آراء
محمد هاشم البطاط: خيانة المثقفين بين نصر حامد أبو زيد وهادي العلوي
في أحد كتبه المهمة (المرئي واللامرئي في الأدب والسياسة) يتكلم المفكر العراقي هادي العلوي (1932-1998م) عن حالةٍ خطيرة تعبر عن خيانة المثقفين للقضايا الكُبرى في الأمة، في هذه الخيانة لا يتم فيها التنصل عن القضايا الكبرى والمركزية التي يُفترض أن يكون للمثقف موقفاً محورياً فيها فحسب، بل يقوم البعض في عملية مخاتلة بطابع خياني، إن جاز التعبير ولاق، عبر السعي صوب تزييف الوعي ومحاولة قلب الحقائق وتحريف البوصلة بشكلٍ لا يُبقي الكارثة على حالها، بل يزيدها أشكلةً وتعقيداً!
ومن أبرز نماذج هذه الخيانة من وجهة نظر العلوي هو المفكر المصري نصر حامد أبو زيد (1943-2010م)، إذ يقول العلوي الكتاب ص 45 ما يلي (لقد ألقى بعض الكُتّاب عن نفسه كل عبء، وجعل محور نضاله وغايةَ سعيه أن يتصدى للإسلام السياسي، الذي يزيد خطره على غيره، بل هو الخطر الوحيد الأوحد، بعد أن أعاد هذا البعض ترتيب قائمة "الأعداء" لتستقل بالإسلام حيث يصبح أعداء الأمس، إن كان هناك أعداءٌ بالأمس، أحباباً، فلم تعد الرأسمالية الإحتكارية، وغرستها الرأسمالية الكولونيالية، ولا الإستعمار، ولا سلسلته إسرائيل، من بين الأعداء، بل هي في نهاية الأمر حلفاء في هذه الحرب المصيرية على الاسلام، وقد اعلن الدكتور نصر حامد أبو زيد لجريدة الأهالي إبان العدوان الأمريكي على لبنان ربيع العام الفائت إنه يجب عدم إستنكار العدوان لأنه يعني الوقوف مع حزب الله)!
هنا نكون امام خيانة المثقف لقضية أمته عندما يقوم بتغويل وتضخيم الإختلافات الجزئية مع المسلمين الاخرين، أو من يتباين معهم في وجهات النظر إتجاه قضايا السلطة وإدارة الشأن العام في العالم الاسلامي، ثم يعمد إلى حرف البوصلة عن الأعداء الحقيقيين، وتحويلهم إلى أصدقاء، أو على الأقل إخراجهم من تصنيف الأعداء، لنضع مكانهم حزب الله في لبنان، أو أي حركة مقاومة أخرى، أو دولة، تقف بوضع الاحتلال الصهيوني ضمن تنميطات الوصف العدائي.
وفي الصفحة التالية يضع العلوي مبضعه التشريحي على جرح الخيانة الثقافية هذه عندما يكتب (هكذا يصبح العدو الأوحد لتسعين بالمائة من مثقفينا هو الإسلام "السياسي"، وهذه الإلحاقة للتمويه، فالعدو هو الإسلام نفسه: تأريخه الحضاري وتراثه العظيم ومنجزاته العالمية)، هنا يكشف العلوي عن مخاتلة الأغلبية الساحقة من النخب الثقافية التي تدعي أن خلافها، إيديولوجياً وسياسياً، ضد ما يٍسموه بالإسلام السياسي، بيد أن الحقيقة أنه صراعٌ ضد الإسلام بما هو إسلام، وبما يشكله من خزين أستراتيجي حضاري، ومن المؤسف حقاً أن في الوقت الذي يجب على المثقف فيه أن يكون المحدّد والمشخّص لقضايا أمته، وموجّه حقيقي للإشكاليات التي تعترض طريق المجتمعات صوب الوصول إلى حلولٍ ناجعة لها، يكون مخاتلاً في عمله الثقافي، فكيف تحوّل حزب الله الذي ضحى بالغالي والنفيس من اجل تحرير لبنان من نير الإحتلال الصهيوني، وما زال يقدّم الكثير من التضحيات الجسام من أجل لبنان والامة إلى مجردٍ عدو يجب أن نتغاضى عن إدانة جرائم أمريكا لئلا تكون هذه وقوفاً مع الحزب!
نفس الأمر يقال بالنسبة إلى بعض المثقفين في بلداننا الذي لم يُبدوا موقفاً ثقافياً حقيقياً إتجاه الحرب الظالمة التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني على الجمهورية الاسلامية لا لشيءٍ سوى لأن لديهم إختلافات أو ملاحظات السلبية إتجاه الجمهورية الاسلامية أو من يقف معها!
إن الخيانة الثقافية التي يتلفع بها بعض المثقفين بذرائع شتى تحت ذريعة أن علينا ان نقف على الحياد، أو لأننا غير قادرين على المواجهة العسكرية أمام من يتوفق علينا، أو غيرها من الترهات ما هي إلا أعذار واهية صارت مكشوفة للجميع، إذ أن الموقف الثقافي الحقيقي لا يعني بالضرورة الدخول في الحرب العسكرية المباشرة، وإنما يكفي فيها تشخيص الظالم والمعتدي، والسعي صوب تعرية مشروعه الإستعماري، وإدانة ما يقوم به من عدوان، والوقوف بجانب المظلوم والمعتدى عليه بالقدر المتاح والممكن، وهذا أقل القليل من المطلوب بدلاً من دس الرأس في التراب في عملية تزييفٍ للوعي المفضوحة.
***
د. محمد هاشم البطاط







