عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

عامر عبد زيد: الفلسفة بوصفها اسمًا

حين نتحدث عن «الفلسفة» في الحضارة الإسلامية، فإننا غالبًا ما نتعامل مع الكلمة كما لو أنها كانت تحمل معناها منذ اللحظة الأولى، وكأن لفظ «الفلسفة» يشير بصورة طبيعية إلى حقل معرفي محدد، وإلى نوع معين من الكتب، وإلى مجموعة من الأشخاص الذين يمكن التعرف إليهم بسهولة بوصفهم «فلاسفة».

غير أن هذا الاستقرار الظاهري للاسم يخفي وراءه تاريخًا طويلًا من الانتقال والتحول وإعادة التحديد؛ فالفلسفة لم تدخل المجال العربي الإسلامي بوصفها كلمة فقط، وإنما دخلت بوصفها اسمًا لممارسة معرفية، وهوية لصاحبها، وتراثًا من الأسئلة، ونظامًا من المفاهيم، وصورة مخصوصة للعقل والحقيقة والبرهان.

ولذلك فإن البحث في الفلسفة الإسلامية ينبغي أن يبدأ، قبل البحث في مضامينها، من سؤال الاسم نفسه: كيف وُلد؟ وكيف انتقل؟ وماذا حدث له حين دخل فضاءً ثقافيًا ودينيًا ولغويًا مختلفًا؟ وكيف تحولت كلمة كانت في أصلها اسمًا لطريقة في طلب الحكمة إلى معيار تُقاس به أشكال التفكير الأخرى؟

إن كلمة «فلسفة» تعود، في أصلها اليوناني، إلى philosophia، وهي مركبة من philo بمعنى المحبة أو الميل، وsophia بمعنى الحكمة، بحيث يكون الفيلسوف، في أصل التسمية، «محب الحكمة» لا مالكها. وهذه النقطة الدلالية ليست تفصيلًا لغويًا عابرًا؛ إذ إن الفلسفة، في أحد أصولها الأولى، لم تكن ادعاء امتلاك الحقيقة بقدر ما كانت رغبة في طلبها. فالفيلسوف ليس الحكيم الذي بلغ نهاية الطريق، وإنما الطالب الذي يظل في حركة نحو الحكمة.

ومن هنا يمكن ملاحظة مفارقة سترافق تاريخ الفلسفة كله: الاسم الذي يدل على «محبة الحكمة» سيتحول تدريجيًا إلى اسم لمؤسسة معرفية، ثم إلى مذهب، ثم إلى مجموعة من المناهج والنصوص، ثم إلى هوية اجتماعية وعلمية لصاحبها.

وقد ارتبط تشكل مفهوم الفلسفة في السياق اليوناني بتغير عميق في طريقة التعامل مع العالم؛ إذ أخذ السؤال ينتقل من البحث عن أصل الأشياء في الأساطير إلى البحث عن مبادئها العقلية والطبيعية، ومن الحكاية الميثولوجية إلى الحجة، ومن سلطة الرواية إلى إمكان البرهان.

وليس معنى ذلك أن الفكر اليوناني قطع بصورة نهائية مع الأسطورة، ولا أن العقل ظهر فجأة مكتملًا في مواجهة الخرافة، فهذا تصور تبسيطي لتاريخ الفكر اليوناني نفسه، وإنما الأهم أن الفلسفة ساهمت في إنتاج نمط جديد من السؤال يجعل العالم موضوعًا للنظر العقلي، ويحول مفاهيم مثل الوجود والطبيعة والحركة والسبب والإنسان والمدينة إلى موضوعات قابلة للفحص والمناقشة.

غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه التجربة التاريخية الخاصة إلى معيار كوني لتعريف الفلسفة. فقد أصبحت الفلسفة اليونانية، خصوصًا بعد صعود أرسطو وأفلاطون وظهور تقاليد الشرح والتفسير، النموذج الذي تُقاس عليه صور التفلسف اللاحقة.

وفي تاريخ الفلسفة الحديث، ترسخ هذا التصور أكثر عندما كُتبت قصة الفلسفة باعتبارها سلسلة تبدأ من اليونان، ثم تنتقل إلى أوروبا الوسيطة، ثم تعبر إلى الحداثة الأوروبية، وكأن بقية الحضارات لا تظهر إلا بوصفها محطات وسيطة في طريق اكتمال العقل الفلسفي الأوروبي.

ومن هنا جاءت إحدى المشكلات التي تحكم دراسة «الفلسفة الإسلامية»: هل الفلسفة في الحضارة الإسلامية فلسفة لأنها حافظت على التراث اليوناني وشرحته وطوّرته، أم لأنها أنتجت أسئلتها الخاصة؟ وإذا كان معيار الفلسفة هو التشابه مع النموذج اليوناني، فماذا نفعل بالمتكلمين والأصوليين والمتصوفة الذين لم يكتبوا بالضرورة وفق النموذج المشائي، لكنهم اشتغلوا على أسئلة الوجود والمعرفة والحرية والسببية والتأويل؟

هنا يصبح انتقال كلمة الفلسفة إلى العربية حدثًا يتجاوز الترجمة اللغوية. فقد دخل المصطلح إلى بيئة فكرية جديدة كانت تمتلك قبل ذلك تقاليدها الخاصة في النظر والاستدلال، وفي مقدمتها علم الكلام والفقه وأصوله والتفسير، ثم وجد نفسه داخل حضارة ذات لغة ومفاهيم ومؤسسات وأسئلة دينية مختلفة عن البيئة التي نشأ فيها. ولم يكن هذا الانتقال استيرادًا بسيطًا؛ فالمصطلح حين يدخل لغة جديدة يبدأ في إعادة تعريف نفسه من خلال استعمالاته الجديدة. ولذلك لم تصبح «الفلسفة» في العربية نسخة عربية من philosophia اليونانية، وإنما أخذت تتشكل من خلال علاقتها بالمجال الإسلامي كله.

وقد لعبت حركة الترجمة في العصر العباسي دورًا حاسمًا في هذه العملية، ولا سيما منذ القرن الثاني والثالث للهجرة، حين انتقلت إلى العربية مؤلفات في المنطق والطبيعيات وما بعد الطبيعة والطب والرياضيات وغيرها. وكان ما يسمى ببيت الحكمة جزءًا من المناخ الأوسع لحركة الترجمة والرعاية العلمية في بغداد، ولا ينبغي اختزال هذه الحركة كلها في مؤسسة واحدة أو تصورها بوصفها عملية آلية لنقل الكتب؛ فقد شارك فيها مترجمون وعلماء وناسخو كتب وشارحون، وامتدت شبكاتها إلى السريانية واليونانية والفارسية وغيرها. والأهم أن الترجمة لم تنقل النصوص وحدها، بل نقلت جهازًا اصطلاحيًا كان على اللغة العربية أن تفاوضه وتستوعبه وتعيد إنتاجه.

وهنا تظهر أهمية المترجمين الأوائل؛ فحين تُرجمت المصطلحات اليونانية، لم يكن أمام العربية دائمًا مقابل جاهز لها، ولذلك نشأت عمليات من الاشتقاق والتعريب والنحت والاستعمال المجازي وإعادة تحديد المعنى. ومن خلال هذه العملية أصبحت اللغة العربية قادرة على استيعاب مفردات جديدة في المنطق والطبيعة وما وراء الطبيعة، ثم تحولت هذه المفردات نفسها إلى أدوات للتفكير في مسائل إسلامية لم تكن حاضرة في السياق اليوناني.

لقد أصبح السؤال عن «الواجب والممكن»، مثلًا، مرتبطًا بسؤال التوحيد والخلق، وأصبح البحث في النفس والعقل متصلًا بسؤال الإنسان والمعرفة والوحي، وأصبحت قضايا السببية والحركة والزمان تدخل في سجالات كلامية وفلسفية ذات طبيعة جديدة.

ومن هذه النقطة يبدأ تشكل «الفيلسوف» في الإسلام بوصفه هوية معرفية. فالكندي لم يكن مجرد شخص يعرف بعض العلوم اليونانية، وإنما أصبح يمثل نمطًا جديدًا من صاحب المعرفة الذي يشتغل بالحكمة والفلسفة، ويضع نفسه في علاقة مع العلوم الأخرى ومع الدين. ثم جاء الفارابي وابن سينا وغيرهما ليمنحوا هذه الهوية بناءً أكثر وضوحًا، فأصبح الفيلسوف صاحب منهج، وعلوم، وترتيب معرفي، وتصنيف للعقل، وتصوّر للمدينة والإنسان والسعادة والحقيقة.

لكن تشكل هذه الهوية حمل معه، في الوقت نفسه، بداية الحد الفاصل. فعندما أصبح هناك «فيلسوف»، أصبح من الممكن أن يوجد أيضًا «غير فيلسوف»، وعندما أصبح للفلسفة اسم ومؤلفات وأصحاب، أصبح من الممكن وضع الكلام والفقه والتصوف خارجها.

وبذلك لم يعد الاسم مجرد وصف محايد، بل تحول تدريجيًا إلى أداة للتصنيف. ومن هنا يمكن فهم لماذا نجد في بعض الكتب تاريخًا للفلسفة الإسلامية يبدأ بالكندي وينتهي بابن رشد تقريبًا، في حين نجد تاريخًا موازيًا لعلم الكلام يبدأ بالمعتزلة والأشعري والغزالي، وتاريخًا آخر للتصوف يبدأ بالحسن البصري أو الجنيد وينتهي بابن عربي، وكأن هذه المسارات لم تكن تلتقي إلا في الهوامش.

غير أن هذا الفصل بين المسارات يحتاج إلى مراجعة؛ لأن تاريخ الأفكار يكشف أن الفيلسوف لم يكن يعيش في جزيرة معرفية معزولة، وأن المتكلم لم يكن غافلًا عن الفلسفة، وأن الأصولي لم يكن خارج أسئلة العقل واللغة، وأن الصوفي لم يكن خارج سؤال الوجود.

لقد كانت هناك مواجهات وتأثيرات واعتراضات وتبادلات، وهي التي جعلت المجال الإسلامي فضاءً فكريًا شديد الحيوية. فالغزالي، على سبيل المثال، لا يمكن فهمه من خلال ثنائية «الفلسفة/ضد الفلسفة»؛ لأنه استخدم المنطق، ودرس مذاهب الفلاسفة، ونقد مبادئهم، ثم أعاد بناء مشروعه المعرفي في الكلام والتصوف. وابن رشد، من جهته، لم يكن مجرد تابع لأرسطو، بل كان يعيد التفكير في العلاقة بين الحكمة والشريعة وفي شروط التأويل والبرهان داخل سياق إسلامي محدد.

وهنا نصل إلى النقطة المركزية في هذا المقال: الاسم لا يساوي الممارسة. قد يكون الاسم ضروريًا للتعريف والتصنيف، لكنه لا يكفي لتحديد المجال الذي تتحرك فيه الأسئلة. فإذا قلنا إن الفلسفة هي ما كتبه «الفلاسفة»، سنكون قد جعلنا الهوية معيارًا للسؤال، في حين المطلوب أن نجعل السؤال معيارًا أوليًا لفهم الهوية.

لا يعني هذا أن نطلق اسم الفيلسوف على كل مفكر، ولا أن نذيب الفروق بين العلوم، وإنما يعني أن نبحث عن الفعل الفلسفي حيثما ظهر: في لحظة مساءلة المسلمة، وفي لحظة البحث عن شروط المعرفة، وفي لحظة تحويل الوجود إلى مشكلة، وفي لحظة اختبار العلاقة بين الحقيقة واللغة والعقل.

ومن هنا يصبح مفهوم «الفيلسوف» نفسه بحاجة إلى تحرير من وظيفته التصنيفية الصلبة. فالفيلسوف التاريخي شخصية مهمة، لكن الأهم من شخصه هو السؤال الذي جعله فيلسوفًا. وبقدر ما ننتقل من الاسم إلى السؤال، ومن الهوية إلى الممارسة، ومن المدرسة إلى المشكلة، يصبح تاريخ الفلسفة الإسلامية أوسع من قائمة الأسماء التي اعتدناها، دون أن نفقد حقنا في التمييز بينها وبين علم الكلام أو الفقه أو التصوف. إن المطلوب ليس إلغاء الحدود، بل فهمها بوصفها حدودًا تاريخية قابلة للعبور.

وهذا يقودنا إلى فكرة أساسية في سلسلة الابحاث هذه: الفلسفة لم تكن دائمًا اسمًا مستقرًا، وإنما كانت حركة في المعرفة. وحين انتقلت إلى العربية لم تدخل أرضًا فارغة، بل دخلت فضاءً كانت فيه أسئلة أخرى قد بدأت تتحرك بالفعل. ولذلك فإن تاريخ الفلسفة في الإسلام ليس تاريخ وصول الفلسفة اليونانية إلى المسلمين فقط، وإنما تاريخ التقاء تقاليد مختلفة للسؤال، وصراعها، وتداخلها، وإعادة تشكيلها.

إننا، لذلك، لا نريد أن نستبدل مركزية الفيلسوف بمركزية جديدة تلغي التاريخ، بل نريد أن نفتح مجالًا ثالثًا بين التقديس والإنكار: مجال العقل الفلسفي. فالعقل الفلسفي ليس جماعة ولا مذهبًا ولا طائفة، وإنما هو ذلك النمط من التفكير الذي لا يكتفي بأن يعرف ماذا قيل، بل يسأل لماذا قيل، وكيف أمكن قوله، وما الذي يفترضه، وما حدوده، وما الذي يفتحه من إمكانات جديدة.

وبهذا المعنى، فإن السؤال الذي سيقودنا في بقية هذه المباحث لكتاب لن يكون: من هم فلاسفة الإسلام؟ فهذه الصيغة تفترض مسبقًا حدود الإجابة، وإنما سيكون السؤال الأكثر خصوبة: أين بدأ العقل الإسلامي يتفلسف؟ وحين نطرح السؤال بهذه الصورة، فإننا نفتح الطريق للانتقال من «الفلسفة بوصفها اسمًا» إلى الحدود التي صنعتها العلوم، لنكتشف كيف أصبحت الفلسفة والكلام والفقه والتصوف والتفسير مجالات متمايزة في التصنيف، لكنها أكثر تداخلًا في تاريخ السؤال.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

في المثقف اليوم