قراءة في كتاب
غزلان هاشمي: كتاب "عن حق الإنسان في الهيمنة" وأحداث غزة
كتاب نيكولا بيروجيني ونيف غوردون الموسوم بـ"عن حق الإنسان في الهيمنة" والذي ترجمه محمود محمد الحرثاني، وصدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، عبارة عن تفكيك لخطاب حقوق الإنسان والقانون الدولي، وفضح لتهاويه وتناقضاته، وتقويض للرؤية التي تدعي حيادهما والتزامهما بالعدالة الإنسانية.
وضح الكاتبان أن ما حفزهما على كتابة هذا الكتاب هو أن المعالجة التي ارتكزت على حقوق الإنسان لم تستطع التغلب على عدم تكافؤ القوة المادية والرمزية المؤثرة بين الاستيطان الإسرائيلي وفلسطين المحتلة، رغم توظيف حقوق الإنسان في التعبئة القانونية والسياسية، فحقوق الإنسان فشلت في تعزيز حركة التحرر الفلسطيني، وسمحت باستغلالها من قبل إسرائيل وتطويعها في سبيل تعزيز هيمنتها، ومن هنا لم تغدو سلاحا للضعيف فقط بل للقوي أيضا، الذي يشرعن من خلالها القتل والتشريد.
أخذنا الباحثان في مقدمة الكتاب إلى رحلة في العمق الأفغاني أيام الاحتلال الأمريكي، حيث فضحا ما أضمره من رغبة في السيطرة وتسويغها تحت مسمى حماية حقوق الإنسان ـ النساء خاصة ـ والتدخل الإنساني، وتحت غطاء فرض التقدم..، بل وكشفا عن الوجه الحقيقي للمنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان التي قادت حملة ضد قرار أوباما القاضي بسحب القوات العسكرية..، وهو ما يدعو إلى التأمل في حقيقة ماتروج له هذه المؤسسات، ومن هنا يصبح العنف ضرورة لحماية حقوق الإنسان من العنف الذي يقوم بانتهاكها، لقد اختار المؤلفان مصطلح الهيمنة رغم تناقضها الظاهر مع مصطلح حق الإنسان، ليكشفا علاقات القهر التي تطبع علاقة الدول بهذه الحقوق، وما تتضمنه من إكراه وقوة وتسلط، ويسوغان هذا الاختيار بقولهما:"تركيزنا على الهيمنة ذو شقين، إذ لدينا اهتمام بدراسة الممارسات العنيفة المستخدمة ضد الأفراد والجماعات من أجل الهيمنة عليهم .لكننا نريد أيضا دراسة المنطق المستخدم لتبرير هذه الممارسات من خلال علاقات هيمنة مختلفة وفحص كيفية إضفاء الشرعية عليها ومنحها معنى من خلال الاسترشاد بحقوق الإنسان .بعبارة أخرى، ما العلاقة بين حقوق الإنسان والهيمنة"25.
يحاجج المؤلفان على أن العنف ليس دائما مظهرا من مظاهر الهيمنة، إذ التاريخ المناهض للاستعمار يشرعن استخدامه من أجل المقاومة والتحرر من الهيمنة الاستعمارية، من هنا يفضح هذا الكتاب التلاعبات الخطابية وازدواجية المعايير وتطويع حقوق الإنسان خدمة للإنسان الغربي عموما والأمريكي خصوصا، ويكشف كيف تسهم هذه الحقوق في إنتاج رواية معينة من التاريخ، ورغم ذلك لا ينكر الباحثان أنه مفهوم خلافي تتضارب مواقف الناس حوله، وهذا ما ناقشته حنة أرندت في كتابها أصول التوتاليتارية، هذا ويلمح الكتاب إلى ضرورة الفصل بين المنظمات الحقوقية غير الحكومية الليبيرالية التي تتبنى رؤية معتدلة لا تقصي أحدا إزاء القضايا الدولية وتسعى إلى التوصل إلى منظور عالمي، والمنظمات غير الحكومية ذات التوجه الاستيطاني أو المحافظة التي تتبنى رؤية إقصائية، إذ حقوق الإنسان عندهم هي حقوق الإنسان الغربي فقط والصهيوني، وهو ما يؤكد على النبرة العرقية التي تتخذها، يقول الكاتبان:"تصور منظمات حقوق الإنسان غير الحكومية ذات التوجه الاستيطاني، الفلسطينيين باعتبارهم غزاة، وبالتالي فهم مرتكبو انتهاكات حقوق الإنسان، في حين تصور المستوطنين اليهود باعتبارهم سكانا أصليين وضحايا للاعتداءات .ومن خلال عمليات الترجمة والسرد تشكل حقوق الإنسان حدود الإنسان من طريق تحديد هوية موضوع حقوق الإنسان .وبالنسبة إلى تلك المنظمات غير الحكومية الاستيطانية فإن اليهودي الإسرائيلي هو موضوع حقوق الإنسان، أما الفلسطيني فلا.."ص57، ولو أن المنظمات الأولى تبقى رهينة سياسة الدول كذلك ولا تستطيع التحرر من سطوتها، ما يجعل حياة الفلسطينيين لا قيمة لها وفق رؤيتهم، إذ يقول المؤلفان توضيحا لهذه الرؤية: "منظمات حقوق الإنسان الليبيرالية الإسرائيلية، حين تستخدم القانون الدولي في تحليل الصراع، تحسم أمرها بالتنكير على منظمات مثل حماس وتتهمها بارتكاب جرائم حرب لاستخدام تلك المنظمات أسلحة عشوائية، في حين تبرئ إسرائيل لاستخدامها أسلحة دقيقة من الجو، ولا يهم تلك المنظمات الليبيرالية في كثير ولا قليل حقيقة قتل إسرائيل عددا من المدنيين .فالناس الذين لم تستهدفهم عمدا الدولة التي تستخدم أسلحة دقيقة، يعدون أضرارا جانبية وفقا لمنظمات حقوق الإنسان غير الحكومية الليبيرالية، في حين يعد أولئك الذين قتلتهم الأسلحة العشوائية ضحايا جرائم حرب"59
في الفصل الأول الذي عنونه الكاتبان بـ"تناقضات حقوق الإنسان"، وضع الباحثان تأسيس البيان العالمي لحقوق الإنسان في سياقه التاريخي، حيث بينا أنه ارتبط بمسألة تأسيس الدولة المزعومة /الكيان الطفيلي بدعوى حماية الأقليات اليهودية وتعويضها عن الإبادة التي تعرضت لها من قبل عدد من الدول الأوروبية، وقد أدى ذلك إلى تدمير قرى فلسطينية كثيرة، وإلى الطرد الممنهج للسكان الأصليين من أجل توطين اليهود مكانهم ، فكان التعويض عن انتهاك حقوق الإنسان اليهودي يجري من خلال استعمار استيطاني إحلالي، وهذا يعني استعمال العنف وانتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني، وهنا مكمن التناقض، حيث التقى خطاب الهيمنة مع خطاب حقوق الإنسان، فتمت شرعنة الاستيطان والهيمنة باستعمال الخطاب الثاني .
في الفصل الثاني المعنون بـ"تهديد حقوق الإنسان"، تحدث فيه الكاتبان عن تقرير غولدستون التابع لهيئة الأمم المتحدة، الذي واجهته إسرائيل بكثير من التهجم لأنه كشف عن حجم الخرق الذي وقع على غزة، من خلال رصد حجم الخسائر البشرية والمادية للطرفين، وإظهار خروقات حقوق الإنسان وكيف كانت أضعافا مضاعفة لدى إسرائيل من نظيرتها حماس، ومن هنا تحولت حقوق الإنسان ومنظماتها إلى خطر على المؤسسة الإسرائيلية وعلى الأمن القومي الإسرائيلي حسب مزاعمهم، بل اتهم أعضاؤها بدعم الإرهاب وأنهم يمثلون الإرهاب القانوني، بعد أن صور التقرير الإسرائيلين بأنهم المعتدون ومنتهكو هذه الحقوق، وليسوا ضحايا كما يوهمون الرأي العام، كما يتحدثان فيه عن الولاية القضائية العالمية التي تسخر القانون الدولي للتعدي على الحدود الإقليمية، من خلال ممارسات غير مشروعة كتطبيق إعدامات دون مرور على القضاء واستهداف المدنيين والتعذيب والخطف والعقاب الجماعي .. ..، يقول الكاتبان:"السؤال الذي نحتاج إلى طرحه هو كيف يمكننا إنتاج أو إعادة إنتاج تهديد حقوق الإنسان؟ بعبارة أخرى، كيف يمكن تحطيم العلاقة بين حقوق الإنسان والهيمنة بحيث تغدو لغة حقوق الإنسان واستراتيجياتها في نهاية المطاف عوامل تقويض وزعـزعة للهيمنة؟ كيف نعيد وصل نضـ/الات حقوق الإنسان المعاصرة بالموروثات التحـررية كحركة مكافحة الاستعمار ومكافحة التفرقة العنصرية ومكافحة العبودية التي منحتها العقيدة الخاصة بأنجزة المجتمع المدني؟".ص256.
في الفصل الثالث الذي ورد بعنوان "حق الإنسان في القتل"، ويعني بها الباحثان استخدام حقوق الإنسان من قبل الدولة ومنظمات حقوق الإنسان الليبيرالية والمحافظة بدعوى تمدين أنواع القتل، وإضفاء مسوغات عقلانية على فعل القتل، مع تدريس حقوق الإنسان للجيش إلزاميا في الجيش الأمريكي، حيث يتم إنتاج أخلاقيات محددة للعنف، والأمر ذاته ينطبق على الجيش الإسرائيلي، ومن هنا تمنح الدولة حماية من اتهام طريقتها في القتل على أنها تنتهك القانون الدولي، وتسوغ فعل الاغتيالات بدعوى محاربة الإرهاب، وهذا ما حصل في أفغانستان والعراق وفلسطين، فمثلا في غزة ادعى الجيش الإسرائيلي أن حماس شوهت وظيفة المنزل و أشكال الحياة فيه من خلال تحريف وظيفته التقليدية وخلق وضع استثنائي، من خلال الاختباء في المنازل وإخفاء الأسلحة لدى المدنيين، وهذا ما يجيز فعل القتل ضدهم، وكل ذلك يتم وفقا لقواعد القانون الدولي المتحيزة، حيث تصبح المنازل في غزة حسب منظورهم ليست مهمتها الإيواء وإنما إخفاء عناصر المقاومة ما يسوغ قصفهم دون تبرير أخلاقي أو قانوني.يقول المؤلفان: "الصمت الحالي في ما يتعلق بالعنف ذي التكنولوجيا الفائقة أمر أساس لفهم خصائص القانون الدولي وطبيعته ودوره في إنتاج العنف الأخلاقي .فالقانون الإنساني مبني كي يعمل لمصلحة المهيمنين، أي أولئك الذين لديهم القدرة على تعريف معايير تطبيقه وتحديدها في سياقات تاريخية وجغرافية معينة"194.
في الفصل الرابع الموسوم بـ"حق الإنسان في أن يستعمر"، يتحدثان عن عملية شرعنة الممارسات الاستعمارية الإسرائيلية من قبل منظمات غير حكومية جديدة تعمل في مجال حقوق الإنسان، اعتبارا من خطابها يتحول المستوطن إلى مواطن أصلي والمواطن الأصلي إلى غاز من خلال سردية تلفيقية، ويتلاشى الفرق بين حق الإنسان في أن يستعمر وحقه في أن يهيمن، من هنا تسهم المنظمات في قلب معنى الاستعمار، حيث يتحول إلى فعل عادل من أجل إضفاء الشرعية على النظام السياسي القائم.
بناء على ذلك شجعت إسرائيل عملية الاستيطان في الضفة الغربية في الخفاء، بينما كانت تدعي ظاهرا أنها تحاول كبح جماح المستوطنين وتهدم مستوطناتهم الجديدة تزامنا مع هدم البيوت الفلسطينية، وذلك من أجل إظهارهم في موضع الضحية بسبب الهدم، ودعما لهذه السياسة التخريبية تم إنشاء منظمات حقوقية إسرائيلية كمظمة ييشا لحقوق الإنسان من قبل أوريت ستروك من أجل الدفاع عن حقوق المستوطنين في عدم الإجلاء عن مستوطناتهم في فلسطين، والوقوف ضد الممارسات العنيفة المزعومة التي يقوم بها الجيش والشرطة ضدهم، وذلك يعني إعادة تأطير المشروع الاستيطاني بتصوير المستوطن على أنه ضحية ، وتصوير السكان الأصليين الفلسطينيين على أنهم غزاة لصوص أراض لابد من طردهم تحقيقا للعدالة الاستيطانية.
في خاتمة الكتاب التي جعلها الباحثان تحت عنوان "ماذا بقي من حقوق الإنسان؟ "يسلطان الضوء على التلفيق وقلب الحقائق سواء من قبل الحكومة أو من قبل المنظمات الحقوقية الإسرائيلية، إذ يتم تصوير الساكن الأصلي /الفلسطيني كجلاد، واليهودي كضحية تطهير عرقي وصاحب حق وهذا ما يصور بدقة الحق في الهيمنة المزعوم والذي يضمر إقصاء وظلما وتعتيما على الحقائق وتجريدا من الحقوق، وكل ذلك يجعل التساؤل ملحا: ما الذي تبقى من حقوق الإنسان؟ .
يدعو صاحبا الكتاب إلى تجديد خطاب حقوق الإنسان وإنقاذها من الإفقار، وتحوير دلالتها حتى تتمكن من مجابهة الهيمنة وتفكيكها، مع إعادة تعريفها بطريقة تجعل الناس يكافحون من أجل المشاريع التحررية .
***
د. غزلان هاشمي - جامعة سوق أهراس / الجزائر







