عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

ابراهيم العبادي: تشريح العقل السياسي العراقي

من العقيدة والأيديولوجيا والغنيمة إلى عقل الدولة

في المقالتين السابقتين حاولت أن أضع يدي على أصل من أصول الأزمة العراقية التي لا تكمن، في تقديري، في فشل حكومة أو حزب أو زعيم سياسي بعينه، وإنما في عطب أعمق يتعلق بطريقة التفكير التي تحكم السياسة وتنتج مواقفها وخياراتها. قلت إن العراق يحتاج إلى فكر جديد يعيد بناء الوعي السياسي والاجتماعي، وإن هذا الفكر لا يمكن أن يتحول إلى قوة تاريخية ما لم تتشكل حوله كتلة تاريخية من النخب والقوى الاجتماعية والسياسية التي تؤمن به وتعمل على تحويله إلى رأي عام ثم إلى مشروع إصلاح وتغيير.

لكن ما الذي حدث للعقل السياسي العراقي حتى أصبح عاجزاً عن إنتاج مثل هذا الفكر؟ ولماذا تبدو السياسة العراقية، في كثير من الأحيان، أسيرة للبلادة والعناد والتكرار والشعارات، حتى عندما تكون الوقائع أمامها صارخة، وحتى عندما يصبح ثمن الخطأ معروفاً ومدفوعاً من حياة الناس ومستقبل الدولة؟

أعتقد أن علينا أن نذهب إلى قاع هذا العقل، إلى الرواسب التي تكونت داخله عبر عقود طويلة، وأن نحاول تشريحه لا بوصفه عقلاً فردياً لسياسي بعينه، وإنما بوصفه بنية ثقافية ومعرفية وسياسية تتوارثها الأحزاب والنخب والجماعات والأجيال.

كان محمد عابد الجابري قد قدم في كتابه «العقل السياسي العربي» الصادر سنة 1990 محاولة شهيرة للبحث عن المحددات العميقة للفعل السياسي العربي، وانتهى إلى ثلاثية العقيدة والقبيلة والغنيمة، باعتبارها من أهم الآليات التي حكمت اشتغال السياسة العربية تاريخياً.  وإذا أردنا اليوم أن نعيد قراءة الواقع العراقي بعد كل ما مر به من تحولات وحروب وانهيارات، فإنني أظن أننا بحاجة إلى تعديل هذه الثلاثية وإضافة طبقات جديدة إليها.

إن العقل السياسي العراقي الراهن تحكمه، في تقديري، القبيلة السياسية، والأيديولوجيا المندمجة بالذاكرة الصراعية، والعطش إلى الغنيمة، والتعصب، ورفض مراجعة التاريخ، والعيش في أسر الماضي، والانفصال عن المصالح الواقعية للناس والدولة.

القبيلة هنا ليست القبيلة الاجتماعية بمعناها التقليدي فقط، وإنما القبيلة السياسية التي تقوم على رابطة الجماعة قبل رابطة الدولة، وعلى الولاء للشخص أو الحزب أو الطائفة أو التيار قبل الولاء للمؤسسة والقانون والمصلحة العامة. فالسياسي لا يرى نفسه دائماً مواطناً داخل دولة، وإنما عضواً في جماعة ينبغي أن تنتصر لجماعتها، حتى عندما يتعارض ذلك مع المصلحة الوطنية الأوسع.

وهنا يتحول الاختلاف السياسي إلى صراع هويات، ويتحول الخصم السياسي إلى خصم وجودي، ويصبح الاعتراف بخطأ الجماعة خيانة لها، ويصبح التراجع عن موقف سابق ضعفاً، ويصبح الاعتذار هزيمة، والمراجعة انكساراً، والتسوية تنازلاً، والواقعية تخلياً عن المبادئ.

وهذه واحدة من أخطر سمات العقل السياسي العراقي: أنه لا يعرف بسهولة كيف يراجع نفسه.

السياسي الذي يعترف بأن موقفه السابق كان خاطئاً يخشى أن يخسر جمهوره، والحزب الذي يراجع فكرة تأسيسية يخشى أن يخسر تاريخه، والجماعة التي تعيد قراءة علاقتها بالآخر تخشى أن تتهم بالتخلي عن ثوابتها. وهكذا يصبح الماضي سجناً، لا خبرة؛ وتصبح الذاكرة عبئاً، لا مصدراً للتعلم.

هنا تندمج الأيديولوجيا بالذاكرة الصراعية. فالعراق لم يخرج بعد بصورة كاملة من تاريخ طويل من الانقلابات والحروب والاستبداد والحصار والاحتلال والصراع الطائفي والتدخلات الإقليمية والدولية. وكل جماعة تحمل معها سرديتها الخاصة عن الضحية والجلاد، وعن الحق والباطل، وعن الذات والآخر. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الذاكرة إلى عقل سياسي دائم، فيصبح الماضي معياراً للحاضر والمستقبل، ويُطلب من الأجيال الجديدة أن تدفع ثمن صراعات لم تصنعها.

السياسة عندئذ لا تعود بحثاً عن أفضل الممكن، وإنما تتحول إلى استمرار للحرب بوسائل أخرى.

والأيديولوجيا حين تفقد قدرتها على مراجعة الواقع تصبح نوعاً من العقيدة المغلقة. لا تعود الفكرة وسيلة لفهم العالم وتغييره، وإنما يصبح العالم نفسه مطالباً بأن يتطابق مع الفكرة. وإذا لم يتطابق الواقع معها، فالخطأ في الواقع لا في الفكرة.

من ذلك نفهم شيئاً من العناد السياسي الذي نشهده. فالدوغمائية لا تسمح لصاحبها بأن يتعلم من التجربة، لأن الاعتراف بالواقع المختلف يعني الاعتراف بإمكان خطأ الفكرة. والوثوقية السياسية تجعل صاحبها يتعامل مع رأيه باعتباره حقيقة نهائية، ومع خصمه باعتباره جاهلاً أو خائناً أو عميلاً أو منحرفاً عن الطريق الصحيح.

وهكذا يغيب التفكير النقدي، ويحل محله اليقين الأيديولوجي.

لقد كان عبدالله العروي في «الإيديولوجيا العربية المعاصرة» التي صدرت بالفرنسية سنة 1967، وترجمت إلى العربية سنة 1970، يحاول تفكيك الأطر الأيديولوجية التي تعيق الوعي العربي عن إدراك شروط التاريخ الحديث.  وكان محمد عابد الجابري، في «الخطاب العربي المعاصر» سنة 1982، يشتغل على تفكيك بنية الخطاب العربي ومشكلاته المعرفية والسياسية.  وجاءت أعمال أخرى كثيرة في الاتجاه نفسه، من فهمي جدعان إلى علي حرب وغيرهما، لكي تضع الفكر العربي أمام مرآة نقدية قاسية.

لكن المفارقة المؤلمة أن هذا الجهد النقدي الكبير لم ينتج، حتى الآن، تحولاً موازياً في بنية العقل السياسي العربي، ولا العراقي بصورة خاصة.

لقد ظل السياسي في كثير من الأحيان أقل ثقافة من الأيديولوجيا التي يتحدث باسمها، وأقل معرفة بالتاريخ الذي يستدعيه، وأقل قدرة على فهم العالم الذي يريد أن ينافس فيه. بل إن بعض السياسيين المعاصرين لا يمتلكون حتى الحد الأدنى من الرؤية التي كانت لدى أجيال سابقة من القوميين والوطنيين والاشتراكيين والإسلاميين والمصلحين.

وهذه ليست دعوة إلى العودة إلى تلك المشاريع الفكرية، فكثير منها فشل أو تجاوزه التاريخ، وإنما المقارنة هنا في مستوى التفكير.

فحين نقرأ ما كتبه رواد الفكر العربي في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، نكتشف أن سؤال النهضة والتقدم والتعليم والدولة والإصلاح والدستور والعلاقة بالغرب والاستقلال والاقتصاد والمجتمع كان حاضراً بقوة في تفكيرهم. وقد وثق ألبرت حوراني في كتابه «الفكر العربي في العصر الليبرالي» هذا الجانب من الحياة الفكرية العربية الحديثة، فيما درس فهمي جدعان في «أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث» الصادر أول مرة سنة 1979 سؤال التقدم كما ظهر عند عدد كبير من المفكرين العرب والمسلمين منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين.

كان أولئك، رغم اختلافاتهم الشديدة، يسألون أسئلة كبرى: لماذا تخلفنا؟ كيف نتقدم؟ ما الدولة؟ ما الحرية؟ ما الإصلاح؟ كيف نواجه العصر؟ كيف نعيد بناء التعليم؟ كيف نوفق بين الدين والعقل؟ وكيف نبني مجتمعاً قادراً على النهوض؟

أما اليوم، فإن جزءاً كبيراً من خطابنا السياسي انحدر من مستوى سؤال النهضة إلى مستوى سؤال الحصة، ومن سؤال الدولة إلى سؤال النفوذ، ومن سؤال المستقبل إلى سؤال الانتخابات القادمة، ومن سؤال المصلحة الوطنية إلى سؤال مكسب الجماعة، ومن سؤال التنمية إلى سؤال توزيع الغنيمة.

هنا نصل إلى المكون الثالث: الغنيمة.

لقد تغير شكل الغنيمة، لكنها لم تختف. أصبحت الغنيمة اليوم منصباً، وعقداً، ومشروعاً، ووظيفة، وامتيازاً، وشبكة مصالح، ونفوذاً مؤسسياً، وحصة حزبية، وأحياناً احتكاراً لمؤسسة من مؤسسات الدولة. وعندما تصبح الدولة مجالاً لتوزيع الغنائم، فإن السياسة تتحول تدريجياً من إدارة الشأن العام إلى إدارة المصالح الخاصة.

والأخطر من ذلك أن الغنيمة لا تعود مجرد فساد مالي؛ إنها تصبح ثقافة سياسية كاملة.

عندها ينقلب التفكير من الخير العام بتعبير فلاسفة السياسة الى: ماذا سيحصل عليه حزبي؟ ماذا سيحصل عليه تياري؟ ماذا سأكسب أنا؟ من سيحصل على الوزارة؟ من يسيطر على المؤسسة؟ من يملك القدرة على التعيين؟ ومن يستطيع حماية شبكته؟

وفي هذه البيئة لا يعود المواطن مركز السياسة، وإنما يتحول إلى جمهور انتخابي أو كتلة بشرية تستخدم عند الحاجة ثم تعاد إلى الهامش.

وهذا يقودنا إلى مشكلة أخرى هي سطحية العقل السياسي وشعبويته.

لقد ساهمت وسائل الإعلام الجديدة، ومنصات التواصل الاجتماعي، في تحويل السياسة إلى مشهد سريع يقوم على الصورة والعبارة والاتهام والمقطع القصير، فيما تراجعت مساحة التفكير الهادئ والتحليل المركب. السياسي الذي يصرخ أكثر قد يحصد انتشاراً أكبر، والذي يطلق شعاراً أكثر إثارة قد يحصل على جمهور أكبر، بينما السياسي الذي يتحدث عن إصلاح التعليم، وإعادة بناء الاقتصاد، وتطوير الإدارة، وإصلاح القضاء، وتحسين الإنتاجية، وإدارة الموارد، وتغيير الثقافة المؤسسية قد يبدو أقل إثارة وأقل جاذبية.

وهكذا تنتصر الشعبوية على العقل.

والشعبوية بطبيعتها لا تحب الأسئلة المعقدة؛ لأنها تحتاج إلى إجابات بسيطة لمشكلات مركبة. تقول للناس: المشكلة في الآخر. المشكلة في الخارج. المشكلة في المؤامرة. المشكلة في الخصم. المشكلة في الماضي. أما أن نسأل: ماذا فعلنا نحن؟ وكيف أسهمت بنية مؤسساتنا وثقافتنا السياسية في إنتاج المشكلة؟ فهذا سؤال لا تحبه الشعبوية.

منذ أفلاطون وأرسطو كان السؤال الجوهري في التفكير السياسي هو: لماذا توجد الدولة والسلطة والنظام السياسي؟ وبأي معنى تكون السلطة مشروعة؟ صحيح أن مفاهيمهما لا يمكن إسقاطها ببساطة على الدولة الحديثة، لكنهما وضعا في قلب التفكير السياسي سؤالاً ظل حاضراً في الفلسفة السياسية قروناً طويلة: كيف يمكن تنظيم الحياة المشتركة لتحقيق الخير العام والعدل والاستقرار؟

ومن أفلاطون وأرسطو إلى الفكر السياسي الحديث، وصولاً إلى مفاهيم الدولة الدستورية والمواطنة والحقوق والحريات، ظل جوهر المسألة هو الإنسان وحياته المشتركة وأمنه وكرامته ومصالحه.

لكن ماذا فعلنا بهذا السؤال؟

بدلاً من أن تكون السياسة وسيلة لتقليل الضرر وزيادة المنفعة، أصبحت في بعض صورها وسيلة لإنتاج الضرر ثم البحث عن تبريره.

وبدلاً من أن تكون الدولة إطاراً لحماية الناس وتنظيم مصالحهم، أصبحت الدولة نفسها في بعض الأحيان موضوعاً للصراع بين الجماعات.

وبدلاً من أن تسأل السياسة: كيف يعيش العراقي بصورة أفضل؟ كيف يحصل على تعليم أفضل؟ كيف يجد عملاً؟ كيف يحصل على كهرباء وماء وخدمات؟ كيف يطمئن على مستقبله؟ كيف تحميه الدولة؟ كيف نرفع إنتاجيته ودخله؟ كيف نحافظ على كرامته؟ أصبحت أسئلة السياسة في كثير من الأحيان تدور حول الهوية والشرعية التاريخية والرموز والمظلومية والخصومة والاستحقاق والحصة.

إنها كارثة حين تصبح السياسة منشغلة بما يستهلك العقل والوجدان أكثر من انشغالها بما يصلح حياة الإنسان.

ولذلك فإن مشكلتنا ليست فقط في «فساد السياسي»، وإنما في الثقافة التي تجعل الفساد قابلاً للتبرير، والتعصب قابلاً للتقديس، والفشل قابلاً للتسويق، والبلادة قابلة لأن تتحول إلى زعامة.

لقد كانت مشكلة النخبة العربية موضع نقد واسع خلال القرن العشرين. وفي سنة 1996 نشر علي حرب كتابه «أوهام النخبة أو نقد المثقف»، وذهب فيه إلى تفكيك أوهام عديدة تحكم عمل المثقف وعلاقته بالحقيقة والحرية والهوية والحداثة.  وكان نقده مهماً لأنه لم يكتفِ بنقد السلطة، وإنما نقل جزءاً من النقد إلى المثقف نفسه وإلى الطريقة التي يفكر بها.

وهذا ما نحتاج إليه اليوم في العراق: نقد العقل السياسي قبل الاكتفاء بنقد السياسيين.

نحن بحاجة إلى أن نسأل: ما الذي يعلّم السياسي العراقي أن يفكر بهذه الطريقة؟ ما الذي يجعل الحزب يعيد إنتاج نفسه؟ ما الذي يجعل الجماعة السياسية غير قادرة على مراجعة تجربتها؟ لماذا تخاف النخب من التفكير في الممنوع؟ لماذا نعيد إنتاج الأفكار نفسها رغم فشلها؟ لماذا نستدعي التاريخ لكي نبرر الحاضر بدلاً من أن نستفيد منه لبناء المستقبل؟

إن جزءاً من الجواب يكمن في الفقر المعرفي والفلسفي الذي أصاب المجال العام العراقي.

لقد عاش العراق طويلاً تحت الاستبداد السياسي، لكنه عاش أيضاً تحت أشكال أخرى من الاستبداد الاجتماعي والثقافي. وفي مثل هذه البيئات تضيق مساحة السؤال، ويصبح التفكير في المسلمات مخاطرة، ويعتاد الناس على تكرار ما قيل بدلاً من إنتاج ما ينبغي أن يقال.

وهنا تراجعت النخبة العراقية عن وظيفتها التاريخية.

فالنخبة ليست من يمتلك شهادة أو منصباً أو منبراً إعلامياً؛ النخبة هي التي تمتلك شجاعة التفكير في ما لا يريد الآخرون التفكير فيه، وتستطيع أن تفتح الأسئلة المغلقة، وتربط الفكر بالواقع، وتدفع المجتمع إلى مراجعة نفسه.

ولذلك فإن العراق لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الخطباء بقدر حاجته إلى مفكرين، ولا يحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر حاجته إلى مفاهيم، ولا يحتاج إلى مزيد من الصراخ السياسي بقدر حاجته إلى عقل عملي رزين يستطيع أن يميز بين الثابت والمتغير، وبين المبدأ والوهم، وبين الذاكرة والتاريخ، وبين المقدس السياسي والمصلحة الوطنية.

إننا بحاجة إلى تحرير الفضاء العمومي من هيمنة الخطاب الأيديولوجي الصارخ، أياً كان مصدره، وفتح المجال أمام المعرفة والعلم والنقد والفلسفة والتفكير الحر. وليس المقصود هنا مهاجمة الدين أو إقصاءه من المجال العام، وإنما التمييز بين الدين بوصفه مجالاً روحياً وأخلاقياً ومعرفياً عميقاً، وبين استخدام المنبر الديني لإنتاج خطاب سياسي سطحي يختزل قضايا الدولة والمجتمع في شعارات وتعبئة عاطفية.

كما أننا بحاجة إلى مراجعة العقل الحزبي العراقي الموروث، بكل ما يحمله من مسلمات عن الذات والآخر، وعن الغرب والإسلام، وعن العلمانية والدين، وعن الوطنية والقومية، وعن المقاومة والسيادة، وعن الدولة والشرعية.

لا يمكن أن نبني دولة حديثة بعقل سياسي ما زال يعيش في خرائط ذهنية صنعتها صراعات القرن الماضي.

ولا يمكن أن ننتقل إلى المستقبل ونحن نحمل الماضي بوصفه عقيدة سياسية مغلقة.

 ليس مطلوبا أن نتخلى عن التاريخ، وإنما أن نضع التاريخ في مكانه الصحيح: ذاكرة نتعلم منها، لا سلاحاً نحارب به بعضنا بعضاً.

وليس مطلوبا إلغاء الأيديولوجيا بالقوة، وإنما إخضاعها للاختبار الواقعي: ماذا أنتجت؟ ماذا حققت؟ أين أخطأت؟ ماذا ينبغي أن نحتفظ به منها؟ وماذا ينبغي أن نتجاوزه؟

المطلوب ليس قتل السياسة، وإنما إخراجها من الغريزة إلى العقل، ومن الجماعة إلى الدولة، ومن الغنيمة إلى المصلحة العامة، ومن الشعار إلى السياسة العامة، ومن رد الفعل إلى الاستراتيجية.

هنا تحديداً يصبح الحديث عن «الكتلة التاريخية» التي دعوت إليها في المقالتين السابقتين أكثر وضوحاً. فالكتلة التاريخية ليست تحالفاً انتخابياً جديداً، ولا تجمعاً لشخصيات تبحث عن موقع في السلطة. إنها ائتلاف تاريخي من أصحاب الأفكار والنخب الاجتماعية والثقافية والسياسية الذين يؤمنون بأن العراق لا يمكن أن يخرج من أزمته بالعقل الذي أدخله فيها.

إن مهمتها الأولى ليست الاستيلاء على السلطة، وإنما إعادة تشكيل الوعي الذي يحدد معنى السلطة والدولة والمصلحة الوطنية.

نحن بحاجة إلى معركة فكرية هادئة ولكن عميقة، معركة ضد البلادة، وضد التكلس، وضد الوثوقية، وضد تحويل السياسة إلى عقيدة مغلقة، وضد تحويل الدين إلى أداة تعبئة سياسية، وضد تحويل التاريخ إلى مخزن للكراهية، وضد تحويل الدولة إلى غنيمة، وضد تحويل المواطن إلى تابع.

العراق يحتاج إلى عقل سياسي جديد.

عقل لا يسأل فقط: من معنا ومن ضدنا؟ وإنما يسأل: ما مصلحة العراق؟

لا يسأل فقط: ماذا قالت جماعتنا؟ وإنما يسأل: ماذا يقول الواقع؟

لا يسأل فقط: كيف ننتصر على الخصم؟ وإنما يسأل: كيف ينتصر المجتمع؟

لا يقيس نجاحه بعدد المناصب التي حصل عليها، وإنما بعدد المشكلات التي استطاع أن يحلها.

ولا يرى السياسة معركة دائمة بين الهويات، وإنما فناً لإدارة الاختلاف وبناء المصالح المشتركة.

إن الدولة التي نريدها لا تحتاج إلى سياسيين أكثر صراخاً، وإنما إلى سياسيين أكثر عقلاً. لا تحتاج إلى من يحفظون الشعارات، وإنما إلى من يستطيعون إنتاج السياسات. لا تحتاج إلى من يكررون الماضي، وإنما إلى من يملكون شجاعة التفكير في المستقبل.

وهذه، في تقديري، هي نقطة البداية الحقيقية لأي إصلاح عراقي.

فلا يمكن إصلاح الدولة بعقل سياسي فاسد، ولا يمكن إصلاح السياسة بثقافة سياسية مريضة، ولا يمكن إنتاج دولة حديثة من أفكار قديمة محنطة، ولا يمكن صناعة مستقبل مختلف بعقل يرفض مراجعة ماضيه.

لقد آن الأوان لكي ننتقل من نقد الدولة الفاشلة إلى نقد العقل الذي ينتج فشل الدولة.

وهذا هو الصراع الحقيقي الذي ينبغي أن يبدأ الآن: صراع الأفكار مع البلادة، والعقل مع الدوغمائية، والمعرفة مع الجهل، والمصلحة العامة مع الغنيمة، والدولة مع القبيلة السياسية، والمستقبل مع أسر الماضي.

فإذا لم نربح هذه المعركة أولاً، فلن يكون بمقدورنا أن نربح أية معركة أخرى.

***

ابراهيم العبادي

  17-8-2026

في المثقف اليوم