قراءة في كتاب
قاسم المحبشي: في الثقافة وعناصرها الأساسية وأنماطها التنافسية
فيما يشبه القراءة النقدية في كتاب نظرية الثقافة
الثقافة بوصفها القوة الإبداعية في التاريخ تتكون من ثلاثة عناصر أساسية هي:
اولا: العلم بكل أشكاله وأنماطه ونظرياته ومناهجه وأدواته ومجالاته الطبيعية والرياضية المنطقية والميتافيزيقية والتاريخية الإنسانية والاجتماعية. فكل ما يتصل بممارسة العلم تعليما وتفكيرا واكتشافا واختراعا وتأملا وتفسيرا وفهما هو نشاط ثقافي بالضرورة.
ثانيا: الأدب بكل أنواعه وأساليبه ومجالاته الشعرية والنثرية الخيالية والسردية الاسطورية والواقعية بما في ذلك الايديولوجيات والمعتقدات والتصوف وكل الخطابات النثرية والشعرية تندرج في البنية الكلية للنشاط الأدبي الإبداعي والإخباري.
ثالثا: الفن بكل حقوله ومظاهره الجمالية البصرية والسمعية الايقاعية والتشكيلة، من الرقص والموسيقى والتصميم والتشكيل والهندسة وكل ما نشاط يشتمل على مواهب وقدرات فنية في الصناعة والعمارة والتعدين والتخشيب والفلاحة والصيد وغيرها. وبهذا تكون الثقافة هي القوة الإبداعية في التاريخ بمعناها الواسع. انها تبدع التاريخ وتعيد تشكله باستمرار ولا تقدم ولا تطور ولا نماء ولا ارتقاء بدون معرفة الطبيعة وفهم ديناميكيتها وتفسير قوانين حركتها المعرفة التي لا تكون الا بالعلوم الطبيعية التجربية الموضوعية القادرة على الاكتشاف والاختراع والتفسير والتنبؤ. وتلك هي وظيفة العلوم البحتة. ولا تقدم ولا تطور ولا نماء ولا ارتقاء الا بفهم حركة المجتمع بالتاريخ وشروط ومقومات نموه وتقدمه وهذا لا يتحقق الا بتطور العلوم الإنسانية والاجتماعية المعنية بدراسة الإنسان وحاجاته ودوافعه ودراسة المجتمع ودينامياته الظاهرة والخفية. ولا تزدهر الحضارة بوصفها القوة التنظيمية في التاريخ سياسة وأخلاقًا وتشريعا معنية بخلق النظام العام الذي يحفظ ويصون حقوق الإنسان الأساسية؛ حق الحياة والعمل والحرية والفكر والاعتقاد والتعبير في إطار القانون سيد الجميع. لا تزدهر الا بازدهار الأدب والفن بوصفهما عنصران اساسيان من عناصر الثقافة المعنية بتنمية الإنسان تنمية ثقافية مستدامة بحسب الذكاءات المتعددة التي يتميز بها الكائن الإنساني (الذكاء الوجداني والذكاء المنطقي الرياضي والذكاء الاجتماعي والذكاء البصري والذكاء الايقاعي الموسيقي والذكاء اللغوي والذكاء العضلي والذكاء الوجودي) ففي ذات كل إنسان طيف واسع من المواهب والقدرات المتعددة التي تستدعي التأهيل والتنمية. وتلك هي وظيفة الثقافة في بوصفها الراسمال الذي يبقى بعد نسيان كل شيءٍ! والراسمال الثقافي هو مجموع المنابت والينابيع والمصادر الثقافية التي ينهل منها الفرد وتتوزع الى العادات والتقاليد والأعراف والسرديات والأساطير والرمز والدين والفنون. كما يفيد جملة المؤهلات الفكرية التي ينتجها المحيط الأسري والنظام التربوي وتشكل أحد أدوات التحكم والتوجيه والتأثير في الفرد ويتم مراكمتها عبر الزمن وتمريرها من شخص الى آخر عن طريق المحاكاة والمشاركة والتقليد ويمكن كذلك نقلها من جيل الى آخر عبر آلية اعادة الانتاج واحترام النفوذ.
بناء على ذلك إن الرأسمال الثقافي يحصل عليه المرء بعد مراكمة للتجارب المتنوعة ومثابرة في العمل ويعطيه نوعا من الامتيازات في المجتمع. وحينما يتكرر السلوك يصير عادة وحينما تترسخ العادة تصير ثقافة. ويتوزع الرأسمال الثقافي بحسب بيير بورديو الى ثلاثة عناصر هي شكل متجسد في الهابيتوس الثقافي وتكمن وظيفته في جعل الانسان كائنا اجتماعيا ومشاركا في الفضاء العام، وشكل مموضع في مستوى ثان يتكون من منافع ثقافية وخيرات رمزية مثل الكتب والآثار الفنية والأدوات الرقمية وتتمثل مهمتها في حزن وحفظ العناصر الثقافية، وشكل مؤسساتي في مقام ثالث ويتمثل في العناوين المدرسية والمتاحف والمكتبات ودور الثقافة والمسرح والسينما وتتمثل مهمته في عرضه للمنتوجات الثقافية للفرجة والتقبل والتداول التوزيع والاستعراض والاستهلاك وبالتالي تتحول هذه المؤسسات الى سوق ثقافي. وهكذا يمكن القول أن الناس هو الذين يشكلون ثقافتهم بما يبدعونه من علم وفن وأدب ثم تقوم هي بتشكيلهم بما تحتويه من معرفة وقيم وعادات وافكار وانماط الحياة فهي كل ما نفكر به أو نمتلكه ونمارسه في المجتمع وتُعدّ الثقافة، وفق تعريف عالم الاجتماع الأمريكي روبرت بيرستد، ذلك الكل المركب الذي يشمل ما يفكر فيه الإنسان وما يقوم به وما يمتلكه بوصفه عضواً في المجتمع. هذا التعريف لا ينظر إلى الثقافة بوصفها مجرد معرفة أو فنون، بل باعتبارها بنية متكاملة تتشكل من تفاعل ثلاث منظومات أساسية: التحيزات الثقافية التي تضم القيم والمعتقدات، والعلاقات الاجتماعية التي تربط الأفراد، وأنماط الحياة التي تمثل المحصلة الكلية لهذا التفاعل وتلك الأخيرة هي الناتج الكلي المركب من التحيزات الثقافية والعلاقات الاجتماعية وتميز نظرية الثقافة بين خمسة أنماط أساسية للحياة الاجتماعية والثقافية في المجتمعات المعافية هي خمسة أنماط رئيسية للحياة الاجتماعية والثقافية، وهي: النمط التدريجي، والمساواتي، والقدري، والفردي، والانعزالي. ولا تمثل هذه الأنماط تصنيفات جامدة، بل هي نماذج تفسيرية تساعد على فهم السلوك الإنساني داخل المجتمعات، حيث يتعايش أكثر من نمط في المجتمع الواحد، وتتحدد حيويته بمدى التوازن بين هذه الأنماط.
أولاً: النمط التدريجي (الهرمي)
يقوم هذا النمط على فكرة التدرج في السلطة والتنظيم، حيث تُوزع الأدوار وفق تراتبية واضحة، ويُمنح كل فرد موقعاً محدداً داخل البناء الاجتماعي. يؤمن هذا النمط بالقواعد والضبط المؤسسي، ويرى أن الاستقرار يتحقق عبر الالتزام بالنظام والتقاليد.
يمتاز النمط التدريجي بقدرته على تحقيق الاستقرار والتنظيم، لكنه قد يتحول إلى بيروقراطية جامدة إذا بالغ في تقديس السلطة، مما يحدّ من الإبداع والمبادرة الفردية. ومع ذلك، يبقى هذا النمط ضرورياً لضبط إيقاع المجتمع ومنع الفوضى.
ثانياً: النمط المساواتي
يقوم النمط المساواتي على رفض التراتبية الاجتماعية، والدعوة إلى تحقيق العدالة والمساواة بين الأفراد. يركز هذا النمط على القيم الجماعية والتضامن، ويعارض الهيمنة والسلطة المركزية.
في المجتمعات المتجانسة، يمكن للنمط المساواتي أن يعزز التماسك الاجتماعي، غير أن خطورته تظهر بوضوح في المجتمعات الانقسامية، حيث تتعدد الهويات والانتماءات. ففي هذه الحالة، قد تتحول المساواة من قيمة أخلاقية إلى أداة إقصاء، إذ تسعى كل جماعة إلى فرض تصورها الخاص للمساواة باعتباره النموذج الصحيح الوحيد.
إن المساواتية حين تتحول إلى أيديولوجيا مغلقة، تنفي الاختلاف وتُقصي التنوع، فإنها تُنتج نوعاً من “اليوتوبيا القسرية” التي تفرض نمطاً واحداً للحياة. وهذا ما يؤدي إلى صراعات حادة، لأن كل جماعة ترى نفسها ممثلاً حقيقياً للعدالة، فتتنازع مع غيرها على احتكار الحقيقة الأخلاقية.
ثالثاً: النمط القدري
يتسم هذا النمط بالإيمان بالحتمية والعجز عن التغيير، حيث يشعر الأفراد بأن مصائرهم محددة سلفاً ولا قدرة لهم على التأثير فيها. ينتشر هذا النمط غالباً في البيئات التي تعاني من القهر أو انعدام الفرص.
يميل أصحاب هذا النمط إلى الانسحاب من الفعل الاجتماعي، ويغلب عليهم الشعور باللامبالاة، مما يضعف الحيوية المجتمعية. ومع ذلك، يمكن أن يشكل هذا النمط آلية نفسية للتكيف مع الظروف القاسية، لكنه يصبح خطيراً حين يتحول إلى ثقافة عامة تعيق التقدم.
رابعاً: النمط الفردي
يركز النمط الفردي على الحرية الشخصية والمبادرة الذاتية، ويؤمن بأن النجاح يتحقق من خلال الجهد الفردي والمنافسة. يشجع هذا النمط الابتكار والإبداع، ويُعدّ محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية.
غير أن الإفراط في الفردانية قد يؤدي إلى تفكك الروابط الاجتماعية، وتراجع قيم التضامن، مما يجعل المجتمع عرضة للتفاوت الحاد والصراعات الطبقية. لذلك، يحتاج هذا النمط إلى التوازن مع أنماط أخرى تحافظ على البعد الجماعي.
خامساً: النمط الانعزالي
يمثل هذا النمط انسحاباً شبه كامل من الحياة الاجتماعية، حيث يفضل الأفراد العزلة وتجنب التفاعل مع الآخرين. قد يظهر هذا النمط كرد فعل على الإحباط أو فقدان الثقة في المجتمع.
ورغم أنه يبدو هامشياً، إلا أن انتشاره يشير إلى خلل عميق في البنية الثقافية، إذ يعكس فقدان الانتماء وضعف الاندماج الاجتماعي.
تؤكد نظرية الثقافة أن هذه الأنماط لا يجب أن تُفهم بوصفها متعارضة بشكل مطلق، بل بوصفها عناصر متكاملة داخل منظومة واحدة. فالمجتمع الصحي هو الذي يسمح بتعايش هذه الأنماط في حالة من التوازن، بحيث يحدّ كل نمط من تطرف الآخر.
إن التعددية الثقافية ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية، لأن اختلاف الناس هو ما يتيح إمكانيات متعددة للفهم والاستجابة. فأنصار كل نمط يحتاجون إلى الأنماط الأخرى، سواء للتحالف أو للمنافسة أو حتى لتعريف أنفسهم في مقابلها.
ومن هنا، فإن فرض نمط واحد على المجتمع، مهما بدا مثالياً، يؤدي إلى اختلال خطير. فالمجتمعات التي تقمع التنوع تصبح أقل قدرة على التكيف مع التغيرات، وأكثر عرضة للأزمات.
في المجتمعات العربية المعاصرة، حيث تتعدد الانتماءات الدينية والطائفية والإثنية، تبرز إشكالية المساواتية بشكل حاد. فبدلاً من أن تكون المساواة إطاراً جامعاً، تتحول في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع بين رؤى متنافسة.
تكمن الخطورة في أن الخطاب المساواتي قد يُختزل في شعارات سياسية أيديولوجية، تُستخدم لتبرير الهيمنة بدل تحقيق العدالة. وعندما تتضخم السياسة وتحتكر المجال الثقافي، فإنها تعيد تشكيل كل الخطابات الأخرى وفق منطقها، كما أشار ميشيل فوكو، حيث تسعى السلطة إلى التمدد واحتواء كل أشكال التعبير وفي هذه الحالة، لا تعود الثقافة مجالاً للإبداع والتنوع، بل تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الخطاب السياسي. وهنا تفقد المساواة معناها الحقيقي، لتصبح مجرد قناع لإقصاء المختلف.
لا ريب إن المجتمعات التي تهيم فيها أنماط الثقافة الانقسامية تحتاج إلى إدارة ذكية للتنوع، تقوم على الاعتراف بالاختلاف لا إنكاره، وعلى بناء مؤسسات قادرة على تحقيق التوازن بين الأنماط الثقافية المختلفة. أما فرض المساواة بمعناها التبسيطي، فإنه يؤدي إلى تفجير التناقضات الكامنة بدل حلها.
وبذلك تتضح العلاقة التكاملية بين السياسة الرشيدة والثقافة بوصفة تنمية مستدامة إذ هي ليست مجرد تراكم معرفي، بل هي عملية تهيئة شاملة للإنسان، تشمل تنمية قدراته الفكرية والعاطفية والاجتماعية. كما أنها تمكّن الفرد من استيعاب المعرفة وتحويلها إلى سلوك، وتمنحه القدرة على الربط بين الظواهر المختلفة في إطار رؤية كلية تتيح للفرد القدرة على الفهم العميق، وليس مجرد امتلاك المعلومات. وهي بهذا المعنى تمثل ما يبقى بعد نسيان كل شيء، أي البنية الذهنية التي توجه السلوك.
غير أن هذه الوظائف تتعرض للتآكل عندما تهيمن السياسة الغبية على المجال الثقافي كما حديث في مدينة عدن الساحلية ، وتفرض خطاباً أحادياً يُقصي التنوع. وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للثقافة بوصفها مجالاً مستقلاً، يعزز الحرية والإبداع.
خاتمة
إن فهم الأنماط الثقافية الخمسة يتيح لنا قراءة أعمق للواقع الاجتماعي، ويكشف أن التوازن بين هذه الأنماط هو الشرط الأساسي لاستقرار المجتمعات. فكل نمط يحمل في داخله إمكانات إيجابية وسلبية، ولا يمكن لأي منها أن يدّعي الكمال.
وفي المجتمعات الانقسامية، تبرز الحاجة إلى الحذر من تحويل المساواتية إلى أيديولوجيا مغلقة، لأن ذلك يقود إلى إقصاء التنوع وإشعال الصراعات. إن الحل لا يكمن في فرض نموذج واحد، بل في بناء فضاء ثقافي تعددي يسمح بتعايش الاختلاف.
وبذلك تتعين الوظيفة الاجتماعية للثقافة بوصفها ذلك الكل المركب الذي يشكل تفكيرنا وخيالنا وسلوكنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا وهي فضلا عن ذلك أداة لنقل السلوك ومصدر دينامي للتغيير والإبداع والحرية وتهيئة فرص الابتكار والمنافسات والمبادرات الفردية، وهي مصدر للطاقة والإلهام والتنوع والاختلاف والشعور بالهوية والانتماء. والسؤال هو هل يمكن للثقافة بوصفها التطور الدائم المستمر في العلم والفن والأدب أن تزدهر بدون ازدهار الحضارة؟.
***
ا. د. قاسم المحبشي







