائمًا من يلقي عليه عبء ما اختار.

ومن هنا تنشأ إحدى أكثر المفارقات الإنسانية إثارة للقلق: أن الإنسان قد يمتلك القدرة على أن يكون نفسه، لكنه لا يمتلك دائمًا الشجاعة الكافية ليكونها. فقد يبدو الاختلاف سهلًا من حيث المبدأ، لكن ممارسته قد تصبح شاقة حين يصطدم الإنسان بنظرة الآخرين، وأحكامهم، وانتظاراتهم، ومعايير الجماعة التي تحدد له، بصورة صريحة أو خفية، ما ينبغي أن يكونه وما لا ينبغي أن يكونه…وهكذا قد يجد الفرد نفسه ممزقًا بين صوت داخلي يدعوه إلى أن يعيش وفق قناعاته، وصوت خارجي يطالبه بالتشبه والتكيف والامتثال، فيبدأ شيئًا فشيئًا في مراقبة كلماته، واختياراته، ومظهره، وحتى مشاعره، لا وفق ما يعبّر عنه هو، بل وفق ما يمكن أن يقبله الآخرون عنه.

ولعل المفارقة الأعمق أن الخوف من الرفض قد يجعل الإنسان يتنازل عن ذاته قبل أن يرفضه أحد أصلًا؛ فيرتدي أقنعة اجتماعية مختلفة، ويتعلم كيف يكون مقبولًا أكثر مما يتعلم كيف يكون صادقًا مع نفسه. وقد لا يعود السؤال الذي يطرحه: «من أنا؟» وإنما: «كيف يريدني الآخرون أن أكون؟». وفي هذه اللحظة تحديدًا تتحول الحرية من إمكانية للوجود الأصيل إلى عبء يخشاه الإنسان، فيختار أحيانًا الأمان الذي يمنحه الامتثال على القلق الذي تفرضه الأصالة.

لكن هل يمكن للإنسان أن يكون نفسه بصورة خالصة ومستقلة عن الآخرين؟ أليس وجوده ذاته مشروطًا بعلاقاته بهم، وباللغة والقيم والثقافة التي نشأ داخلها؟ وهل كل تكيف مع الآخرين يُعدّ خيانة للذات، أم أن بعض التنازل والتعايش شرط لا غنى عنه للحياة المشتركة؟ ثم إن كان الإنسان يعرف ما يريد حقًا، فلماذا يخاف أحيانًا من التعبير عنه؟ وهل الخوف من أن يكون نفسه نابع من ضعف في الذات، أم من سلطة الآخر، أم من ثقل المسؤولية التي تفرضها الحرية؟

وعليه، فإن السؤال لا يعود مجرد سؤال عن قدرة الإنسان على الاختيار، بل عن قدرته على امتلاك ذاته أمام الآخرين: فهل أصبح الإنسان يخاف من أن يكون نفسه؟ وهل يمكن أن تتحول الحرية، التي يفترض أن تمنحه إمكانية تحقيق ذاته، إلى مصدر للقلق يدفعه إلى الاختباء خلف ما يرضي الجماعة؟ وأين تنتهي ضرورة التعايش مع الآخرين، وأين يبدأ التنازل عن الذات؟.

أولًا: الآخر مرآة للذات أم سلطة عليها؟

لا تتشكل الذات الإنسانية في عزلة تامة، فالإنسان لا يكتشف نفسه بعيدًا عن الآخرين، بل يتعرف إلى ملامح شخصيته من خلال علاقاته بهم، ومن خلال الحوار والاختلاف والاعتراف المتبادل. فالآخر ليس مجرد وجود خارجي يقف في مقابل الأنا، وإنما يمثل حضورًا يكشف للإنسان جوانب من ذاته ربما لم يكن قادرًا على رؤيتها بمفرده. ومن خلال نظرات الآخرين وأحكامهم ومواقفهم، قد يشعر الإنسان بقيمته، ويكتسب وعيًا بخصوصيته، بل وقد يعيد النظر في أفكاره واختياراته. بهذا المعنى، يمكن أن يكون الآخر مرآة للذات، يساعدها على فهم نفسها واكتشاف حدودها وإمكاناتها.

غير أن المرآة قد تتحول، في لحظة ما، إلى سلطة. فنظرة الآخر لا تكتفي دائمًا بأن تعكس لنا صورتنا، بل قد تبدأ في تحديد الصورة التي ينبغي أن نكون عليها. ومع تكرار الأحكام الاجتماعية، وتوقعات الأسرة، وضغط الجماعة، ومعايير النجاح والجمال والقبول، يجد الإنسان نفسه محاطًا بمنظومة غير معلنة تخبره باستمرار بما هو مقبول وما هو مرفوض، وما يستحق الإعجاب وما يستدعي النقد. وهنا تصبح نظرة الآخر أكثر من مجرد رأي عابر؛ إنها تتحول إلى معيار يقيس الإنسان ذاته من خلاله.

وتزداد خطورة هذه السلطة حين يستبطن الإنسان نظرة الآخرين إلى درجة أنه لم يعد بحاجة إلى وجودهم الفعلي حتى يشعر بالمراقبة. فيبدأ بمراقبة نفسه بنفسه، فيسأل قبل كل اختيار: ماذا سيقولون؟، كيف سينظرون إليّ؟ هل سيقبلونني إذا قلت ما أعتقده؟ وهل سأظل محبوبًا إذا اخترت طريقًا مختلفًا؟ وهكذا ينتقل الخوف من الخارج إلى الداخل، ويصبح الإنسان حارسًا على نفسه، يمنع عنها كل ما قد يعرّضها للرفض أو الاستهجان.

وحين تصبح الرغبة في القبول أقوى من الرغبة في التعبير عن الذات، يبدأ الإنسان في تعديل أفكاره، وتلطيف مواقفه، وإخفاء بعض جوانب شخصيته، وربما التخلي عن قناعاته، لا لأنه اكتشف خطأها، وإنما لأنه يخشى أن يدفع ثمن التمسك بها. وقد يصل الأمر إلى أن يتبنى الإنسان صورة عن نفسه صاغها الآخرون له، فيعيش طويلًا داخل شخصية لم يخترها، حتى يصبح من الصعب عليه أن يميز بين ما يريده فعلًا وما تعلم أن يريده كي يكون مقبولًا.

وهنا تكمن المفارقة فالإنسان يحتاج إلى اعتراف الآخر كي يشعر بذاته، لكنه قد يفقد ذاته حين يجعل اعتراف الآخر شرطًا لوجودها. فالحاجة إلى الآخر طبيعية وضرورية، لأن الذات لا تنمو إلا داخل عالم مشترك، لكن تحويل القبول الاجتماعي إلى معيار مطلق قد يجعل الإنسان عبدًا لصورة يريد الآخرون أن يروه عليها.

ومن ثم، لا تكمن المشكلة في أن نهتم بنظرة الآخرين، فذلك جزء من طبيعة الحياة المشتركة، وإنما في أن تتحول هذه النظرة إلى سلطة تلغي قدرتنا على الحكم والاختيار. فأن أستمع إلى الآخر لا يعني أن أتنازل عن صوتي، وأن أراجع نفسي لا يعني أن أتنكر لها، وأن أتعايش مع الجماعة لا يعني أن أذوب فيها. إن النضج الحقيقي لا يتحقق بإلغاء الآخر، ولا بالانصياع له، وإنما بالقدرة على الاستفادة من نظرته دون أن أجعلها تعريفًا نهائيًا لذاتي.

لذلك يصبح السؤال أكثر عمقًا: هل نستطيع أن نرى أنفسنا من خلال الآخر دون أن نرى أنفسنا بعينيه فقط؟ وهل يمكن للإنسان أن يطلب الاعتراف من الآخرين دون أن يجعل رضاه عن نفسه مرهونًا باعترافهم؟

ثانيًا: هل كل اختيار نقوم به هو اختيار حر؟

يبدو الاختيار في ظاهره الدليل الأكثر وضوحًا على حرية الإنسان؛ فما دام قادرًا على أن يقول «نعم» أو «لا»، وأن يسلك طريقًا بدل آخر، فإنه يعتقد أنه يمارس حريته. غير أن الفلسفة لا تكتفي بما يبدو ظاهرًا، بل تدفعنا إلى مساءلة ما نعتبره بديهيًا: هل كل ما نختاره نختاره فعلًا، أم أن بعض اختياراتنا تُصنع داخلنا قبل أن نعيها؟ فقد يظن الإنسان أنه يتخذ قراره بإرادته الخالصة، بينما يكون اختياره مشروطًا بجملة من المؤثرات التي تشكل وعيه دون أن يشعر، كالتربية، والعادات، والتقاليد، والبيئة الاجتماعية، وصورة النجاح التي فرضها المجتمع، فضلًا عن الخوف من الرفض والحاجة إلى القبول.

فالإنسان لا يختار من فراغ، وإنما يختار داخل عالم سبق أن وجد فيه، وفيه قيم وأفكار ومعايير تحدد له، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ما ينبغي أن يرغب فيه وما ينبغي أن يتجنبه. وقد يتعلم منذ طفولته أن بعض الاختيارات «صحيحة» لأنها تحظى بالقبول، وأن اختيارات أخرى «خاطئة» لأنها تعرضه للنقد أو الاستهجان. ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه المعايير الخارجية إلى قناعات داخلية، فيصبح الإنسان مطمئنًا إلى اختيارات لم يتساءل أصلًا عن مصدرها.

والأكثر تعقيدًا أن الإنسان قد لا يشعر بأنه مقيد؛ فالقيود الأكثر تأثيرًا ليست دائمًا تلك التي تمنعنا بالقوة، وإنما تلك التي تجعلنا نريد ما يُراد لنا أن نريده. فقد يختار المرء تخصصًا لأنه «مضمون»، أو مهنة لأنها تحظى بمكانة اجتماعية، أو أسلوب حياة لأنه يرضي محيطه، أو حتى يتخلى عن حلم لأنه يخشى أن يبدو مختلفًا أو فاشلًا في أعين الآخرين. وفي كل ذلك قد يقول: «هذا اختياري»، بينما يكون السؤال الأعمق: من أين جاء هذا الاختيار؟ وهل هو نابع مني، أم أنني تعلمت أن أريده؟.

ومن هنا، لا يمكن اختزال الحرية في مجرد تعدد البدائل المتاحة أمام الإنسان؛ فقد تكون أمامه خيارات كثيرة، لكنه يظل غير حر إذا كان عاجزًا عن مساءلة الدوافع التي تحركه. فالحرية ليست فقط أن أختار، بل أن أعرف لماذا اخترت، وأن أمتلك القدرة على مراجعة ما يدفعني إلى الاختيار. إنها وعي بالدوافع والضغوط والرغبات التي تتحكم في قراراتنا، ثم محاولة استعادة المسافة النقدية التي تسمح لنا بأن نقول: هذا ما أريده أنا، لا ما تعودت أن أريده، ولا ما يخشى الآخرون أن أرفضه.

قد يكون الإنسان أكثر تبعية حين يعتقد أنه حر؛ لأن غياب الإكراه الظاهر لا يعني بالضرورة غياب الإكراه الداخلي. فالخوف من الفشل، والحاجة إلى رضا الآخرين، والخضوع للتقاليد، والرغبة في التشبه بالجماعة، كلها قد تعمل كقوى خفية توجه السلوك دون أن يشعر الإنسان بأنه مجبر. وفي هذه الحالة يصبح القيد أكثر خفاءً، لأن الإنسان لا يراه قيدًا، بل يراه جزءًا من ذاته.

لكن الاعتراف بتأثر اختياراتنا لا يعني إنكار الحرية تمامًا؛ فالإنسان لا يستطيع أن يختار الظروف التي وُلد فيها، ولا الأسرة التي نشأ داخلها، ولا الثقافة التي شكلت وعيه، لكنه يستطيع أن يراجع ما ورثه، وأن يسأل عن مبرراته، وأن يقرر ما الذي سيحتفظ به وما الذي سيتجاوزه. وهنا تبدأ الحرية الحقيقية: حين يتحول الإنسان من مجرد نتاج لما شكّله إلى كائن قادر على مساءلة ما شكّله وإعادة تشكيل نفسه.

وعليه، فليست الحرية في أن نفعل ما يخطر لنا، ولا في أن نمتلك عددًا لا نهائيًا من الخيارات، وإنما في أن يصبح اختيارنا فعلًا واعيًا صادرًا عن ذات قادرة على التفكير والمراجعة وتحمل المسؤولية. فربما لا يكون السؤال الأهم: «هل أنا حر في اختياري؟»، بل: «هل أعرف فعلًا لماذا اخترت ما اخترته؟ وهل أستطيع أن أختار بصورة مختلفة لو تحررت من الخوف ومن الحاجة إلى إرضاء الآخرين؟»

ثالثًا: الأصالة بين الذات والآخر

أن يكون الإنسان نفسه لا يعني أن يتحول إلى خصم دائم لمجتمعه، ولا أن يجعل الاختلاف غاية في ذاته، ولا أن يرفض كل ما يأتيه من الآخرين لمجرد إثبات استقلاله. فالأصالة لا تُقاس بمدى قدرتنا على مخالفة الآخرين، كما أن الحرية لا تعني التحرر من كل قيد أو رفض كل سلطة أو قيمة. إن الإنسان الذي يعارض الجميع دون أن يعرف لماذا يعارضهم قد لا يكون أكثر حرية من الإنسان الذي يتبعهم؛ فقد يكون كلاهما أسيرًا للآخر، وإن اختلف اتجاه التبعية.

فالأصالة في معناها الأعمق ليست تمردًا على العالم، وإنما علاقة واعية بالذات وبالعالم في آن واحد. إنها أن يعرف الإنسان ما الذي يؤمن به، ولماذا يؤمن به، وأن يملك القدرة على التمييز بين ما اختاره عن اقتناع وما قبله لأنه اعتاد عليه، وبين ما ينسجم مع قناعاته وما يفعله فقط حتى لا يثير استياء الآخرين. ولذلك فإن الإنسان الأصيل لا يسأل دائمًا: «كيف أختلف عن الآخرين؟»، بل يسأل قبل ذلك: «هل ما أفعله يعبّر فعلًا عني؟».

وقد يكون أكثر أشكال الأصالة هدوءًا هو القدرة على قول «لا» حين يكون الرفض ضروريًا، والقدرة كذلك على قول «نعم» حين يكون القبول نابعًا من اقتناع. فليس من الأصالة أن نرفض رأيًا صحيحًا لمجرد أنه رأي الجماعة، كما ليس من التبعية أن نتفق مع الآخرين حين يكون اتفاقنا نتيجة تفكير حر. ثم إن معيار الأصالة ليس الاختلاف في ذاته، وإنما مصدر الموقف والدافع الذي يقف وراءه.

ومن هنا، يصبح الإنسان الأصيل قادرًا على الإصغاء دون ذوبان، وعلى الاختلاف دون عداء، وعلى التوافق دون فقدان للذات. فهو لا يغلق نفسه أمام الآخرين خوفًا من التأثر، ولا يفتح نفسه لهم إلى درجة يصبح معها مجرد صدى لأصواتهم. إنه يدخل في حوار معهم، يأخذ منهم ما يراه جديرًا بالأخذ، ويرفض ما يتعارض مع قناعاته، ويعيد النظر في أفكاره متى وجد ما يستحق المراجعة، دون أن يعتبر تغيير رأيه ضعفًا أو ثباته عنادًا.

كما أن الأصالة لا تعني أن يكون الإنسان نسخة ثابتة من نفسه لا تتغير؛ فالإنسان الأصيل يمكن أن يتغير، وأن يعيد النظر في قناعاته، وأن يعترف بخطئه، بل إن قدرته على تغيير نفسه قد تكون دليلًا على حريته. فالتمسك بكل ما كان عليه الإنسان في الماضي ليس وفاءً للذات بالضرورة، لأن الذات نفسها في حالة تشكل مستمر. والأصالة هنا لا تعني أن أبقى كما كنت، وإنما أن يكون تغيري نابعًا من وعي واختيار، لا من خوف أو ضغط أو رغبة عمياء في إرضاء الآخرين.

ولذلك فإن الأصالة تتطلب قدرًا من الشجاعة، لا شجاعة الصدام، وإنما شجاعة مواجهة الذات. فالأصعب أحيانًا ليس أن نقول للآخر «لا»، بل أن نسأل أنفسنا: «هل أريد هذا فعلًا؟ هل هذا رأيي حقًا؟ هل أسير في هذا الطريق لأنني اخترته، أم لأنني أخشى أن أختار غيره؟». وفي هذه الأسئلة يبدأ الإنسان في استعادة المسافة بين ذاته الحقيقية والصورة التي اعتاد أن يقدمها للآخرين.

وعليه، فإن أن يكون الإنسان نفسه لا يعني أن يعيش خارج المجتمع، وإنما أن يعيش داخله دون أن يفقد استقلاله. فالأصالة ليست عزلة، والحرية ليست فوضى، والاختلاف ليس تمردًا. إنها قدرة الإنسان على أن يصغي إلى العالم دون أن يصمت صوته الداخلي، وأن يتفاعل مع الآخرين دون أن يجعلهم يكتبون بالنيابة عنه قصة حياته.

وربما تكمن الأصالة الحقيقية في هذه المساحة الدقيقة بين الانتماء والاستقلال: أن أكون مع الآخرين دون أن أذوب فيهم، وأن أكون مختلفًا دون أن أجعل الاختلاف قناعًا جديدًا، وأن أختار طريقي دون أن أحتاج إلى كراهية طرق الآخرين كي أشعر أن طريقي هو طريقي.

رابعًا: الخوف من الآخرين أم الخوف من الذات؟

قد يبدو في الظاهر أن الإنسان يخشى الآخرين: أحكامهم، وانتقاداتهم، ورفضهم، ونظرتهم إليه حين يختار طريقًا مختلفًا أو يكشف جانبًا من شخصيته لا ينسجم مع ما اعتادوا رؤيته فيه. غير أن التأمل الأعمق يكشف أن الخوف من الآخرين قد لا يكون إلا الوجه الظاهر لخوف أكثر عمقًا: الخوف من مواجهة الذات. فالإنسان قد يخشى أن يكون نفسه، لا لأن الآخرين سيحكمون عليه فحسب، بل لأن اكتشاف الذات الحقيقية يضعه أمام مسؤولية لا يستطيع الهروب منها.

فأن يكون الإنسان نفسه ليس مجرد أن يتصرف بعفوية أو أن يفعل ما يشاء، وإنما أن يجرؤ على النظر إلى داخله دون أقنعة. أن يسأل نفسه عمّا يريده حقًا، وما الذي يخشاه، وما الذي يؤمن به، وما الذي يفعله لأنه مقتنع به، وما الذي يفعله لأنه يبحث عن القبول. وهذه المواجهة ليست سهلة، لأن الذات التي نكتشفها قد لا تكون دائمًا الصورة التي نحب أن نراها في المرآة؛ فقد نجد فيها ضعفًا، وتناقضًا، وأنانية، وخوفًا، وأخطاء حاولنا طويلًا أن نخفيها حتى عن أنفسنا.

ولهذا قد يكون القناع أكثر راحة من الحقيقة. فالصورة التي يصنعها الإنسان عن نفسه ويقدمها للآخرين تمنحه أحيانًا شعورًا بالأمان؛ إذ لا تضطره إلى مساءلة نفسه أو الاعتراف بما لا يرضيه فيها. وقد يختار أن يكون «كما ينبغي أن يكون» بدل أن يكتشف «من هو فعلًا». فيعيش وفق دور اجتماعي محدد، أو شخصية اعتاد الآخرون أن يروه من خلالها، حتى يصبح التراجع عن هذا الدور مخيفًا؛ لأن التخلي عنه يعني مواجهة سؤال بسيط لكنه قاسٍ: من أكون إذا نزعت عني كل ما اعتاد الآخرون أن يرونه؟

ومن هنا، قد يتحول الخوف من الرفض إلى وسيلة للهروب من مسؤولية الاختيار. فالإنسان حين يقول: «لا أستطيع أن أكون نفسي لأنهم لن يقبلوني»، قد يكون، في بعض الأحيان، يضع مسؤوليته على الآخرين كي لا يضطر إلى مواجهة قلق الحرية. إذ إن الاعتراف بالرغبة الحقيقية يستلزم اتخاذ موقف، والموقف يستلزم مسؤولية، والمسؤولية تعني أن الإنسان لم يعد قادرًا على الاختباء خلف الجماعة أو الظروف أو توقعات الآخرين.

والأخطر أن الهروب من الذات قد يصبح مع مرور الوقت عادة لا يشعر الإنسان معها بأنه يهرب. فيعتاد الصمت حين يريد الكلام، والموافقة حين يريد الرفض، والاستمرار في طريق لا يشبهه لأنه يخشى الاعتراف بأنه أخطأ في اختياره. وقد يعيش سنوات وهو يحافظ على صورة ناجحة أو مقبولة في نظر الآخرين، بينما يشعر في داخله بأنه بعيد عن نفسه. عندها لا يعود الاغتراب ناتجًا عن أن الآخرين لا يفهمونه، بل عن أنه هو نفسه لم يعد يعرف ماذا يريد.

ومع ذلك، فإن مواجهة الذات لا تعني قبول كل ما فيها دون نقد، ولا تحويل «أن أكون نفسي» إلى مبرر للاستسلام لنقاط الضعف أو الرغبات العابرة. فالأصالة لا تعني أن أقول: «هذه طبيعتي، ولا أستطيع تغييرها»، وإنما أن أمتلك الشجاعة لأرى نفسي كما هي، ثم أقرر بوعي ما الذي أريد أن أبقيه وما الذي أريد أن أتجاوزه. فالإنسان لا يصبح نفسه بمجرد اكتشاف ذاته، بل يصبح نفسه حين يبدأ في تحمل مسؤولية تشكيلها.

وهنا تظهر المفارقة: قد يكون الإنسان مستعدًا لتحمل رفض الآخرين، لكنه غير مستعد لتحمل حقيقة نفسه. فالآخر يمكن الابتعاد عنه أو تجاهل حكمه، أما الذات فلا يمكن الفرار منها إلى الأبد. ولذلك فإن أصعب مواجهة ليست دائمًا تلك التي تحدث بين الإنسان والعالم، وإنما تلك التي تحدث في صمته الداخلي، حين يسقط كل تبرير وكل قناع، ولا يبقى أمامه إلا سؤال واحد: هل أعيش الحياة التي اخترتها، أم الحياة التي تعلمت أن أعيشها كي لا أخسر قبول الآخرين؟

ومن ثم، فإن التحرر الحقيقي لا يبدأ فقط حين نتوقف عن الخوف من نظرات الآخرين، بل حين نتوقف عن استخدام تلك النظرات ذريعة للهروب من أنفسنا. فأن يكون الإنسان نفسه هو أن يمتلك شجاعة النظر إلى داخله، وأن يقبل مسؤولية اختياراته، وأن يعيد بناء ذاته بوعي؛ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يرفضه الآخرون، وإنما أن يقضي عمره كاملًا في محاولة إرضائهم، ثم يكتشف في النهاية أنه كان غائبًا عن حياته الخاصة.

خاتمة: الحرية مسؤولية قبل أن تكون حقًا

في الختام، لا يبدو أن مأزق الإنسان المعاصر يكمن في غياب الحرية بقدر ما يكمن في صعوبة ممارستها. فالإنسان لا يصبح ذاته بمجرد أن يبتعد عن الآخرين، كما أنه لا يفقد ذاته بمجرد أن يعيش بينهم؛ إذ إن الذات لا تتشكل في العزلة، وإنما في علاقتها بالعالم وبالآخرين. والمشكلة تبدأ حين يتحول هذا الارتباط الطبيعي إلى تبعية، وحين تصبح نظرة الآخر أقوى من صوت الذات، فيتخلى الإنسان عن اختياراته لا لأنه لم يعد يريدها، بل لأنه لم يعد يجرؤ على الدفاع عنها.

فالحرية الحقيقية ليست أن يفعل الإنسان كل ما يشاء، ولا أن يرفض كل ما يفرضه المجتمع، وإنما أن يمتلك القدرة على التمييز بين ما يختاره عن وعي وما يختاره بدافع الخوف، وبين ما يعبر عن ذاته وما فُرض عليه حتى أصبح يظنه جزءًا منها. إنها أن يستطيع الإنسان أن يقول «نعم» حين يؤمن، وأن يقول «لا» حين يرفض، وأن يغير رأيه حين يكتشف خطأه، دون أن يجعل رضى الآخرين المقياس الوحيد لقيمة اختياراته.

ومن هنا، فإن الحرية ليست امتيازًا منفصلًا عن المسؤولية؛ فكلما اتسعت مساحة اختيار الإنسان، اتسعت معها مسؤوليته عن ذاته وعن النتائج التي تترتب على أفعاله. أن أكون نفسي يعني أن أتوقف عن إلقاء مسؤولية حياتي على الآخرين، وأن أعترف بأن بعض القرارات، مهما كانت صعبة، هي قراراتي أنا. ولذلك قد تكون الحرية ثقيلة، لأنها تحرم الإنسان أحيانًا من راحة الاختباء خلف الجماعة أو الظروف أو الأعذار.

ولعل أصعب ما في أن يكون الإنسان نفسه أنه مطالب بأن يحافظ على توازن دقيق: أن ينتمي دون أن يذوب، وأن يختلف دون أن يعادي، وأن يصغي إلى الآخرين دون أن يفقد صوته، وأن يعرف ذاته دون أن يغلقها أمام إمكانية التغير. فالأصالة ليست عزلة، والحرية ليست فوضى، والاستقلال لا يعني قطع الصلة بالآخرين.

وفي هذا المعنى، فإن سؤال «هل أصبح الإنسان يخاف من أن يكون نفسه؟» لا يملك إجابة بسيطة؛ نعم، قد يخاف الإنسان من الرفض، لكنه قد يخاف أيضًا من مسؤولية الحرية ومن مواجهة ذاته. غير أن تجاوز هذا الخوف يبدأ حين يدرك أن الحياة التي تُعاش بالكامل وفق توقعات الآخرين قد تكون آمنة، لكنها ليست بالضرورة حياة اختارها هو.

ربما لا تكون أعظم حرية أن نتحرر من الآخرين، بل أن نعيش بينهم دون أن نفقد أنفسنا؛ أن نمتلك شجاعة أن نكون ما نؤمن به، وأن نتحمل ثمن هذا الاختيار، وأن نمنح أنفسنا الحق في أن نتغير وننضج ونخطئ ونبدأ من جديد. فأن يكون الإنسان نفسه ليس طريقًا إلى الراحة، بل مسؤولية مستمرة، وربما كان أحد أصعب أشكال الحرية وأكثرها صدقًا.

«فإذا كان ثمن أن تكون نفسك هو أن تخسر بعض الآخرين، وثمن أن ترضي الآخرين هو أن تخسر شيئًا من نفسك… فأيُّ خسارةٍ تستحق أن نختارها؟»

***

بهلولي جيهان - فلسفة تطبيقية

جامعة باجي مختارـ عنابة ـ / الجزائر

في المثقف اليوم