عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

غالب المسعودي: الحتمية البيولوجية في تفكيك عقلية القطيع

رؤية نقدية في الأخلاقيات الفلسفية المعاصرة

لا يمكن قراءة الفلسفة الأخلاقية المعاصرة، أو فهم مشكلات السلوك البشري العميقة، بمعزل عن الحتميات البيولوجية التي تحكم البنية العصبية للإنسان. لطالما نظرت الفلسفة الكلاسيكية إلى الأخلاق بوصفها قراراً عقليًا أو مجرد نزعة روحية متعالية، إلا أن الاكتشافات الحديثة في علم وظائف الأعضاء العصبي قد أحدثت ثورة في فهمنا للإرادة الإنسانية. إذ إن العقلية النقدية الحقيقية ليست مجرد تراكم كمي للمعلومات، ولا هي مجرد قدرة لغوية على الحجاج البليغ؛ بل هي في جوهرها المادي ارتقاء وتطور حقيقي في الهيكلية الوظيفية للقشرة الجبهية الأمامية وشبكاتها التكاملية المعقدة.

إن عقلية القطيع وما ينجم عنها من "تغول للشر" ليسا مجرد شذوذات عارضة عن الطبيعة البشرية، بل هما، للأسف الشديد، نتيجة لآليات تطورية عميقة الجذور. مفاهيم مثل "الإدراك الحامي للهوية" وتقليل أخطاء "التنبؤ الاجتماعي" هي آليات دفاعية تستغل المسارات العصبية البدائية لتجنب الألم النفسي العميق الناتج عن الإقصاء الاجتماعي والوحدة. فالإنسان البدائي كان يعتمد على القطيع للبقاء، والانفصال عنه كان يعني الموت المحتم، وهذا الرعب الوجودي ما زال محفورًا في جيناتنا ودوائرنا العصبية.

مع ذلك، فإن الإمكانات البيولوجية والفلسفية للإنسان لا تقف أسيرةً عند هذا القصور التطوري الأولي. إذ توفر ميكانيكيات "اللدونة العصبية" (قدرة الدماغ على إعادة تشكيل روابطه) مرونة هائلة لتطوير مستوى أعلى من "إدراك الإدراك" وهو المستوى القادر على كشف وتحييد هذه الانحيازات البدائية، مما يحقق التكامل التام لنموذج الشبكات العصبية الثلاثية. وعبر إخضاع الاستجابات الحدسية للتنظيم الواعي، وتفعيل آليات التعاطف الاجتماعي عمدًا عبر الممارسة والتدريب العقلي المستمر، تتحول "الإرادة الحرة الصالحة" من افتراض غيبي وميتافيزيقي غامض، إلى واقع ملموس يمكن رعايته وتطويره مؤسسيًا وتربويًا. إن هذا الاندماج العضوي بين الوعي الفلسفي والتدريب العصبي يمثل خط الدفاع البشري الأخير لتمكين الإنسان من كبح "تفاهة الشر"، والارتقاء فوق طغيان القطيع، وتجسيد أعلى مستويات الحرية المعرفية والأخلاقية.

وتأسيسًا على نظرية المعرفة التطورية، يمكن تقسيم العقل النقدي إلى (ثلاثة) مستويات إنسانية، تتدرج في وعيها واستقلالها على النحو الآتي

أولًا: العقل المنظَّم اجتماعيًا (عقلية القطيع)

من الناحية الفلسفية، يمثل هذا المستوى الوجود غير الأصيل للإنسان. في هذه المرحلة، يستمد الفرد هويته، وقيمه، ومنظوره الكامل للصواب والخطأ من بيئته الخارجية، سواء كانت الأسرة، أو الثقافة السائدة، أو المنظومة الفكرية (العقائدية). الفرد هنا "منخرط" ومندمج كليًا في توقعات الآخرين؛ فهو لا يمتلك نظامًا نقديًا داخليًا مستقلًا، بل يقيس صحة أفعاله بناءً على القبول الاجتماعي ومدى مواءمتها لمعايير القطيع. وفي هذا المستوى، تتجلى ظاهرة "تفاهة الشر"، حيث يرتكب الأفراد العاديون أفعالًا مدمرة أو يتبنون مواقف إقصائية، ليس بدافع الشيطنة، بل لمجرد الانصياع الأعمى للسلطة أو الأغلبية. يُشكل هذا المستوى حوالي 58٪ من السكان البالغين، مما يظهر هيمنة النزعة الجماعية على التفكير البشري القياسي.

أما من الناحية الفسيولوجية العصبية، فيرتبط هذا المستوى بهيمنة نظام "التعلم التعزيزي" داخل السياق الاجتماعي. تشير الدراسات المستفيضة إلى أن الانحراف عن رأي الجماعة، أو مجرد التفكير في مواجهة صراع مع القطيع، ينشط "القشرة الحزامية الأمامية الظهرية" والجزء الخلفي من "القشرة الجبهية الإنسية"، وهي المناطق المسؤولة في الدماغ عن رصد الأخطاء، واكتشاف الصراعات، والتنبيه للمخاطر. عندما يكتشف الفرد أن رأيه يتعارض مع رأي الأغلبية، يصدر الدماغ إشارة إنذار تُعرف بـ "خطأ في التنبؤ"، تُشعر الفرد بعدم الارتياح العاطفي وكأنه اقترف ذنبًا مميتًا أو خطأ استراتيجيًا يهدد بقاءه. ويصاحب تلك قاصدًا انخفاض حاد في نشاط "الجسم المخطط البطني" المرتبط بنظام المكافأة وإفراز (الدوبامين).

ولتقليل هذا الصراع العصبي المؤلم واستعادة النشوة العصبية للمكافأة، يلجأ "العقل المنظم اجتماعيًا" بشكل شبه تلقائي إلى تغيير قناعاته لتتطابق مع القطيع، وهو ما يحفز إفراز (الدوبامين) كمكافأة بيولوجية على الامتثال. تفتقر العقلية هنا إلى النقد الجذري؛ لأن "القشرة الجبهية الظهرية الجانبية" (مركز العقلانية والتحكم) لا تتدخل بقوة كافية لتثبيط هذا التكيف التلقائي والخانع مع المحيط الخارجي.

ثانيًا: العقل المؤلِّف لذاته

فلسفيًا، يمثل هذا المستوى نقطة انطلاق التفكير النقدي الحقيقي، وبداية التحرر من هيمنة عقلية القطيع، ويصل إليه نحو 35٪ من البالغين. في هذه المرحلة، يصبح الفرد قادرًا على النظر إلى التوقعات المجتمعية والإملاءات الثقافية كـ "موضوع" خارجي منفصل يمكن تقييمه ونقده، وذلك بناءً على نظام قيمي ومبادئ داخلية قام الفرد نفسه ببنائها عبر التأمل والتجربة. هنا تولد الإرادة المستقلة والوجود الأصيل؛ حيث يتخذ الفرد قراراته استنادًا إلى المنطق، والتحليل الذاتي، ولا ينهار أمام الضغط الجماعي أو رهاب العزلة.

عصبيًا، يتميز هذا المستوى بنشاط عالٍ للتحكم المعرفي والتنفيذي "من أعلى إلى أسفل". يبرز بقوة دور "القشرة الجبهية الظهرية الجانبية" في تثبيط وقمع إشارات "الخطر الاجتماعي" العاطفية الصادرة عن منطقة "اللوزة الدماغية" (مركز الخوف) و"القشرة الحزامية الأمامية" عند مخالفة القطيع. الفرد هنا يمتلك القدرة البيولوجية على تحمل ألم الانفصال عن الجماعة في سبيل قول الحق أو اتباع المنطق.

مع ذلك، يظل هذا المستوى عرضة لفخ فلسفي وعصبي بالغ التعقيد يُعرف بـ "الإدراك الحامي للهوية". تشير الأبحاث المعرفية إلى أن الفرد في هذا المستوى قد يستخدم قدراته العقلية والنقدية العالية ليس للبحث عن الحقيقة المطلقة، بل للدفاع باستماتة عن المعتقدات الأساسية التي تشكل هويته الجديدة. في هذا المستوى، يكون العقل الفاعل في حالة يقظة تامة، إلا أنه قد يُسَخَّر كأداة لحماية الالتزامات العقائدية للفرد من الأدلة المتناقضة معها. وهذا ما يفسر المفارقة الكبيرة التي تظهر في أن الأشخاص ذوي القدرات العالية على الانعكاس المعرفي والمثقفين غالبًا ما يكونون أكثر استقطابًا، وأشد تطرفًا، وأكثر قدرة على تبرير تحيزاتهم في القضايا الخلافية. على الرغْم هذا الانحياز المحتمل، فإن القدرة العصبية الأساسية على التقييم المستقل للمعلومات تكون مكتملة النمو وقيد التشغيل في هذا العقل.

ثالثًا: العقل المحوِّل لذاته

يصل إلى هذا المستوى المتفوق أقلية نادرة جدًا يُقدرها علماء النفس التنموي بنحو 1٪ فقط من البالغين. من الناحية الفلسفية، يدرك الفرد في هذا المستوى بوضوح تام أن حتى نظامه القيمي والنقدي الداخلي (الذي ألّفه بنفسه واعتز به في المستوى السابق) هو نظام ناقص، مشروط، ومقيد بنطاق تجربته الشخصية، ثَمّ فهو قابل للتحديث والتطوير المستمر. يتقبل الفرد التناقضات والتعقيدات الكبرى في الحياة الكونية، ويستطيع تقييم المنظومات الفكرية المتعددة والمتصارعة دون الانحياز الأعمى أو الدفاعي لأي منها. يمثل هذا المستوى حالة متقدمة من الحكمة البالغة والتواضع المعرفي؛ حيث تتشكل "الإرادة الصالحة" من الفهم العميق لقصور الذات وللتحيزات المعرفية الراسخة في الطبيعة البشرية.

عصبيًا، يعتمد هذا المستوى على التطور الأقصى لِما يُعرف بـ "إدراك الإدراك" (أو التفكير في التفكير)، وهو قدرة الفرد على مراقبة وتعديل عملياته المعرفية الخاصة من الخارج كأنه يراقب شخصًا آخر. ترتبط هذه القدرة المتقدمة ارتباطًا كبيرًا بـ "الفص الجبهي القطبي"، الذي يُشار إليه تشريحيًا بـ "باحة برودمان العاشرة". إنها المنطقة الأكثر أمامية في الدماغ البشري، التي تتفرد بكونها غير معنية بالوظائف الحسية أو الحركية المباشرة، بل مكرسة بالكامل للوظائف التنفيذية بالغة التجريد والتنظيم.

أظهرت دراسات التصوير الكمي للدماغ أن سماكة "المادة الرمادية" وسلامة البنية الدقيقة لغلاف "المايلين-الغلاف الدهني للاعصاب" العصبي في هذه القشرة ترتبط ارتباطًا مباشرًا بقدرة الفرد على التقييم الاستبطاني الدقيق لقراراته، وتحديد مستوى ثقته في استنتاجاته بموضوعية. في هذا المستوى، يتمكن الفرد من استخدام "شبكة التنبيه" (الشبكة البارزة) بحرفية ومرونة عالية لتنظيم التبديل السلس بين شبكات الدماغ المختلفة، مما يُمكنه من مراقبة تحيزاته وتصحيحها ديناميكيًا قبل أن تتحول إلى سلوك وغمائي.

خلاصة الرؤية النقدية: العقد المجتمعي والقانون

من المنظور الفلسفي للعقلية النقدية وتطورها البيولوجي، نستنتج أن الإرادة الصالحة لا تعتمد على إلغاء المشاعر الإنسانية لمصلحة العقلانية الحسابية البحتة (التي قد تقود إلى قرارات فاشية أو مجردة من التعاطف الإنساني)، وهي إلى ذلك قطعًا لا تعتمد على الاستسلام الأعمى للعواطف التلقائية (التي قد تنحاز للمجموعة القريبة وتتجاهل قيم العدالة المجردة). بدلًا من ذلك، تعتمد الإرادة الصالحة على قدرة الفرد على إحداث تكامل فعال وديناميكي بين المسار العاطفي والمسار الإدراكي. يتولى هذا التكامل التحكم الانتباهي الدقيق الذي تتوسطه القشرة الحزامية، التي أدّى دور المراقب الحكيم الذي يكتشف الصراع بين العاطفة والمنطق، ويستخدم الوعي التطوري في إنجاز المهمة وتمكين الإنسان كي يكون كائنًا صالحًا وحرًا.

إلا أن الخطر الأكبر يكمن في التراجع التنموي. إن أي فعل يمثل نكوصًا للإنسان عن المستوى الأعلى لنظرية المعرفة التطورية، وحين لا تمارس كتلته العصبية وظائفها العليا بوعي، فإن ذلك لا يعني مجرد كسل فكري، بل يعني "نكوصًا بيولوجيًا" يُرجعه إلى أصله البدائي الغرائزي القائم على الإقصاء والعنف.

وهنا تبرز الأهمية القصوى لتدخل الفلسفة في التشريع؛ إذ يجب ألا يسمح القانون الإنساني لهذا النكوص البيولوجي-القطيعي بأن يحتل مكانة سيادية أو تشريعية تهدد العقد المجتمعي والسلم الأهلي. إن بناء مجتمع حر يتطلب منا، قبل كل شيء، مؤسسات تربوية وقانونية تفهم هذه الحتميات العصبية، وتعمل باستمرار على استثارة اللدونة الدماغية لدى الأفراد، وتحفيز انتقالهم من مرحلة القطيع البدائي إلى مرحلة الإنسان المفكر والمدرك لذاته وللعالم من حوله.

***

غالب المسعودي

في المثقف اليوم