عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

عَلِي أَسْعَد وَطْفَة: مَا بَيْنَ الْأَيْدِيُولُوجِيَا وَالْعَقْلِيَّةِ وَالْفَلْسَفَةِ.. أي علاقة؟

لِكَيْ يَتَوَصَّلَ الْمَرْءُ إِلَى الْحَقِيقَةِ، يَنْبَغِي عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي حَيَاتِهِ أَنْ يَتَخَلَّصَ نِهَائِيًّا مِنْ كُلِّ الْآرَاءِ الشَّائِعَةِ الَّتِي تَرَبَّى عَلَيْهَا وَتَلَقَّاهَا مِنْ مُحِيطِهِ، وَأَنْ يُعِيدَ بِنَاءَ أَفْكَارِهِ بِشَكْلٍ جَذْرِيٍّ مِنَ الْأَسَاسِ. دِيكَارْت.

1- مفهوم الأيديولوجيا:

تُشَكِّلُ الدُّوغْمَا (Dogma) جَذْرَ الْأَيْدِيُولُوجِيَا، إِذْ تَقُومُ الْأَيْدِيُولُوجِيَا عَلَى مَنْظُومَةٍ مِنَ الْأَفْكَارِ وَالْمَبَادِئِ وَالْمُعْتَقَدَاتِ الَّتِي تَنْتَظِمُ فِي رُؤْيَةٍ مُتَكَامِلَةٍ لِلْعَالَمِ، وَتَمْنَحُ الْإِنْسَانَ إِطَارًا لِفَهْمِ الْوَاقِعِ وَتَفْسِيرِهِ، كَمَا تُسْهِمُ فِي تَوْجِيهِ مَوَاقِفِهِ وَقِيَمِهِ وَسُلُوكِهِ. وَالْأَيْدِيُولُوجِيَا تُشَكِّلُ نَسَقًا مِنَ الْأَفْكَارِ الَّتِي تُقَدِّمُ رُؤْيَةً نَسَقِيَّةً مُتَكَامِلَةً لِلْكَوْنِ، وَالْأَيْدِيُولُوجِيَا كَالْعَقِيدَةِ بِنَاءٌ ذِهْنِيٌّ عَقْلِيٌّ يُؤَسِّسُ رُؤْيَةَ الْإِنْسَانِ إِلَى الْوُجُودِ، وَمِنْ ثَمَّ يُعْطِي لِلسُّلُوكِ دَلَالَةً وَمَعْنًى، وَيُؤَسِّسُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ مُنْطَلَقًا لِتَشْكِيلِ الْقِيَمِ الْأَسَاسِيَّةِ الْبِنْيَوِيَّةِ لِلْعَقْلِيَّةِ، وَهِيَ الْحَالَةُ الَّتِي تُعْطِي الْأَيْدِيُولُوجِيَا صِفَتَهَا الْعَقْلَانِيَّةَ.

وَعَلَيْنَا هُنَا أَنْ نَأْخُذَ بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ أَنَّ مَفْهُومَ الْأَيْدِيُولُوجِيَا (Idéologie) لَيْسَ مُجَرَّدَ تَصَوُّرٍ مَارْكِسِيٍّ؛ لِأَنَّهُ يَتَجَاوَزُ حُدُودَ الْمُعْطَيَاتِ الْمَارْكِسِيَّةِ، وَيَفِيضُ بِعَنَاصِرَ وَتَصَوُّرَاتٍ تَتَجَاوَزُ حُدُودَ التَّوْظِيفِ الْمَارْكِسِيِّ الْمَعْرُوفِ. فَهُنَاكَ تَعْرِيفَاتٌ عَدِيدَةٌ وَتَوْظِيفَاتٌ كَثِيرَةٌ لِمَفْهُومِ الْأَيْدِيُولُوجِيَا. وَيُمْكِنُنَا هُنَا أَنْ نُعَوِّلَ فِي هَذَا السِّيَاقِ عَلَى التَّعْرِيفِ الْكِلَاسِيكِيِّ لِلُوِيس أَلْتُوسِير (Louis Althusser: 1918-1990) الَّذِي يَقْضِي بِأَنَّ الْأَيْدِيُولُوجِيَا “نِظَامٌ مِنَ التَّصَوُّرَاتِ (صُوَرٌ، أَسَاطِيرُ، أَفْكَارٌ، مَفَاهِيمُ) يَمْتَلِكُ مَنْطِقَهُ الْخَاصَّ وَيُمَارِسُ دَوْرًا تَارِيخِيًّا فِي مُجْتَمَعٍ مُحَدَّدٍ”   (1).  وَغَنِيٌّ عَنِ الْبَيَانِ أَنَّ النِّظَامَ الْأَيْدِيُولُوجِيَّ، بِمَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ مَضَامِينَ تَصَوُّرِيَّةٍ، يُشَكِّلُ قُوَّةً حَيَوِيَّةً ضَرُورِيَّةً لِطُمُوحَاتِ الْمُجْتَمَعِ وَحَيَاتِهِ الدِّينَامِيَّةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُجْتَمَعَ يَجِدُ فِيهِ مُبَرِّرَاتِ وُجُودِهِ وَأَفْعَالِهِ.

وَفِي هَذَا الْمَنْحَى، فَإِنَّ التَّصَوُّرَ الَّذِي يُقَدِّمُهُ أَلْتُوسِير لِلْأَيْدِيُولُوجِيَا يَتَنَافَرُ مَعَ تَصَوُّرَاتِ مَارْكْس وَإِنْجِلْز الَّتِي تَتَجَلَّى فِي كِتَابِهِمَا “الْأَيْدِيُولُوجِيَا الْأَلْمَانِيَّةُ”. فَالْأَيْدِيُولُوجِيَا، كَمَا يَرَاهَا مُؤَسِّسَا الْمَارْكِسِيَّةِ، نِظَامٌ مِنَ الْأَفْكَارِ وَالتَّصَوُّرَاتِ الَّتِي تُشَكِّلُ انْعِكَاسًا لِلْوُجُودِ الْإِنْسَانِيِّ، وَهِيَ عَلَى الْأَغْلَبِ انْعِكَاسٌ مُشَوَّهٌ لِلْعَالَمِ الْإِنْسَانِيِّ الْحَقِيقِيِّ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الْأَيْدِيُولُوجِيَا لَا تَرْتَبِطُ بِالْحَرَكَةِ الْوَاقِعِيَّةِ لِلتَّارِيخِ، بَلْ تُعَبِّرُ غَالِبًا عَنْ مَصَالِحِ الطَّبَقَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي تُهَيْمِنُ وَتَسُودُ فِي الْمُجْتَمَعِ. وَفِي نَسَقِ التَّصَوُّرِ الْمَارْكِسِيِّ يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ الْحَدَّ الْفَاصِلَ بَيْنَ الْأَيْدِيُولُوجِيَا وَالْأَوْهَامِ وَاهِنٌ جِدًّا، وَهَذَا يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْأَيْدِيُولُوجِيَا غَالِبًا مَا تَأْخُذُ هَيْئَةَ تَصَوُّرَاتٍ مُزَيَّفَةٍ عَنِ الْوَاقِعِ، وَهِيَ أَفْكَارٌ وَتَصَوُّرَاتٌ تَصُبُّ فِي مَصَالِحِ طَبَقَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ.

وَإِذَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَتَجَاوَزَ الْمَفْهُومَ الْمَارْكِسِيَّ لِلْأَيْدِيُولُوجِيَا، فَإِنَّهُ لَمِنَ الضَّرُورَةِ بِمَكَانٍ أَيْضًا أَنْ نَتَجَاوَزَ مَفْهُومَ الْأَيْدِيُولُوجِيَا بِمَعْنَاهُ التَّنَاحُرِيِّ كَمَا يَأْخُذُهُ رَيْمُون آرُون (Raymond Aron)، إِذْ يَرَى أَنَّ الْأَيْدِيُولُوجِيَا “فِكْرَةٌ لِلْأَعْدَاءِ”، وَتَنْطَوِي هَذِهِ الرُّؤْيَةُ عَلَى وَصْفِنَا لِأَفْكَارِ الْخُصُومِ بِأَنَّهَا أَيْدِيُولُوجِيَّةٌ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي نَصِفُ فِيهِ أَفْكَارَنَا نَحْنُ بِأَنَّهَا عَقْلَانِيَّةٌ وَمَوْضُوعِيَّةٌ. فَكُلُّ طَرَفٍ يَعْتَقِدُ غَالِبًا أَنَّهُ يَمْتَلِكُ الْحَقِيقَةَ، فِي حِينِ يَرَى أَنَّ أَفْكَارَ الطَّرَفِ الْآخَرِ مُنْحَازَةٌ وَمُشَوَّهَةٌ وَتَخْدِمُ مَصَالِحَ مُعَيَّنَةً. وَمِنْ هُنَا تُصْبِحُ الْأَيْدِيُولُوجِيَا أَدَاةً فِكْرِيَّةً تُسْتَخْدَمُ فِي الصِّرَاعِ مَعَ الْخُصُومِ وَالتَّشْكِيكِ فِي أَفْكَارِهِمْ وَمَوَاقِفِهِمْ.

وَفِي هَذَا الْمَسَارِ أَيْضًا عَلَيْنَا أَنْ نَتَجَنَّبَ مَفْهُومَ الْأَيْدِيُولُوجِيَا بِمَعْنَاهُ الْبَرَاغْمَاتِيِّ وَالْأَدَاتِيِّ الَّذِي يُقَدِّمُ الْأَيْدِيُولُوجِيَا بِوَصْفِهَا مَنْظُومَةً مِنَ الْأَفْكَارِ الَّتِي تَسْعَى لِإِخْفَاءِ الْحَقِيقَةِ أَوْ لِتَبْرِيرِ الْمَصَالِحِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.

وَحِينَ نَأْخُذُ بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ مَفْهُومَ الْأَيْدِيُولُوجِيَا كَمَا يُقَدِّمُهُ لُوِي أَلْتُوسِير (Louis Althusser)، فَإِنَّهَا لَا تَعْنِي مُجَرَّدَ مَجْمُوعَةٍ مِنَ الْأَفْكَارِ وَالْمُعْتَقَدَاتِ الَّتِي يَحْمِلُهَا الْأَفْرَادُ، بَلْ هِيَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي يَتَصَوَّرُونَ بِهَا عَلَاقَتَهُمْ بِوَاقِعِهِمْ وَشُرُوطِ وُجُودِهِمْ. فَالْأَيْدِيُولُوجِيَا حَاضِرَةٌ فِي الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ، وَتَعْمَلُ مِنْ خِلَالِ مُؤَسَّسَاتِ الْمُجْتَمَعِ، مِثْلَ الْأُسْرَةِ وَالْمَدْرَسَةِ وَالدِّينِ وَوَسَائِلِ الْإِعْلَامِ، وَتُسْهِمُ فِي تَشْكِيلِ وَعْيِ الْأَفْرَادِ وَتَصَوُّرَاتِهِمْ وَسُلُوكِهِمْ، وَغَالِبًا مَا يَحْدُثُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْعُرُوا بِتَأْثِيرِهَا الْمُبَاشِرِ. وَفِي مَنْظُورِ أَلْتُوسِير لِلْأَيْدِيُولُوجِيَا يَتَّضِحُ التَّجَانُسُ الْكَبِيرُ مَعَ مَفْهُومِ الْعَقْلِيَّةِ. فَالْعَقْلِيَّةُ تَرْتَبِطُ بِالْعَقَائِدِ الْمُشْتَرَكَةِ بِدَرَجَةٍ كَبِيرَةٍ، وَبِالتَّصَوُّرَاتِ الْمُتَأَصِّلَةِ فِي رُوحِ الْجَمَاعَةِ وَوِجْدَانِهَا، وَلَا سِيَّمَا تِلْكَ الَّتِي تَتَمَيَّزُ بِدَرَجَةٍ عَالِيَةٍ مِنَ الثَّبَاتِ وَالِاسْتِقْرَارِ. فَالرُّمُوزُ الْأَكْثَرُ أَصَالَةً وَتَجَذُّرًا فِي الرُّوحِ الْجَمْعِيَّةِ، وَالْأَفْكَارُ الْجَاهِزَةُ الَّتِي اخْتَمَرَتْ فِي رَحِمِ الْحَيَاةِ الثَّقَافِيَّةِ، تُشَكِّلُ الْعَنَاصِرَ الْأَسَاسِيَّةَ فِي بِنْيَةِ مَفْهُومِ الْعَقْلِيَّةِ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ الْعَقْلِيَّةَ تَتَشَكَّلُ فِي صُلْبِ الْأَيْدِيُولُوجِيَا مِنَ الْأَعْلَى، وَفِي الْقَوَالِبِ الثَّقَافِيَّةِ مِنَ الْأَسْفَلِ، وَذَلِكَ بِوَصْفِ الثَّقَافَةِ تَصَوُّرًا شَامِلًا لِلْكَوْنِ (2).

وَيُؤَكِّدُ كُلٌّ مِنْ أَنْطُونْيُو غْرَامْشِي (Antonio Gramsci, 1891–1937) وَمِيشِيل فُوكُو (Michel Foucault, 1926–1984)  أَنَّ الْأَفْكَارَ لَا تَنْفَصِلُ عَنِ الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَمُمَارَسَاتِهَا، بَلْ تَتَدَاخَلُ مَعَ مَنْظُومَةِ الْقِيَمِ وَالْمَعَارِفِ وَالْخِطَابَاتِ وَالنَّشَاطَاتِ الْحَيَوِيَّةِ فِي الْمُجْتَمَعِ. فَهِيَ تُؤَثِّرُ فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي يُفَكِّرُ بِهَا النَّاسُ وَيَفْهَمُونَ بِهَا وَاقِعَهُمْ، كَمَا تَرْتَبِطُ بِعَلَاقَاتِ الْقُوَّةِ وَالسُّلْطَةِ السَّائِدَةِ فِي الْمُجْتَمَعِ. وَهَذَا يَشْمَلُ الطُّقُوسَ وَالْعَادَاتِ؛ وَهُمَا يَعْتَقِدَانِ، مَعَ أَلْتُوسِير، بِأَنَّ التَّصَوُّرَاتِ الْخَاصَّةَ بِالْوُجُودِ يُمْكِنُهَا أَنْ تَتَجَلَّى فِي مَضَامِينِ السُّلُوكِ الِاجْتِمَاعِيِّ. وَهَذِهِ التَّصَوُّرَاتُ قَلَّمَا تَخْضَعُ لِلنَّقْدِ الْعَقْلَانِيِّ.

الأيديولوجيا والعقلية:

وَالْجَدِيرُ بِالْأَهَمِّيَّةِ هُنَا هُوَ أَنَّ أَلْتُوسِير يُشَدِّدُ عَلَى أَهَمِّيَّةِ الْجَانِبِ اللَّاشُعُورِيِّ لِلتَّصَوُّرَاتِ وَالْأَفْكَارِ الَّتِي تَحْمِلُ طَابِعًا أَيْدِيُولُوجِيًّا. وَيَتَجَلَّى هَذَا الْجَانِبُ اللَّاشُعُورِيُّ، بِحَسَبِ أَلْتُوسِير، فِي مُخْتَلِفِ جَوَانِبِ السُّلُوكِ وَالْمُمَارَسَاتِ الْحَيَاتِيَّةِ، مِنْ أَبْسَطِهَا إِلَى أَشَدِّهَا تَعْقِيدًا. وَفِي هَذَا إِقْرَارٌ عَمِيقٌ بِأَهَمِّيَّةِ الْأَيْدِيُولُوجِيَا لِلْحَيَاةِ الْإِنْسَانِيَّةِ؛ وَهُنَا بِالذَّاتِ يَتَقَاطَعُ مَفْهُومُ الْأَيْدِيُولُوجِيَا مَعَ مَفْهُومِ الْعَقْلِيَّةِ، بِوَصْفِهِمَا تَصَوُّرَاتٍ تَجَذَّرَتْ فِي أَعْمَاقِ الْوِجْدَانِ وَفِي الْعَقْلِ الْبَاطِنِ عَلَى نَحْوٍ لَاشُعُورِيٍّ. وَعِنْدَمَا يَجْرِي الْحَدِيثُ عَنِ الْأَيْدِيُولُوجِيَا وَفْقًا لِهَذِهِ الرُّؤْيَةِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ هُنَا يَقَعُ فِي مَدَارِ الْعَقْلِيَّةِ، أَيْ إِنَّ الْأَيْدِيُولُوجِيَا وَالْعَقْلِيَّةَ تَأْخُذَانِ صُورَةَ مَفْهُومٍ وَاحِدٍ.

وَمِنْ أَجْلِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْمَفْهُومَيْنِ (بَيْنَ الْأَيْدِيُولُوجِيَا Ideology وَالْعَقْلِيَّةِ Mentality) أَيْضًا، يُمْكِنُ الْقَوْلُ غَالِبًا إِنَّ الْأَيْدِيُولُوجِيَا تَكُونُ تَصَوُّرَاتٍ مُمَنْهَجَةً اجْتِمَاعِيًّا، وَتَسْعَى إِلَى تَحْقِيقِ أَهْدَافٍ حَيَوِيَّةٍ وَاضِحَةٍ، وَعَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْعَقْلِيَّةَ هِيَ حَالَةٌ سِيكُولُوجِيَّةٌ لَاشُعُورِيَّةٌ تَقُومُ عَلَى أَسَاسٍ مِنَ التَّصَوُّرَاتِ وَالْقِيَمِ الَّتِي تُوَجِّهُ سُلُوكَ الْفَرْدِ وَتُحَدِّدُهُ بِصُورَةٍ غَامِضَةٍ. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّهُ يُمْكِنُ الْفَصْلُ غَالِبًا بَيْنَ السُّلُوكِ وَالْأَيْدِيُولُوجِيَا، وَلَكِنَّ الْعَقْلِيَّةَ تَتَمَيَّزُ بِعَمَلِيَّةِ اتِّحَادٍ عَمِيقٍ وَشَامِلٍ بَيْنَ السُّلُوكِ وَالتَّصَوُّرَاتِ الَّتِي تُوَجِّهُهُ؛ لِأَنَّهَا تُعَبِّرُ عَنْ صَمِيمِ الْوِجْدَانِ الدَّاخِلِيِّ لِلْفَرْدِ وَالْجَمَاعَةِ: إِنَّهَا تَصَوُّرَاتٌ صَمِيمِيَّةٌ لَا زَيْفَ فِيهَا أَبَدًا. وَمِثَالُنَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ السُّلْطَةَ تُرَوِّجُ أَحْيَانًا لِتَصَوُّرَاتٍ وَقِيَمٍ لَا تَقَعُ فِي دَائِرَةِ إِيمَانِ وَاقْتِنَاعِ وَسُلُوكِ مَنْ يُرَوِّجُ لِهَذِهِ الْأَفْكَارِ؛ فَرَجُلُ الْأَعْمَالِ الَّذِي يَدْعُو الْعُمَّالَ إِلَى التَّقَشُّفِ غَالِبًا مَا يَنْتَهِجُ سُلُوكًا يَتَنَاقَضُ مَعَ تَصَوُّرَاتِهِ الَّتِي يُصَدِّرُهَا لِعُمَّالِهِ.

وَعَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْفَلَّاحَ مَثَلًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ بِسُلُوكِهِ عَنْ دَائِرَةِ مُعْتَقَدَاتِهِ وَتَصَوُّرَاتِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مُعْتَقَدَاتِهِ وَتَصَوُّرَاتِهِ صَمِيمِيَّةٌ وَجَوْهَرِيَّةٌ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سُلُوكِهِ، وَعِنْدَمَا يَحْدُثُ هَذَا فَإِنَّهُ يُصَابُ بِحَالَةِ هَذَيَانٍ وَصَدْمَةٍ وُجُودِيَّةٍ: إِنَّ فِعْلَهُ يُوَافِقُ تَفْكِيرَهُ، وَتَفْكِيرَهُ يَتَكَامَلُ مَعَ فِعْلِهِ وَسُلُوكِهِ. وَبِاخْتِصَارٍ، الْعَقْلِيَّةُ وَالْأَيْدِيُولُوجِيَا هُمَا فِي نِهَايَةِ الْأَمْرِ نِظَامَانِ مِنَ الْمَبَادِئِ الَّتِي تُوَجِّهُ سُلُوكَ الْفَرْدِ وَالْجَمَاعَةِ.

مَا بَيْنَ الْعَقْلِيَّةِ وَالْفَلْسَفَةِ كَرُؤْيَةٍ لِلْعَالَمِ:

تُزَوِّدُنَا الْفَلْسَفَاتُ، بِوَصْفِهَا تَأَمُّلَاتٍ عَامَّةً حَوْلَ الْكَوْنِ، بِمَنْظُومَةٍ مِنَ الْأَفْكَارِ حَوْلَ هَذَا الْعَالَمِ، وَتَأْسِيسًا عَلَى ذَلِكَ يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ الْفَلْسَفَاتِ هِيَ فِي نِهَايَةِ الْأَمْرِ مَنَاهِجُ رُؤْيَةٍ شُمُولِيَّةٍ تَسْمَحُ لَنَا بِأَنْ نَأْخُذَ الْمَكَانَ الَّذِي نُحَدِّدُ فِيهِ مَوْقِفَنَا مِنَ الْكَوْنِ، وَكُلُّ فَلْسَفَةٍ تَسْتَنِدُ إِلَى تَصَوُّرَاتٍ عَقْلِيَّةٍ تُوَظَّفُ أَخْلَاقِيًّا فِي مَجَالِ تَحْدِيدِ الصَّحِّ أَوِ الْخَطَإِ، وَهِيَ تُمْلِي عَلَيْنَا مَوْقِفًا أَخْلَاقِيًّا يَتَمَثَّلُ فِي دَلَالَاتِ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ وَالْجَمَالِ. وَكُلُّ فَلْسَفَةٍ تُقَدِّمُ إِجَابَاتٍ مُحَدَّدَةً عَنْ هَذِهِ الْمُشْكِلَاتِ وَتِلْكَ التَّسَاؤُلَاتِ، وَهَذَا بِدَوْرِهِ يُحَدِّدُ رُؤْيَتَنَا لِلْكَوْنِ وَالْحَيَاةِ الَّتِي تَأْخُذُ فِي حُسْبَانِهَا مَبَادِئَ الْمَعْرِفَةِ وَتَفْسِيرَاتٍ تَدُورُ حَوْلَ الْوُجُودِ وَالْكَوْنِ وَالْحَيَاةِ، وَمِنْ ثَمَّ يَلِي ذَلِكَ تَبْرِيرَاتٌ لِلسُّلُوكِيَّاتِ الَّتِي تَنْطَلِقُ مِنْ أُسُسِ هَذِهِ الْفَلْسَفَةِ.

وَفِي هَذَا الْمُسْتَوَى مِنَ التَّحْلِيلِ تَتَقَاطَعُ الْفَلْسَفَةُ مَعَ الْعَقْلِيَّةِ، فَالْعَقْلِيَّةُ بِدَوْرِهَا تَشْتَمِلُ عَلَى رُؤْيَةٍ لِلْكَوْنِ وَعَلَى مَوَاقِفَ أَخْلَاقِيَّةٍ. وَهِيَ مَنْظُومَةٌ مُكَوَّنَةٌ مِنْ مَبَادِئَ وَقِيَمٍ وَأُصُولٍ مَرْجِعِيَّةٍ وَتَصَوُّرَاتٍ تُوَحِّدُ بَيْنَ مُخْتَلِفِ النَّمَاذِجِ السُّلُوكِيَّةِ النَّمُوذَجِيَّةِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَبِالتَّالِي فَإِنَّ هَذِهِ الْمَبَادِئَ وَالْعَقَائِدَ وَالْقِيَمَ وَالْمَعَايِيرَ تُشَكِّلُ الْمَنْطِقَ الْخَاصَّ بِالْجَمَاعَةِ أَوِ الْفَرْدِ (3). وَهَذِهِ الْمَنْظُومَةُ مِنَ الْمَبَادِئِ تَتَجَلَّى عَلَى نَحْوٍ تَجْرِيدِيٍّ، فَهِيَ كِيَانَاتٌ ذِهْنِيَّةٌ تَسْمَحُ بِفَهْمِ وَتَفْسِيرِ السُّلُوكِ، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الذِّهْنِيَّةَ يُمْكِنُهَا أَنْ تَتَحَدَّدَ بِوَصْفِهَا نِظَامًا مِنَ الِاتِّجَاهَاتِ الَّتِي تَتَوَافَقُ مَعَ مَنْظُومَةٍ مِنَ الْمَبَادِئِ. فَالْعَقْلِيَّةُ هِيَ مَنْظُومَةٌ مِنَ الِاسْتِعْدَادَاتِ النَّفْسِيَّةِ الَّتِي تَعُودُ إِلَى مَرْجِعِيَّةٍ مِنَ الْعَقَائِدِ الَّتِي تُحَدِّدُ النَّظْرَةَ إِلَى الْكَوْنِ وَالَّتِي تُعْطِي مَعْنَى الْأَشْيَاءِ، كَمَا أَنَّهَا تُوَجِّهُ السُّلُوكَ وَتُحَدِّدُهُ فِي الْآنِ الْوَاحِدِ. وَمِنَ الْوُضُوحِ بِمَكَانٍ أَنَّ نِظَامَ الْمَبَادِئِ الدَّاخِلِيَّ الَّذِي يَتَغَلْغَلُ فِي الْعُمْقِ السِّيكُولُوجِيِّ لِلْإِنْسَانِ يُسَاعِدُ الْأَفْرَادَ وَالْجَمَاعَاتِ عَلَى فَهْمِ الْعَالَمِ وَالْوَسَطِ الَّذِي يَعِيشُونَ فِيهِ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الْمُحِيطَ وَالْأَشْيَاءَ تُفَسَّرُ عَلَى أَسَاسِ هَذَا الْمَنْطِقِ، وَيُضَافُ إِلَى ذَلِكَ وُجُودُ رُؤْيَةٍ لِلْعَالَمِ Vision du monde تَدْخُلُ فِي صَمِيمِ أَيِّ عَقْلِيَّةٍ، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الْعَقْلِيَّةَ وَالنَّظْرَةَ إِلَى الْكَوْنِ تُشَكِّلَانِ وَحْدَةً لَا يُمْكِنُ الْفَصْلُ بَيْنَ جَنَبَاتِهَا (4).

إِنَّ النَّظْرَةَ إِلَى الْكَوْنِ تَتَمَحْوَرُ غَالِبًا حَوْلَ قَضِيَّةٍ وُجُودِيَّةٍ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْعَقْلِيَّةَ الَّتِي تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا رُؤْيَةَ الْعَالَمِ تُوَلِّدُ اتِّجَاهَاتٍ وَمَوَاقِفَ، وَهَذَا يَرْمُزُ إِلَى أَسَالِيبِ الْوُجُودِ إِزَاءَ عَنَاصِرِ الْوَسَطِ، وَمِنَ الْمَعْرُوفِ فِي هَذَا السِّيَاقِ أَنَّ بَعْضَ الْعَقْلِيَّاتِ تَنْطَوِي عَلَى نَسَقٍ مِنَ الْمَمْنُوعَاتِ الْمُقَدَّسَةِ Tabous، وَنَسَقٍ آخَرَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمَرْغُوبَةِ، مِثْلَ احْتِرَامِ السُّلْطَةِ وَمُمَثِّلِيهَا وَرَفْضِ التَّجْدِيدِ وَكُلِّ مَا يُمَثِّلُهُ. فَالْعَقْلِيَّةُ هِيَ مَصْدَرُ السُّلُوكِ، وَهَذَا يَعْنِي مَجْمُوعَةً مِنَ السِّمَاتِ الْخَاصَّةِ بِالسُّلُوكِ، وَالَّتِي تَكْشِفُ عَنْ بَعْضِ الْمَفَاهِيمِ التَّكْوِينِيَّةِ لِلْعَقْلِيَّةِ الْمُعَاصِرَةِ.

وَيَتَّضِحُ مِنْ خِلَالِ التَّحْلِيلِ الْمَنْطِقِيِّ وُجُودُ عَلَاقَةٍ جَوْهَرِيَّةٍ وَاسْتِمْرَارِيَّةٍ بَيْنَ الْعَقْلِيَّةِ بِوَصْفِهَا مَنْظُومَةً مِنَ الْمَفَاهِيمِ، وَبَيْنَ الْعَقْلِيَّةِ بِوَصْفِهَا رُؤْيَةً لِلْعَالَمِ وَالْكَوْنِ وَنَسَقًا مُنَظَّمًا مِنَ الِاتِّجَاهَاتِ الَّتِي تَتَكَامَلُ مَعَ الْمَبَادِئِ وَالسُّلُوكِ، وَلَا سِيَّمَا السُّلُوكَ (الَّذِي يُمْكِنُ مُلَاحَظَتُهُ بِسُهُولَةٍ وَبِصُورَةٍ مُبَاشِرَةٍ).

فِي الْعَصْرِ الْوَسِيطِ كَانَ النَّاسُ، وَفْقًا لِعَقْلِيَّتِهِمْ، يُفَسِّرُونَ الْمَصَائِبَ وَالْكَوَارِثَ وَالْأَحْدَاثَ عَلَى أَنَّهَا إِرَادَةٌ رَبَّانِيَّةٌ أَوْ عِقَابٌ إِلَهِيٌّ، وَهَذِهِ الْعَقْلِيَّةُ تُثِيرُ الْفُضُولَ وَالِاسْتِغْرَابَ فِي عَصْرِنَا الْحَاضِرِ. وَلَكِنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَةَ تُمَثِّلُ نُقْطَةً جَوْهَرِيَّةً فِي الْعَقْلِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ الْقَدِيمَةِ أَوِ الْعَقْلِيَّةِ الْبِدَائِيَّةِ. فَهَذِهِ رُؤْيَةٌ فَلْسَفِيَّةٌ تَدْخُلُ فِي صَمِيمِ بِنْيَةِ الْعَقْلِيَّةِ.

إِنَّ الْعَقِيدَةَ الْفَلْسَفِيَّةَ تَفْعَلُ فِعْلَ الذِّهْنِيَّةِ أَوِ الْعَقْلِيَّةِ، إِذْ هِيَ نِظَامٌ مِنَ الْمَبَادِئِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْمَبَادِئَ تَتَّسِمُ بِالْوُضُوحِ، وَهِيَ تُشَكِّلُ غَالِبًا سِيَاقًا مِنَ الْمَرْجِعِيَّاتِ الْمَكْتُوبَةِ. وَعَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَبَادِئَ الْخَاصَّةَ بِعَقْلِيَّةٍ مَا تَكُونُ غَالِبًا غَامِضَةً، وَيَجِبُ الْعَمَلُ عَلَى كَشْفِ مَجَاهِلِهَا وَتَضَارِيسِهَا (5). وَعَلَى هَذَا الْأَسَاسِ يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ بِنَاءَ مُخَطَّطٍ لِلاتِّجَاهَاتِ الْفَلْسَفِيَّةِ السَّائِدَةِ يَسْمَحُ لَنَا بِتَحْدِيدِ الْمَحَاوِرِ الْأَسَاسِيَّةِ الَّتِي تُشَكِّلُ مُنْطَلَقَ وَاتِّجَاهَ الْعَقْلِيَّاتِ السَّائِدَةِ فِي اتِّخَاذِ مَوْقِفٍ مُحَدَّدٍ مِنَ الْوُجُودِ.

وَفِي مَسَارٍ آخَرَ يُمْكِنُ أَنْ نُورِدَ صِيغَةً أُخْرَى لِأَنْمَاطِ رُؤْيَةٍ لِلْوُجُودِ تَتَحَدَّدُ بِطَبِيعَةِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي تُوَجِّهُ هَذِهِ الرُّؤَى. إِنَّ الْأَحْجَارَ وَالصُّخُورَ لَا تَحْمِلُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤَرِّخِ أَيَّ مَعْنًى فِي ذَاتِهَا، فَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى تَارِيخِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَطَرِيقَةِ تَشَكُّلِهَا عَبْرَ الزَّمَنِ فِي الْوِدْيَانِ وَضِفَافِ الْأَنْهَارِ وَفِي طَبَقَاتِ الْأَرْضِ، وَهُوَ يَسْعَى إِلَى تَحْدِيدِ تَارِيخِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَالْمَرَاحِلِ الَّتِي نَشَأَتْ فِيهَا، وَهُوَ بِذَلِكَ يُعْطِي هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مَعْنًى مَعَ عَمَلِيَّةِ بِنَاءِ مَعْرِفَتِهِ الْخَاصَّةِ. وَعَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْجِبَالَ الَّتِي يَسْكُنُهَا الْإِنْسَانُ الْبِدَائِيُّ، وَالْأَشْجَارَ الَّتِي تُحِيطُ بِهِ، لَا تَعْنِي شَيْئًا بِالنِّسْبَةِ لِلْإِنْسَانِ الْبِدَائِيِّ، وَلَيْسَ لَهَا أَيُّ مَعَانٍ فِي ذَاتِهَا، فَمَا يَعْنِيهِ هُوَ إِمْكَانِيَّةُ تَوْظِيفِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ أَجْلِ حَيَاتِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ. وَهَذَا يَنْسَحِبُ عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيهَا الْفَيْلَسُوفُ إِلَى الْأَشْيَاءِ، حَيْثُ يَبْحَثُ عَنْ مَعَانِيهَا وَعَلَاقَتِهَا مَعَ الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ يُبَاشِرُ الْحَقِيقَةَ دُونَ أَحْكَامٍ مُسْبَقَةٍ وَمِنْ غَيْرِ أَفْكَارٍ جَاهِزَةٍ، فَهُوَ يَبْحَثُ عَنْ مَاهِيَّةِ الْأَشْيَاءِ، وَعَنْ طَبِيعَةِ الْأَحْدَاثِ، وَلِذَا فَهُوَ يَنْطَلِقُ مِنَ الْوَاقِعِ، وَيُحَاوِلُ أَنْ يَكْتَشِفَ الْعَلَاقَةَ الَّتِي تَرْبِطُ هَذَا الْوَاقِعَ بِالْحَقِيقَةِ، وَذَلِكَ عَبْرَ عَمَلِيَّةِ التَّفْسِيرِ الدَّائِمِ وَالتَّفْكِيرِ الْمُسْتَمِرِّ.

يَجِبُ أَنْ نَنْظُرَ إِلَى النَّشَاطِ الْفَلْسَفِيِّ كَمُحَاوَلَةٍ ذِهْنِيَّةٍ تُحَدِّدُهَا عَمَلِيَّةُ تَفْكِيرٍ تَأْخُذُ اتِّجَاهًا مُحَدَّدًا. فَكُلُّ إِنْسَانٍ يُحَاوِلُ أَنْ يَفْهَمَ، وَهَذِهِ هِيَ الْحَاجَةُ الثَّقَافِيَّةُ الْأُولَى عِنْدَ الْإِنْسَانِ الَّذِي يُعْطِي مَعْنًى لِلْحَقِيقَةِ بِأَيَّةِ طَرِيقَةٍ مِنَ الطُّرُقِ، وَذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ إِنْشَاءِ الْأَسَاطِيرِ وَبِنَاءِ الْمَعْرِفَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَالتَّعْبِيرَاتِ الْفَنِّيَّةِ وَالتَّفْسِيرَاتِ الدِّينِيَّةِ، وَأَخِيرًا عَنْ طَرِيقِ التَّفْكِيرِ الْفَلْسَفِيِّ. إِنَّ تَحْدِيدَ مَعْنَى الْأَشْيَاءِ يَتِمُّ بِالنِّسْبَةِ لِلْفَيْلَسُوفِ مِنْ خِلَالِ الْكَشْفِ الْمُمَنْهَجِ عَنِ الْعَلَاقَةِ الْقَائِمَةِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ يُدْرِكُ الْمَجَالَ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ وَفْقًا لِمَشَاعِرِهِ وَرَغَبَاتِهِ وَعَقَائِدِهِ وَدَرَجَةِ انْدِمَاجِهِ فِي التَّارِيخِ الْجَمْعِيِّ لِلْمُجْتَمَعِ الَّذِي يَنْتَمِي إِلَيْهِ.

وَبِاخْتِصَارٍ، يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ الْفَلْسَفَةَ مَوْقِفٌ مُمَنْهَجٌ وَمُنَظَّمٌ وَعَقْلَانِيٌّ مِنَ الْكَوْنِ، أَمَّا الْعَقْلِيَّةُ فَهِيَ مَوْقِفٌ لَاشُعُورِيٌّ مِنَ الْكَوْنِ يَرْتَهِنُ بِتَرَاكُمِ خِبْرَاتٍ شُعُورِيَّةٍ وَلَاشُعُورِيَّةٍ عَبْرَ تَجَارِبَ مُسْتَمِرَّةٍ مُنْذُ مَرْحَلَةِ الطُّفُولَةِ، وَالطُّفُولَةِ الْأُولَى تَحْدِيدًا. وَلَيْسَ فِي هَذَا الْقَوْلِ مِنْ غَرَابَةٍ، فَبَعْضُ الْمُحَلِّلِينَ النَّفْسِيِّينَ وَالْأَنْثُرُوبُولُوجِيِّينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَفْهُومَ الْإِنْسَانِ عَنِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَتَكْوِينَهُ النَّفْسِيَّ الْمُتَفَائِلَ وَالْمُتَشَائِمَ يَنْشَأُ فِي مَرْحَلَةِ الطُّفُولَةِ الْمُبَكِّرَةِ وَفِي مَرْحَلَةِ الرَّضَاعَةِ تَحْدِيدًا، وَهَذَا يَعْتَمِدُ عَلَى عَلَاقَةِ الطِّفْلِ بِثَدْيِ الْأُمِّ، فَعِنْدَمَا يَكُونُ صَدْرُ الْأُمِّ مِعْطَاءً تَتَكَوَّنُ لَدَى الطِّفْلِ رُوحٌ مُتَفَائِلَةٌ وَنَظْرَةٌ إِيجَابِيَّةٌ إِلَى الْكَوْنِ، وَعَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، عِنْدَمَا يَكُونُ صَدْرُ الْأُمِّ شَحِيحًا، فَهَذَا يُوَلِّدُ فِي أَعْمَاقِهِ نَظْرَةً مُتَشَائِمَةً لِلْكَوْنِ وَمَا يَنْدَرِجُ فِيهِ. وَفِي هَذَا الصَّدَدِ يُؤَكِّدُ أَغْلَبُ الْمُفَكِّرِينَ وَالْمُرَبِّينَ أَنَّ عَقْلِيَّةَ الْإِنْسَانِ تَتَشَكَّلُ فِي مَرَاحِلِ الطُّفُولَةِ الْأُولَى عَبْرَ شَحَنَاتٍ مُتَفَجِّرَةٍ مِنَ الِانْفِعَالَاتِ وَالْآلَامِ وَالْخِبْرَاتِ الطِّفْلِيَّةِ.

خُلَاصَةٌ

يَسْعَى النَّصُّ إِلَى تَحْدِيدِ مَفْهُومِ الْعَقْلِيَّةِ مِنْ خِلَالِ مُقَارَنَتِهِ بِمَفْهُومَيِ الْأَيْدِيُولُوجِيَا وَالْفَلْسَفَةِ، انْطِلَاقًا مِنْ أَنَّ الْمَفَاهِيمَ الثَّلَاثَةَ تَشْتَرِكُ فِي كَوْنِهَا أَنْظِمَةً مِنَ التَّصَوُّرَاتِ وَالْمَبَادِئِ الَّتِي تَمْنَحُ الْإِنْسَانَ رُؤْيَةً لِلْعَالَمِ وَتُوَجِّهُ سُلُوكَهُ، لَكِنَّهَا تَخْتَلِفُ فِي طَبِيعَةِ تَشَكُّلِهَا وَدَرَجَةِ الْوَعْيِ وَالتَّنْظِيمِ فِيهَا.

فَفِي عَلَاقَتِهَا بِالْأَيْدِيُولُوجِيَا، تَبْدُو الْعَقْلِيَّةُ شَدِيدَةَ الْقُرْبِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْأَيْدِيُولُوجِيَا تُمَثِّلُ نِظَامًا مِنَ الْأَفْكَارِ وَالتَّصَوُّرَاتِ يَمْنَحُ الْأَفْرَادَ وَالْجَمَاعَاتِ طَرِيقَةً مُعَيَّنَةً فِي فَهْمِ الْوَاقِعِ وَتَفْسِيرِهِ. وَيَتَجَاوَزُ النَّصُّ التَّصَوُّرَ الْمَارْكِسِيَّ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى الْأَيْدِيُولُوجِيَا بِوَصْفِهَا انْعِكَاسًا مُشَوَّهًا لِلْوَاقِعِ وَتَعْبِيرًا عَنْ مَصَالِحَ طَبَقِيَّةٍ، كَمَا يَتَجَاوَزُ مَعْنَاهَا التَّنَاحُرِيَّ عِنْدَ رَيْمُون آرُون، حَيْثُ تُصْبِحُ الْأَيْدِيُولُوجِيَا وَصْفًا لِأَفْكَارِ الْخُصُومِ، وَيَتَبَنَّى بِصُورَةٍ أَكْبَرَ التَّصَوُّرَ الَّذِي يُقَدِّمُهُ لُوِي أَلْتُوسِير، الَّذِي يَرَى فِيهَا نِظَامًا مِنَ التَّصَوُّرَاتِ لَهُ مَنْطِقُهُ الْخَاصُّ وَدَوْرُهُ التَّارِيخِيُّ فِي الْمُجْتَمَعِ.

وَمِنْ هَذَا الْمَنْظُورِ تَتَقَاطَعُ الْأَيْدِيُولُوجِيَا مَعَ الْعَقْلِيَّةِ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَمَا تُصْبِحُ التَّصَوُّرَاتُ وَالْقِيَمُ رَاسِخَةً فِي الْوِجْدَانِ وَتَعْمَلُ بِصُورَةٍ لَاشُعُورِيَّةٍ فِي الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ. وَيُعَزِّزُ هَذَا الِاتِّجَاهَ كُلٌّ مِنْ أَنْطُونْيُو غْرَامْشِي وَمِيشِيل فُوكُو، إِذْ تَرْتَبِطُ الْأَفْكَارُ عِنْدَهُمَا بِالْمُمَارَسَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالْقِيَمِ وَالْخِطَابَاتِ وَعَلَاقَاتِ الْقُوَّةِ. وَهَكَذَا لَا تَبْقَى الْأَفْكَارُ مُجَرَّدَ تَصَوُّرَاتٍ نَظَرِيَّةٍ، بَلْ تَتَجَسَّدُ فِي السُّلُوكِ وَالْعَادَاتِ وَالطُّقُوسِ وَالْمُمَارَسَاتِ الْيَوْمِيَّةِ.

وَمَعَ ذَلِكَ، يُمَيِّزُ النَّصُّ بَيْنَ الْعَقْلِيَّةِ وَالْأَيْدِيُولُوجِيَا: فَالْأَيْدِيُولُوجِيَا تَكُونُ فِي الْغَالِبِ أَكْثَرَ تَنْظِيمًا وَوُضُوحًا وَارْتِبَاطًا بِأَهْدَافٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ، وَقَدْ يَنْفَصِلُ فِيهَا الْقَوْلُ عَنِ السُّلُوكِ؛ أَمَّا الْعَقْلِيَّةُ فَهِيَ بِنْيَةٌ نَفْسِيَّةٌ وَثَقَافِيَّةٌ عَمِيقَةٌ وَلَاشُعُورِيَّةٌ تَتَجَذَّرُ فِيهَا الْقِيَمُ وَالْمُعْتَقَدَاتُ إِلَى دَرَجَةٍ يَصْعُبُ مَعَهَا الْفَصْلُ بَيْنَ مَا يَعْتَقِدُهُ الْإِنْسَانُ وَالطَّرِيقَةِ الَّتِي يَتَصَرَّفُ بِهَا. وَلِذَلِكَ تَتَّحِدُ فِي الْعَقْلِيَّةِ التَّصَوُّرَاتُ وَالسُّلُوكُ فِي بِنْيَةٍ وَاحِدَةٍ مُتَمَاسِكَةٍ.

أَمَّا فِي عَلَاقَتِهَا بِالْفَلْسَفَةِ، فَإِنَّ الْعَقْلِيَّةَ وَالْفَلْسَفَةَ تَشْتَرِكَانِ فِي أَنَّهُمَا تُقَدِّمَانِ رُؤْيَةً لِلْعَالَمِ وَالْكَوْنِ وَتُحَدِّدَانِ مَوْقِفَ الْإِنْسَانِ مِنْ قَضَايَا الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْحَقِّ وَالْجَمَالِ. لَكِنَّ الْفَلْسَفَةَ تَتَمَيَّزُ بِأَنَّهَا رُؤْيَةٌ وَاعِيَةٌ وَمُنَظَّمَةٌ وَعَقْلَانِيَّةٌ وَمُمَنْهَجَةٌ، فِي حِينِ تَتَشَكَّلُ الْعَقْلِيَّةُ بِصُورَةٍ تَدْرِيجِيَّةٍ وَلَاشُعُورِيَّةٍ مِنْ خِلَالِ الثَّقَافَةِ وَالتَّرْبِيَةِ وَالْخِبْرَاتِ وَالتَّجَارِبِ الْمُتَرَاكِمَةِ مُنْذُ الطُّفُولَةِ.

وَبِذَلِكَ يُمْكِنُ تَلْخِيصُ الْفِكْرَةِ الْمَرْكَزِيَّةِ لِلنَّصِّ فِي أَنَّ الْعَقْلِيَّةَ تَقَعُ فِي مِنْطَقَةٍ وُسْطَى بَيْنَ الْأَيْدِيُولُوجِيَا وَالْفَلْسَفَةِ: فَهِيَ تَشْتَرِكُ مَعَ الْأَيْدِيُولُوجِيَا فِي قُدْرَتِهَا عَلَى تَوْجِيهِ السُّلُوكِ وَتَشْكِيلِ رُؤْيَةِ الْإِنْسَانِ إِلَى الْوَاقِعِ، وَتَشْتَرِكُ مَعَ الْفَلْسَفَةِ فِي تَقْدِيمِ رُؤْيَةٍ لِلْعَالَمِ؛ لَكِنَّهَا تَتَمَيَّزُ عَنْهُمَا بِكَوْنِهَا أَكْثَرَ تَجَذُّرًا فِي الْبِنْيَةِ النَّفْسِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ وَاللَّاشُعُورِيَّةِ لِلْفَرْدِ وَالْجَمَاعَةِ. فَالْفَلْسَفَةُ رُؤْيَةٌ عَقْلَانِيَّةٌ وَاعِيَةٌ لِلْعَالَمِ، وَالْأَيْدِيُولُوجِيَا مَنْظُومَةٌ مُنَظَّمَةٌ مِنَ التَّصَوُّرَاتِ وَالْمَبَادِئِ ذَاتُ وَظِيفَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ، أَمَّا الْعَقْلِيَّةُ فَهِيَ بِنْيَةٌ عَمِيقَةٌ مِنَ الْقِيَمِ وَالْمُعْتَقَدَاتِ وَالتَّصَوُّرَاتِ الْمُسْتَبْطَنَةِ الَّتِي تَمْنَحُ الْعَالَمَ مَعْنَاهُ وَتُوَجِّهُ السُّلُوكَ بِصُورَةٍ تِلْقَائِيَّةٍ وَلَاشُعُورِيَّةٍ.

***

د. عَلِي أَسْعَد وَطْفَة - جَامِعَةُ الْكُوَيْتِ

....................

هوامش المقالة:

1-  Hervé Martin, Mentalités médiévales, XIe–XVe siècles (Paris: PUF, coll. « Nouvelle Clio », 1996), p. 6.

  2- Jean Servier, L’Idéologie (Paris: PUF, 1982).

3-  Alex Mucchielli, Les Mentalités: compréhension et analyse (Paris: Éditions ESF, 1984), p. 8.

4-   Alex Mucchielli, Les Mentalités, ibid., p. 11.

5-  Alex Mucchiellie, Les mentalités, ibid. , P11.

في المثقف اليوم