آراء

ثامر عباس: مباهاة الفاشلين

هل تغني مناقب "الماضي" لدرء مصائب "الحاضر" ونوائب "المستقبل"؟!

حين يعجز الإنسان عن مواجهة المشاكل الاجتماعية والتحديات المصيرية التي تواجهه يوميا "وتفاجئه عند كل منعطف، لا يجد أمامه سوى الرجوع الى مواريث الماضي للبحث عما قد يعينه على درء ما يمكن أن يتمخض عن تلك المشاكل والتحديات من منغصات معيشية ومعاناة نفسية. ولعله قد يصيب في هذه العملية الارتكاسية أو الارتدادية بعض النجاح ولو لحين، إلاّ انه لا يلبث أن يقع في مآزق أخرى ومخانق أضافية أشد وطأة عليه من سابقاتها، لكونه لجأ - لحلّ تلك المشاكل وتلافي تلك التحديات – الى الطرق السهلة والمسارات المطروقة، بدلا"من أن يختار سبل البحث الشاق والتنقيب المضني عما يجعل حياته سهلة وسلسلة قليلة لا تطاق من المعاناة الدائمة والمكابدات المستمرة.

ولعل لجوء الغالبية العظمى من الناس البسطاء، ممن لم يتحصلوا على قدر كاف من العلوم والمعارف الإنسانية، للتعلق بمواريث الماضي ومخزونات التاريخ واعتبارها الرصيد الحضاري والرمزي الذي يمكنهم الاعتماد عليه في لحظات الإحساس بالعجز الذاتي، إزاء صدمات الواقع وانهيارات المجتمع. نقول ان لجوء هؤلاء الى مثل تلك الخلفيات والمرجعيات المؤمثلة، تبدو مفهومة ومبررة، في بعض الأحيان، طالما ان الإنسان المعني لا يملك ما يجعله قادرا"على مواجهة تلك التحديات القائمة والتصدي لتلك التهديدات المتوقعة، سواء بسبب قصوره الذاتي أو عجزه الموضوعي. ولكن هل يا ترى ان هذا التشبث (الطفولي) الشبيه بالبله، كفيل بتحقيق ما يعجز الإنسان شخصيا"عن تحقيقه بقواه الذاتية وإرادته الحرة، أم أنه سيسهم – باستمرار الرهان على مناقب مفترضة أو فضائل متخيلة - بزيادة معاناته الاجتماعية، ومضاعفة مكابداته الاقتصادية، ورفع توتراته النفسية ؟!.

فعلى فرض صحة ما تناقلته كتب التاريخ والحضارة من أن (أسلاف) العراقيين القدامى (كانوا) البناة الأوائل للحضارات (السومرية والبابلية والأكدية والآشورية)، مثلما (كانوا) السبّاقين في اختراع الكتابة والتدوين، و(كانوا) المبتكرين في سن القوانين والشرائع، و(كانوا) المبادرين في بناء المدن والحواضر. فإن ذلك لا يمنح (الأخلاف) العراقيين المحدثين شهادة (الإعفاء) من نقد عيوب حاضرهم المزري، و(الإعراض) عن مسائلة ما يبيتون لمستقبلهم المظلم. إذ لم تكن في يوم ما – بالنسبة للشعوب الأصيلة والأمم الحيّة - أمجاد الماضي (منطلقا") أو (مرتكزا") للانخراط في أتونات التطور العلمي – التكنولوجي، والتقدم الاجتماعي – الاقتصادي، والرقي الثقافي – الحضاري، التي تعدّ معيارا"للتنافس بين مختلف الدول والحكومات المعاصرة الطامحة للفوز بمقومات التفوق والصدارة والهيمنة. بقدر ما كانت تلك الأمجاد الغابرة (حافزا") أو (دافعا") للشروع بنفض غبار كل ما له علاقة بمظاهر التخلف العلمي والاجتماعي والاقتصادي والحضاري والإنساني.  

والجدير بالذكر، ان قوانين التطور الاجتماعي والرقي الحضاري لا تبالي أو تراعي، ضمن دينامياتها وسيروراتها وجدلياتها، ما تتباهى به الشعوب الفاشلة والأمم العاجزة حيال ما (كان) ماضيها الآفل وتاريخها الزائل، وإنما تهتم كل الاهتمام وتأخذ وتراعي كل المراعاة ما يفترض أنه (كائن) في حاضرها الماثل، وما ينبغي له أن (يكون) في مستقبلها المقبل. ولعل هنا تكمن معضلة المجتمع العراقي الكبرى، التي من أبرز عواقبها وتداعياتها أنها لا تشجع فقط القوى الفاعلة (نخب وصناع رأي) في المجتمع على الركون الى مغريات الكسل الثقافي والعطالة الفكرية فحسب، وإنما تزيد من حالات التشويش والارتباك والغموض التي من شأنها (إعاقة) عمليات التفاعل والتواصل ما بين تلك الديناميات والسيرورات والجدليات، بحيث ستغدو الأمور - بالنسبة لتلك القوى - من الصعوبة بمكان تمكنها من الكشف عن العوامل المؤسسة للإشكاليات، مثلما تصيبها بالعجز عن تشخيص البنى العميقة المؤثر في صيرورات الظواهر الغريبة والمظاهر الشاذة.

ومما يعمّق مأساة هذه (اللوثة) الحضارية المزمنة، هي أن أغلب (نخب) العراق المعاصر لا (تجهل) فقط معنى ومغزى قوانين التطور الاجتماعي فحسب، وإنما (تتجاهل) ما تنبئ به من مؤشرات منذرة ومعطيات محذّرة بوقوع الكوارث، حين يصار الى (الخلط) بين السياقات التاريخية، و(المزج) بين المراحل الحضارية، بحيث يفضي هذا الأمر الى تبرير المغالطات وتسويغ الانحرافات التي غالبا"ما كانت من أبرز خصائص تلك (النخب) الفاشلة، سواء أكان ذلك على مستوى الوعي أو على صعيد السلوك.  

***

ثامر عباس

 

في المثقف اليوم