عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

قاسم المحبشي: في تحدي الكوارث الطبيعية وشيوع ثقافة الوعظ والتشفي

ثمة لحظات تهتز فيها الأرض تحت أقدامنا، فنكتشف فجأة هشاشة الكائن الذي ظن طويلًا أنه قادر على إخضاع الطبيعة والسيطرة على قوانينها. فالزلزال لا يستأذن أحدًا، والفيضان لا يميز بين إنسان وآخر، والإعصار لا يسأل عن هوية ضحاياه، والبركان لا يفرق بين غني وفقير. الطبيعة، حين تستعيد قوتها، تضع الإنسان أمام حقيقته الأولى: كائن أرضي هش، يعيش داخل نظام طبيعي أكبر منه، ولا يستطيع أن يضمن بقاءه إلا بالمعرفة والتعاون والتكيف وتلك وظيفة الدول الحقيقية بوصفها معنية بالسياسة أي «الزمن الذي لا يمر»؛ لأنها حضور وتفاعل مستمران، وانشغال دائم للكائن الاجتماعي السياسي، بالطبع والتطبع. وليس بمقدور أحد أن يتجاوز استحقاقاتها أو يهرب منها. إذ يعاود سؤال السياسة الغائبة الحضور دائمًا، مثل الجرح النازف الذي لا يندمل. السياسة ليست حدثًا عابرًا في حياة المجتمعات، وإنما هي الإطار الذي تتشكل داخله شروط الحياة اليومية للناس، من الأمن إلى التعليم، ومن الاقتصاد إلى الصحة، ومن العمران إلى إدارة الأزمات والكوارث.

فالسياسة تمارس تأثيرًا طاغيًا في حياة الناس؛ أشد وأبعد مدى من تأثير كثير من تقلبات الظواهر الطبيعية: المناخ، والحر والبرد، والجدب والخصب، والفيضانات والرياح والعواصف والزلازل والبراكين وغيرها.

فالطبيعة قد تضرب المجتمع ضربة مفاجئة، لكنها لا تحمل في ذاتها مشروعًا لإدامة الألم. أما السياسة حين تفسد، فقد تتحول إلى كارثة مستمرة، تعيد إنتاج نفسها، وتضعف قدرة المجتمع على مقاومة الكوارث الأخرى.

أظهر فيضان نيبال الكارثي هذا التداخل بين الطبيعة والسياسة. فالمياه والانهيارات الجليدية والصخرية ظواهر طبيعية، لكن حجم الخسائر الإنسانية يرتبط أيضًا بقدرة المجتمع على التنبؤ بالخطر والاستعداد له والاستجابة السريعة بعد وقوعه.

وفي ليبيا، قدمت كارثة درنة مثالًا أكثر مأساوية على الكارثة المركبة. فالعاصفة دانيال والأمطار الغزيرة ظواهر طبيعية، لكن انهيار السدين وما ترتب عليه من اندفاع المياه نحو المدينة كشف أن الكارثة الطبيعية يمكن أن تصبح أكثر فتكًا حين تجد أمامها بنية تحتية هشة ودولة أنهكتها سنوات الحرب والانقسام السياسي.

وفي السودان نشاهد كل عام ما تفعله الفيضانات والأمطار الموسمية في مجتمع أنهكته الحرب والنزوح وتدمير البنية التحتية يجعل آثارها أشد قسوة. فالإنسان الذي فقد بيته بسبب الحرب يصبح أكثر هشاشة أمام المطر، والذي فقد مستشفاه بسبب النزاع يصبح أكثر عرضة للخطر عندما يأتي الفيضان، والذي يعيش في منطقة نزوح لا يمتلك الوسائل نفسها التي يمتلكها مجتمع مستقر لمواجهة الطوارئ.

ولسنا بحاجة إلى التذكير هنا بمدى الأثر الفاجع الذي أحدثته شرور السياسة في حياة مجتمعاتنا العربية الراهنة. فما نعيشه اليوم من شرور الفساد السياسي والحروب والانقسامات في فلسطين والعراق وليبيا وسوريا واليمن والسودان والصومال، وفي مناطق أخرى من عالمنا العربي، فضلًا عن أفغانستان، لا يمكن أن يقاس بسهولة بما تستطيع أن تفعله كارثة طبيعية عابرة فالكارثة الطبيعية تضرب ثم تنحسر أما الكارثة السياسية فقد تضرب المجتمع ثم تستقر فيه.

والحالة اليمنية واحدة من أبرز تجليات وآثار الكارثة السياسية؛ إذ لم تعد السياسة مجرد صراع على السلطة، وإنما أصبحت، في كثير من الأحيان، عاملًا في إعادة إنتاج الفقر والخوف والانقسام والهجرة وتآكل مؤسسات الدولة، بما يجعل المجتمع أكثر تعرضًا لكل أنواع الأخطار، الطبيعية منها والبشرية.

لكن ثمة كارثة أخرى في المجتمعات العربية والإسلامية لا تقل خطورة عن الكوارث الطبيعية والسياسية، وهي الكارثة الأخلاقية التي تزدهر في أزمنة الكوارث والمحن اقصد ثقافة الوعظ والتشفي بالضحايا فما أقسى أن يرى الإنسان إنسانًا آخر تحت الأنقاض، بدل أن يبحث عن وسيلة لإنقاذه، يبدأ في البحث عن الذنوب التي ارتكبها لكي يبرر موته! وما أكثر ما سمعنا، في أعقاب الزلازل والفيضانات والأوبئة، من يستحضر آيات العذاب، ويقريع المكلومين بأن ما جرى لهم نتيجة ذنوبهم ومعاصيهم، وكأن الضحية مطالبة، وهي تحت الركام، بأن تقدم تفسيرًا أخلاقيًا لمأساتها.

إن الإنسان الذي يحفر بيديه في الركام بحثًا عن قريب أو حبيب لا يحتاج إلى من يعظه في تلك اللحظة، وإنما يحتاج إلى من يمد له يده انه يحتاج إلى طبيب، وإلى ماء وغذاء ومأوى، وإلى فرق إنقاذ، وإلى كلمة مواساة دافئة تقول له: أنا معك.كم فعلت "بنت مصر الجدعة" في انفجار مول أرابيلا بلازا بالتجمع الخامس قبل أسبوعين

فبينما اندفع أحد الحاضرين بنبل عاطفي وعجز عملي يلقن مصاباً يحتضر الشهادة بافتراض وفاته الحتمية، تحركت الشابة "هيا" بوعي طبي وثبات شجاع لتنزع الضحايا من مخالب الموت. لم ترَ في أجسادهم جثثاً هامدة، بل أرواحاً تتشبث بفرصة نجاة؛ فأنعشت القلوب، ومنعت التدخلات العشوائية، وقدمت الإسعافات التي صنعت الفارق بين البقاء والرحيل. إن لقمة الإسعاف في وقت الأزمة هي "واجب الوقت" الحقيقي، والموقفان يثبتان أن الشجاعة الواعية والإنقاذ الفعلي يفوقان بكثير مجرد البكاء وتلقين الوداع فوق أنقاض الكوارث.

في هذا السياق تحضرني تأملات باروخ سبينوزا في العلاقة بين الخوف والخرافة. فالإنسان حين يواجه ظاهرة لا يفهمها، ولا يمتلك أدوات تفسيرها، يبحث عن معنى يخفف عنه وطأة الخوف. ومن هنا تصبح الكوارث الطبيعية بيئة خصبة للخرافة؛ فالزلزال والمرض والفيضان والموت والمجهول كلها تستثير الأسئلة الوجودية العميقة في الإنسان.

والطامة الكبرى عندما تتحول الخرافة من محاولة لفهم المجهول إلى وسيلة لإدانة الآخرين فبدل أن نسأل: كيف حدث الزلزال؟ نسأل: لماذا عاقب الله هؤلاء؟ وبدلا أن نبحث في أسباب الفيضان، والتضاريس، والمناخ، وذوبان الجليد، وصيانة السدود، وأنظمة الإنذار المبكر، والتخطيط العمراني، وقدرة الدولة على الاستجابة، نبحث عن خطيئة الضحية وبهذا تتحول الخرافة عدوًا للمعرفة، وقد تتحول إلى عدو للرحمة أيضًا.

ومن المهم التأكيد إن العلم لا يلغي الإيمان، والفلسفة لا تلغي الروح، لكنهما يعلمان الإنسان التواضع أمام المجهول، ويدفعانه إلى البحث عن الأسباب بدل اختراع الأجوبة الجاهزة.

وهذا هو ما دفعني إلى أتأمل الآية القرآنية التّي آثرت في حياتي: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، حتى غدت هذه الآية بالنسبة إليَّ أكثر من موعظة إيمانية؛ إنها قانون فلسفي من قوانين التاريخ والحضارة، بل لعلها من أعمق النصوص التي يمكن أن يُبنى عليها تصور عقلاني لمعنى التقدم الإنساني.

قال بالحرف الواحد "ما ينفع الناس». لم يقل: ما ينفع فرداً، أو جماعة بعينها، أو طائفة، أو سلطة، بل قال: الناس يعني كل بني الإنسان في هذا الكوكب الأرضي وهذه الكلمة الصغيرة تختزن رؤية حضارية كاملة؛ إذ تجعل الإنسان، بما هو إنسان، معياراً لكل ما يستحق البقاء. فما يسهم في تحسين حياة البشر، وتخفيف معاناتهم، وتوسيع آفاق حريتهم، وتعزيز قدرتهم على الفهم والإبداع، هو الذي يمكث في الأرض ويصبح جزءاً من تاريخ الحضارة فالعلم. فما العلم في جوهره إن لم يكن البحث المنظم عن كل ما ينفع الناس؟ وما الحضارة إلا الأثر التراكمي لهذا النفع حين يتحول إلى مؤسسات وقيم وتقنيات وثقافة؟

فالمعرفة العلمية هي المادة الأولى لكل عمران، والعقل هو الأداة التي حوّلت الإنسان من كائن يخشى الطبيعة إلى كائن يقرأ قوانينها، ويتنبأ بحركتها، ثم يسخرها لخدمة حياته غير أن المعرفة ليست نوعاً واحداً. فالإنسان يعيش في عالمين متداخلين: عالم الطبيعة، وعالم السياسة. ولذلك نشأت منذ وقت مبكر منظومتان كبيرتان من المعرفة ولا تطور ولا تقدم ولا نماء ولا ارتقاء بدون معرفة الطبيعة ومظاهرها وفهم قوانين حركتها والتنبؤ بنتائجها وتلك هي وظيفة العلوم الطبيعية ولا تطور ولا تقدم ولا نماء ولا ارتقاء في التاريخ والحضارة الا بمعرفة حقيقة الكائن الإنساني والمجتمع البشري بوصفهما لحمة التاريخ وسداه؛ المعرفة القادرة على فهم حاجات الإنسان ودوافعه ومقومات الحياة الاجتماعية المدنية المستقرة وقوانين التاريخ وحركته والتنبؤ بمساراتها المستقبلية وتلك هي وظيفة العلوم الإنسانية والاجتماعية والفلسفة في قلبها بل هي أمها التي ابدعت اخصب وانضج المفاهيم الأساسية في تاريخ المعرفة الإنسانية.

ربما تقدم لنا هولندا واحدة من أكثر التجارب السياسية الرشيدة دلالة في التعامل مع الكوارث الطبيعية.

فقد شكّل فيضان بحر الشمال عام 1953 لحظة فارقة في تاريخ هولندا؛ إذ غمرت المياه مساحات واسعة وأودت بحياة أكثر من 1800 شخص. وكان يمكن أن تبقى الكارثة جرحًا مفتوحًا في الذاكرة الهولندية، لكن المجتمع اختار أن يحولها إلى معرفة، والمعرفة إلى سياسة، والسياسة إلى مشروع حضاري طويل الأمد إذجاء مشروع دلتا، بشبكته الضخمة من السدود والحواجز والأبواب البحرية، التي أصبحت نموذجًا عالميًا في إدارة المياه وحماية الأراضي المنخفضة (ينظر، قاسم المحبشي، امستردام المدينة التي روضت البحار، مجلة حوريت الثقافية، العدد الأخير)

الطبيعة والسياسة في ميزان الحضارة

لقد أدرك الهولنديون، عبر قرون من العيش مع البحر، حدود منطق السيطرة المطلقة؛ فلم يحاولوا القضاء على الماء، بل تعلموا كيف يمنحونه مساحة للحركة، وكيف يحولون الخطر إلى مجال للابتكار. ومن هنا انتقلوا من عقلية الحاجز الصلب إلى فلسفة الفضاء المرن، ومن مقاومة الطبيعة إلى التعاون معها، حتى أصبح الماء مشكلةً ومختبرًا في آنٍ واحد. ولم تقتصر هذه الخبرة على الهندسة والعمران، بل امتدت إلى الثقافة السياسية نفسها؛ فالماء لا يميز بين غني وفقير، ولا يعترف بحدود الملكيات الخاصة، وإذا انهار السد في موضع، أصبح الجميع مهددين. لذلك غدا التعاون والتفاوض وتقاسم المسؤولية شروطًا للبقاء، وهو ما انعكس في ما عُرف لاحقًا بـ«نموذج البولدر». فالسد بناء جماعي، وكذلك المجتمع؛ وإذا ضعفت مؤسسة واحدة، أصبح الجميع أكثر هشاشة.

ومن هنا يمكن أن نضع الزلزال والفيضان والإعصار والحرب والفساد والانقسام السياسي في ميزان واحد، لا لكي نساوي بينها، بل لكي ندرك الفرق بين قوة الطبيعة ومسؤولية الإنسان. فالطبيعة قوة لا نملك إيقافها، لكننا نستطيع مواجهتها بالعلم، وبناء مساكن أكثر أمانًا، وإنشاء أنظمة إنذار وإنقاذ أكثر كفاءة. أما السياسة فهي فعل بشري، ولذلك يمكن أن تكون عادلة أو ظالمة، عاقلة أو مدمرة؛ وما يصنعه الإنسان يستطيع الإنسان تغييره.

ختاما نكرر التأكيد إن الكوارث الطبيعية لا تعلمنا التشفي ولا الكراهية، بل تذكرنا بهشاشتنا المشتركة: فالزلزال لا يسأل عن الهوية، والفيضان لا يميز بين من معنا ومن ضدنا، والموت لا يحمل بطاقة سياسية. لذلك فإن أعظم درس تقدمه لنا الطبيعة هو أننا لا نملك الأرض، وإنما نتشارك السكن عليها. ولعل عالمنا العربي، الذي أنهكته الكوارث الطبيعية والسياسية معًا، يحتاج إلى استعادة هذا الدرس: أن نفاوض الطبيعة بالعلم، ونواجه السياسة بالعقل، ونقاوم الخرافة بالمعرفة، والألم بالرحمة، والكوارث بالتضامن. فبين قوة الطبيعة ومسؤولية الإنسان يتحدد معنى الحضارة.

***

ا. د. قاسم المحبشي

في المثقف اليوم