عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

غالب المسعودي: التآزر المفاهيمي في استلاب العقل.. الاعتلال المعرفي الجمعي

تقاطع العماء الفكري والشطح الانفصامي

تُمثّل دراسة التضافر والتآزر بين مظهرين من أشد مظاهر الانحراف الإدراكي تعقيدًا في الظاهرة الإنسانية؛ وهما:

"الشطح الانفصامي" و"الجهل المستتر بالمقدس"، مدخلًا تحليليًا متقدمًا لتفكيك آليات استلاب العقل، ورصد مسارات تحول الوعي من الفاعلية التداولية والحرية النقدية إلى التكلس المعرفي والامتثال الجمعي المطلق. إن هذا التقاطع لا يعبّر عن مصادفة فكرية عابرة أو خلل هامشي في بنية المجتمعات، بل يؤشر إلى لحظة مفصلية يلتقي فيها الشطح الوجداني المتجاوز لمنطق البرهان والواقع، مع منظومة معرفية مفرغة من محتواها الحضاري والتاريخي.

هذا التلاقي في النسق الفكري المغلق يُعطل ملكات الفهم والمساءلة، ويستبدل المحاكمة العقلية الرشيدة، و ينتج تسليمًا أعمى يكرس الانقياد ويقوض أسس الممارسة الإنسانية الحرة. من هنا، يغدو تفكيك هذه الظاهرة واجبًا فلسفياً يسعى إلى كشف البِنَى الخفية التي تتوسل بالرمزية لتكبيل الإرادة الفردية والجمعية على حد سواء.

سوسيولوجيًا اللا-ثقافي وإنتاج الجهل المنظّم

في التحليل البنيوي للتحولات الدينية المعاصرة، يبرز المفهوم التأسيسي الذي قاده عالم الاجتماع الفرنسي أوليفييه روا حول تجريد التدين من حاضنته الثقافية، يمثل تشريحًا دقيقًا لظاهرة انقطاع المعتقد عن الوعاء المعرفي التراكمي. يُحلل هذا الطرح سيرورة اجتثاث الفكرة الدينية من سياقها الحضاري الممتد، وتفكيك روابطها مع الفنون، والآداب، والمباحث الفلسفية، مما يتمخض عنه نمط من "التدين المصمت" الخالي من أي عمق فكري تاريخي.

تتأسس الخطورة الفلسفية لهذا النمط من الجهل المستتر بالقداسة على إعادة إنتاج الفكرة في قوالب تبسيطية حتمية تناهض التفكير الحر والمساءلة الإبستمولوجية. إن هذا الإيمان المستلب يرفض التعدد والتأويل العقلاني المنفتح، ويُحِل محلهما وثوقية جازمة تنظر إلى العلوم العقلية والمناهج النقدية بوصفها تهديدًا لـ "نقاء المعتقد المطلق".

وبذلك، يتحول الجهل من مجرد حالة سلبية من عدم المعرفة، إلى سلطة معرفية مصمتة وفضيلة مفترضة تُسيّج الوعي داخل قلاع منيعة ضد أي حُوَار عقلاني، تدفع بالأفراد نحو الانغلاق الصارم في فضاءات تبريرية تُشرعن إلغاء الآخر وتكرس التبعية.

استلاب العقل وتفكيك الفاعلية النقدية

إن مفهوم "استلاب العقل" يشير في جوهره إلى مصادرة استقلالية التفكير وسلب الإرادة الفاعلة من الذات الإنسانية، وإخضاعها لمرجعية متعالية تفرض الهيمنة وتمنع المراجعة. وإذا كان الدرس الفلسفي النقدي، بدءًا من تفكيك لودفيغ فيورباخ لاغتراب الماهية الإنسانية وإسقاط قواها الذاتية على عوالم متخيلة، مرورًا بالتحليلات الهيكلية لنقد الاغتراب الاجتماعي والسياسي، قد أرسى دعائم فهم كيفية تشيؤ الإنسان؛ فإن نقد العقلانية الأداتية مع ماكس هوركهيمر في دراسته لـ خسوف العقل قد بيّن كيف تنقلب أدوات التنوير ذاتها إلى وسائل لإعادة تكريس الاستبداد وتجريد العقل من غاياته التحررية الجوهرية.

يتجلى التلاحم العليل بين الجهل المستتر بالمقدس والشطح الانفصامي عبر مسار تصاعدي تتكامل حلقاته:

يبدأ المسار أولًا بتجريف الحصانة الفكرية والبيئة التداولية الحرة، واستبعاد المنهج الاستدلالي لمصلحة القبول الساذج.

يتبع ذلك تكريس قطيعة معرفية مع الواقع الموضوعي وشروطه التاريخية، حيث تنعزل الجماعة داخل تصورات دوغمائية حتمية.

يتحول الاندفاع الروحي المفتقر لضابط الحكمة إلى شطح انفصامي يُسقط رغباته وهواجسه على الواقع المَعِيش، مانحًا إياها هالة متعالية لا تقبل النقاش.

تنتهي هذه السيرورة بوقوع الوعي الجمعي في أسر الاستلاب الكامل؛ حيث تتعطل القدرة على الموازنة الأخلاقية والسياسية، وتغدو الجماهير أداة طيّعة في يد الخطابات الشعبوية والسلطوية.

التقاطع النقدي بين هوركهيمر وغرامشي

يتعمق فهم هذا التآزر البنيوي حين نقيم جسرًا نظرياً يربط بين نقد ماكس هوركهيمر لـ العقل الأداتي وتحليل أنطونيو غرامشي لآليات الهيمنة الثقافية؛ إذ يكشف هذا التقاطع عن الكيفية التي يتحول بها الشطح الانفصامي والجهل المؤطر بالقداسة من مجرد خلل معرفي إلى أداة سياسية بالغة الدَّقَّة لتطويع الشعوب وصناعة الإجماع الطوعي.

يوضح هوركهيمر أن العقل حين يُفرَّغ من بعده النقدي والغائي، يتحول إلى "عقل أداتي" وظيفي ينحصر دوره في حساب الوسائل الفعالة لتحقيق أهداف مفروضة سلفًا دون مساءلة عدالتها أو مشروعيتها. وفي مناخ التجريد الديني والثقافي، يُوظَّف هذا العقل الأداتي في حشد الجماهير وتبرير السلوك الانفعالي تحت لافتات مقدسة؛ حيث يُستبدل البحث عن الحقيقة بالبحث عن الكفاءة في نشر الوثوقيات وتثبيتها.

هنا يلتقي طرح هوركهيمر مع نظرية غرامشي في الهيمنة؛ إذ يرى غرامشي أن الطبقات السائدة لا تفرض سلطانها بالقسر والإكراه المادي فحسب، بل تبني هيمنتها عبر السيطرة على الفضاء الثقافي وتشكيل ما يُعرف بـ "الحس المشترك" الجمعي. يُعاد تشكيل هذا الحس المشترك من خلال استثمار الجهل المستتر بالمقدس، حيث تُسبغ القداسة على الأوهام، ويُقدَّم الشطح الانفصامي بوصفه حقيقة عليا لا يرقى إليها الشك.

ويقوم "المثقف التبريري" في هذا النسق بتعطيل الفكر النقدي الجمعي وتحويل الضلال التشاركي إلى عقيدة سائدة تبدو في نظر الجماهير طبيعية وتلقائية، مما يُنتج حالة من "الرضا المصنوع بالاستلاب"؛ فتستسلم الحشود لهيمنة السلطة دون حاجة إلى أدوات القمع الظاهرة، لأن القيود قد استقرت في صميم بنائها الإدراكي والنفسي.

نسق المغالطات وصناعة الوعي الزائف

لا يتحرى الوعي الإنساني بوصفه ملكة استدلالية منعزلة عن المؤثرات الجمعية والمصالح النفسية والضغوط الدعائية المنظمة. في البيئات التي يسود فيها التآزر بين الجهل المؤطر بالقداسة والشطح الانفصامي، تتعرض المحاكمة المنطقية لانتكاسة بنيوية تجعلها قابلة للوقوع في أسوأ المغالطات الصورية والمادية.

يتم سلب الفاعلية العقلية هنا عبر إحلال الإدراك الانفعالي التبسيطي محل التجريد النظري الرصين، حيث يُهيمن "صدى الحشد" وتطغى الهستيريا الجمعية المؤدلجة لتلغي قدرة الفرد على التمييز المنطقي والتعريف الموضوعي. وتؤدي هذه الآفات إلى تحويل النقص الذهني والقصور الإدراكي إلى مظهر من مظاهر "التفوق الروحي والصفاء"، وتُنتزع الظواهر الاجتماعية والسياسية من سياقاتها السببية وقوانينها الموضوعية لتُعزى إلى قِوَى خفية وتفسيرات حتمية مغلقة.

إن هذا التعطيل المتعمد لقانون العلية يحمي البِنَى السلطوية من النقد والمساءلة، إذ يُصوَّر كل إخفاق سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي على أنه قدر محتوم أو اختبار، مما يعفي الفاعلين الحقيقيين من المسؤولية الأخلاقية والتاريخية ويشل إرادة التغيير لدى المجتمع.

الاضطراب الضلالي التشاركي وتشكيل الكتلة المنقادة

عندما تتكلس البنية المعرفية وتفقد المجتمعات رصيدها من الفلسفة والوعي التاريخي، يتحول الشطح الانفصامي من تجرِبة فردية معزولة إلى ظاهرة اجتماعية وسياسية واسعة النطاق من خلال ما يُعرف بـ "الاضطراب الضلالي التشاركي".

إن الرمزية المشحونة تاريخيًا ودينيًا تمتلك قدرة هائلة على التأثير في الوعي الهش، وتتخذ هذه الظاهرة التشاركية ثلاث أنماط بنيوية تتداخل فيها الهيمنة بالاستلاب:

النمط الأول: الضلال الرسالي التعويضي؛ وفيه تنشأ فكرة مطلقة لدى ذات فردية تعاني من اغتراب حاد، ثم تتدثر برداء القداسة لتعويض العجز التاريخي والواقعي، مدعيةً امتلاك مفاتيح الخلاص أوا لتماهي مع النماذج التأسيسية الكبرى.

النمط الثاني: الهوس التجمعي الدوغمائي؛ حيث تلتف مجموعات مستلبة حول أفكار هوسية تفتقر إلى البرهان العقلي، لكنها توفر للأفراد شعورًا بالانتماء الزائف واليقين المطلق، مما يلغي التفكير الفردي لمصلحة طاعة عمياء للزعيم أو الفكرة المركزية.

النمط الثالث: الانفصام الرمزي الجمعي؛ وهو ارتماء فجائي لكتل بشرية في فضاءات ألتماهي الرمزي تحت تأثير الصدمات الحضارية والسياسية الكبرى؛ حيث تنهار كوابح الواقع وتتراجع لغة العقل لمصلحة خطابات وعظية حماسية تُلقى وتُتلقى دون تمحيص.

تكمن خطورة الاضطراب الضلالي التشاركي في قدرته على نقل التصور المشوه من بؤرته الأولى إلى سائر البنية الاجتماعية؛ إذ تنعدم المسافة النقدية الفاصلة بين الفكرة وفحصها، وتتحول الأوهام إلى حقائق راسخة بفعل الإجماع الزائف للمجموعة. يُنتج هذا التشارك كتلة بشرية صلبة تعيش في قطيعة تامة مع المعايير العقلية، وتتعامل مع أي نقد خارجي باعتباره تآمرًا أو خروجًا عن الإجماع، مما يُكرس نظامًا شموليًا يحصن ذاته ضد التفكيك ويهدد أسس التعايش العقلاني.

تأسيس لمسار التجاوز

تأسيساً على ما تقدم من تفكيك فلسفي وسوسيولوجي لبنية الاستلاب والهيمنة:

المقدمة الأولى: إن تجريد الوعي الديني من عمقه الثقافي والفلسفي التراكمي، مع اختزال العقل في بعدها لأداتي الوظيفي، يُنتج جهلًا مستترًا بالمقدس يُعطل أدوات المحاكمة المنطقية والنقد الذاتي.

المقدمة الثانية: إن توظيف الشطح الانفصامي ضمن آليات الهيمنة الثقافية يحول الأوهام إلى "حس مشترك" زائف يغذي الاضطراب الضلالي التشاركي، ويمنح السلطة المستبدة شرعية طوعية تُحصنها ضد المساءلة.

الاستنتاج البرهاني:

يتطلب تجاوز هذه المحنة الوجودية والمعرفية صياغة استراتيجية تفكيكية متكاملة تنهض على مرتكزين أصيلين:

المرتكز الإبستمولوجي والسياسي: استعادة العقل لغاياته التحررية الجوهرية وتجاوز أداتية التفكير، وتفكيك بِنَى الهيمنة الثقافية عبر بناء وعي نقدي مضاد داخل الفضاء العمومي والمنظومة التربوية، لكشف الأصول التاريخية والطبقية لخطابات الجهل المستتر بالمقدس.

المرتكز المفاهيمي والتحرري: إقامة فواصل قطعية وصارمة بين التجارِب الروحية والقيمية السامية التي تُثري الماهية الإنسانية وتدفع نحو إعمار الوجود، وبين أنماط الشطح الانفصامي والضلال التشاركي الذي تصادر العقل وتُجهض الفاعلية الحضارية.

إن مناعة المجتمعات من السقوط في براثن الاستلاب لا تتحقق إلا بيقظة نقدية مستمرة، تُعيد للإنسان سيادته الفكرية، وتجعل من العقلانية الحرة المعيار الأسمى لفحص المقولات وتوجيه الممارسة الإنسانية نحو التحرر والعدالة.

***

غالب المسعودي

في المثقف اليوم