آراء
علاء اللامي: وقفة مع د. بشار عواد معروف
حين تصح المعلومة التأريخية ولا يصح السياق
الأستاذ د. بشار عواد معروف باحث عراقي بغدادي ومؤلف مرموق له إنجازاته القيمة في ميدان التأريخ وفروعه تأليفاً وتحقيقاً. ورغم أنني لم أتشرف بالتتلمذ علي يديه في دراستي في فرع الكلية التي تخرج هو منها ودرَّس فيها، أعني فرع التأريخ في كلية الآداب -جامعة بغداد، بل من فرع آخر. ولكني أعبر عن تمسكي بأخلاقيات وتقاليد التتلمذ والزمالة الجامعية العراقية التي تكرست أيام ازدهار التعليم والتعليم العالي في العراق وقبل أن تحطَّه الأقدار إلى المستوى المؤسف الذي وصل إليه في أيامنا ومن تلك المنظومة احترام وتبجيل الأستاذ والزميل من غير صنمية وانقياد أعمى.
والحقيقة، ما كنت أتمنى له أن يتورط في ظاهرة "البودكاستات -الحوارات" الفيديوية المنتشرة هذه الأيام وهو حر ومستقل قطعا في خيارته ولكن هذه كانت أمنيتي وقد طبقتها على نفسي قبل أن أتمناها لغيري. فالخوف على العالم المرموق حين يزج به في نقاشات وخلافات وجدالات لا قيمة لها علميا وتهدف في الدرجة الأولى إلى إحداث فرقعة إعلامية في ما يسمونه "إعلام الشو"، أو يستدرج الضيف إلى قول مرتجل قد لا يرقى إلى علمه المتجسد في مؤلفاته هو خوف حقيقي بعد تجارب كثيرة لغيره من باحثين وعلماء. والأسوأ من ذلك أن من يدير هذه المقابلات ويشرف عليها غالبا هم أناس جهلة متعطشون إلى الشهرة أو المال، وأميون معرفياً لا يعرفون أي شيء ذي طابع تخصصي في عوالم الفكر المعقدة، فيجري تشتيت فكر الضيف وانتباهه ليسرد لهم ذكريات وطرائف صغيرة من حياته الشخصية كما حدث في ثلاثة أرباع المقابلة موضوع الحديث مع د. معروف.
من الواضح أن محاولة قد جرت، بشكل مباشر أو غير مباشر، لتوريط د. معروف في خلافات ومكايدات أهل السياسة والسجالات ذات الطابع القومي والطائفي. وكان ينبغي أن يتفاداها لأنه أعلى شأنا منها وممن ختلوا وراءها وحاولوا الاستثمار في علمه ومعلوماته الغزيرة. وأشهد لوجه الحق أنه حاول جاهدا، في عدة مناسبات، أن يتفادى تلك المحاولات ويمانع في الانجرار إلى هذا النوع من المكايدات ويتملص من الإجابة على بعض أسئلة محاورِه إلا في بعض المواضع، رغم أنه بدا متحمسا إلى هذا النوع من المقابلات وأجرى عددا ملحوظا منها خلال فترة زمنية قصيرة تناول في بعضها أمورا حساسة من قبيل الإمام المهدي عند المسلمين الشيعة / بوكاست في الصورة –روتانا الخليجية.
وأيضا، حين استعاد السجالات والمناكفات السياسوية حول الظاهرة الشعوبية والشعوبيين التي راجت في العراق بعد الانقلاب القومي اليميني في 8 شباط 1963 على ثورة 14 تموز 1958، خارج سياقها التأريخي والحضاري، حين تم اعتبار اليساريين الأمميين والجماعات الرافضة للوحدة العربية الاندماجية والفورية التي نادى بها القوميون العروبيون بتياريهم الناصري والبعثي، اعتبارهم نسخة جديدة من الشعوبية القديمة. وكانت هذه الظاهرة الثقافية المحدودة بعبارة د. معروف نفسه قد ظهرت في العصر العباسي وبعد أن ترامت أطراف الدولة ودخلت طورها الإمبراطوري.
و"الشعوبية"، نسبة إلى "الشعوب" في المعجم الثقافي القديم والتي كانت تعني بمصطلحاتنا اليوم "الأقليات والمكونات القومية والإثنية"، وربما أخذها مستعملوها من مفردة وسياق شعوب في الآية القرآنية "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا". أما عند ساسة ومثقفي ذلك العهد فهي تعني "العداء للعرب" من قبل غير العرب ضمن الدولة العربية الإسلامية، وليست كماهي في واقعها تعبيرا عن تطلعات أبناء الأقليات القومية المسلمة أو غير المسلمة التي عاشت في كنف الدولة إلى العدالة والإنصاف، قبل أن تنقلب ماهيتها وتتحول إلى عداء عرقي وعنصري مضاد للقمع والاضطهاد والاستغلال الطبقي والقومي العربي لاحقا. وقد بلغت هذه النزعة ذروتها في ثورات وحروب عنيفة منها ثورة بابك الخرمي في منطقة أذربيجان بشمال غرب إيران. استمرت الانتفاضة لمدة 20 عاماً، بدأت تقريباً في عام 816 م (201 هـ) وانتهت في عام 837 م (223 هـ) بقمعها من قبل الجيش العباسي. وثورة زنج البصرة التي قادها العلوي علي بن محمد في جنوب العراق في عام 255 هـ / 869 م، واستمرت هذه الثورة العنيفة، التي قادها علي بن محمد ضد الدولة العباسية، لمدة تزيد عن 14 عاماً حتى تم إخمادها من قبل الجيش العباسي في عام 270 هـ / 883 م. وهذه ثورات وحركات ذات محتوى طبقي وتحرري أساسا خالطتها نزعات معادية للعرب كرد فعل على الاضطهاد والتمييز الذي مارسته النخب الحاكمة العربية أو المستعربة.
لقد كانت الدولة العربية الإسلامية منذ نشوئها في العهد الراشدي ثم الأموي فالعباسي وحتى الفاطمي عبارة عن فيدرالية لامركزية شاسعة الأرجاء - بمصطلحات عصرنا - لها مركز "عاصمة اتحادية" واحدة هي دمشق في العهد الأموي القصير (تسعون عاما)، وبغداد في العصر العباسي لأكثر من خمسة قرون. إلى جانب عواصم إقليمية عديدة إنما بلا تسميات رسمية وتعاريف حضارية وجيوسياسية مستقرة وراسخة. ويمكن التحفظ أيضا على التكرار غير النقدي الذي أدلى به د. معروف لمزاعم مؤرخي السلطان "العباسي" حول أصل خلفاء الدولة الفاطمية التي تمردت على سلطان بني العباس ونفي علاقتهم بكريمة النبي العربي الكريم فاطمة الزهراء ونسبتهم إلى شخص يدعى "عبيد الله" قالت أقلام السلطات ومشايعوها إنه انتسب زورا إلى النسب الفاطمي العلوي وأسس دولة باسمهم ولقب نفسه بالمهدي وتسميتهم العبيديين. وهذا كلام أهل الحكم العباسي الخائفين على احتكارهم للقرابة من النبي عن طريق عمه وجدهم العباس بن عبد المطلب.
وهذه قصة طويلة جرى نقضها وتفنيدها في وقتها، وانحاز عنها المؤرخون المنصفون من أهل السنة من أمثال تقي الدين المقريزي وابن الأثير وابن خلدون وابن خلكان وتبناها وروَّجها شيخ التكفيريين المعاصرين ابن تيمية الذي اعتبر "العبيديين، وهم ملاحدة في الباطن، أخذوا من مذاهب الفلاسفة والمجوس ما خلطوا به أقوال الرافضة" وشاركه هذا الرأي عدد آخر من المؤرخين القدماء ولكن هذه القضية تلاشت في المؤلفات المعاصرة ولم يعد إليها للنبش في رمادها إلا قلة من المحرضين التكفيريين وأمثالهم من طائفيين موسميين. والواقع فقد كان د. معروف في غنىً عن تكرار هذه المقولات في مقابلة خفيفة وبعيدة عن الروح العلمي حتى لو كان معتقدا بها شخصيا مع أن من حقه ولا أحد يجاد في حقه في أن يتبنى ما يشاء له عقله أن يتبنى.
أما المفاضلة المقتضبة التي قام بها د. معروف بين الدولة الأموية والعباسية لمصلحة الأولى لكونها عربية بحتة على حساب الثانية التي "تحكم فيها الشعوبيون كالفرس وسائر الأعاجم"، والتي بولغ في انتقاده عليها فهي مشروعة بحثيا وليست جديدة في السردية التأريخية العربية ولكنها أيضا جاءت محشورة حشرا في استدراك سريع لا يخلو من الخفة في التناول والتحليل الذي لا يخلو من النزعة في التحشيد القومي السياسيوي. والميل إلى الأمويين بغض الطرف عن العباسيين غير معهود لدى أهل السنة والجماعة العراقيين لا قديما ولا حديثا على عكس الحال في المملكة السعودية مثلا. ويمكننا أن نسهب في ذكر أمثلة لتأكيد ذلك، بعضها طريف ولا يخلو من دلالات معبرة، ولكني سأكتفي بهذا المثال: "قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء": كان عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي وهو أحد رواة الحديث النبوي من علماء أهل السنة في العراق، وأول من صنف المسند على ترتيب الصحابة بالكوفة وهو أحد مشايخ البخاري. كان الإمام أحمد بن حنبل ينصح العلماء وطلاب العلم بزيارته وأخذ الحديث عنه وذات مرة جاءه رجل لأخذ الحديث عنه فتلقاه عبيد الله بن موسى وسأله: ما اسمك؟ فقال له اسمي معاوية بن صالح الأشعري. فقال له عبيد الله: والله لا حدثتك ولا حدثت قوما أنت فيهم"!
وقد توقفت شخصيا وباستغراب عند جزئية يمكن أن يؤاخذ عليها د. معروف، وأوردها في سرده لذكرياته الجامعية وعرَّض فيها، بزميله العالم النحوي العراقي الكبير مهدي المخزومي، وقال عنه في معرض كلامه عن ذكرياته وكيف تدخل عمه د. ناجي معروف رئيس قسم التاريخ لدى عميد كلية الآداب وفرض عليه قبول أوراق ابن أخيه وهذا العميد هو مهدي المخزومي كما يفهم من كلام د. معروف وعرَّف به بالقول "كان من المنتمين إلى الشيوعية والمسائل الأخرى، وكان يعمل عندكم في السعودية/الدقيقة 55 و33 ثانية". والمعروف في الوسط الثقافي والأكاديمي والسياسي العراقي أن الراحل المخزومي لم يكن يوما شيوعياً أو اشتراكياً بل هو رجل علم في المقام الأول والأخير، أكمل دراسته العليا في اللغة والأدب ونال شهادته في مصر سنة 1954، ولم يشارك قط في أية فعالية شيوعية أو يسارية، ولكنه عرف بفكرة العقلاني التقدمي إنما بلا انتماءات سياسية حزبية. ومؤلفاته المعروفة والمنشورة هي سبعة مؤلفات كلها في النحو العربي وأعلامه القدماء الكبار وليس فيها كتاب سياسي شيوعي أو غير شيوعي واحد. ثم لنفترض جدلا أن المخزومي كان شيوعيا فما علاقة ذلك بلغة البحث وحديث الباحث والمنهجية التي يفكر بموجبها؟ إنني - بصراحة - لم أهتدِ حتى هذه اللحظة إلى السبب الذي دفع د. معروف إلى إطلاق هذه المعلومة غير الصحيحة عن زميل متوفى وكان عميد كليته قبل نصف قرن في تسجيل مصور هو يعرف إنه سيبث ويشاهده الجمهور العام!
يتبع في الجزء القادم قريبا..
***
علاء اللامي







