عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

زكريا نمر: ماذا نقول لمن لم يقرأ كتابا في حياته؟

تتكرر نصيحة تبدو للوهلة الأولى أخلاقية وملهمة ابدأ بالقراءة، فالكتب تغير حياتك. تقال هذه العبارة بصيغة يقينية، كأنها قانون كوني لا يقبل الاستثناء. لكن حين نخضعها لنظرة نقدية صارمة، يتكشف أنها ليست نصيحة بريئة، بل خطاب محمل بالافتراضات، وأحيانا بالوصاية، وغالبا بالكسل الفكري. إذ تقدم القراءة بوصفها حلا جاهزا لمشكلة غير معرفة بدقة، وتسقط على أشخاص وسياقات لا نعرف عنها شيئا.

السؤال الذي يهمل عادة هو من هو هذا الشخص الذي لم يقرأ كتابا في حياته؟ هل هو كسول؟ غير مهتم؟ أم أنه نتاج منظومة تعليمية فاشلة، وبيئة اجتماعية لا تعلي من شأن المعرفة المكتوبة، وربما ظروف معيشية تضغط عليه بحيث لا يرى في القراءة أولوية؟ تحويل المسألة إلى خيار فردي صرف هو تبسيط مخل. فالفعل الثقافي، بما فيه القراءة، لا يحدث في فراغ، بل يتشكل داخل بنية من الفرص والقيود. ومن هنا، فإن نصيحة عامة توجه إلى الجميع تصبح بلا معنى تقريبا، لأنها تتجاهل الاختلافات البنيوية بين الأفراد. هناك أيضا بعد طبقي خفي في هذه النصيحة. من يملك وقتا للقراءة؟ من لديه إمكانية الوصول إلى كتب جيدة؟ من تعلم أصلا كيف يقرأ قراءة فعالة؟ هذه أسئلة لا تطرح، لكنها حاسمة. فحين نطلب من شخص يعمل لساعات طويلة لتأمين أساسيات الحياة أن يبدأ القراءة، فنحن لا نقدم له حلا، بل نضيف عبئا رمزيا جديدا: عبء الشعور بالتقصير. هكذا تتحول القراءة من فعل تحرري محتمل إلى معيار أخلاقي يقاس به الناس، ويدان به من لا يلتزم.

وإذا تجاوزنا البعد الاجتماعي، سنجد أن الخطاب نفسه يعاني من خلل مفاهيمي. القراءة ليست فضيلة في ذاتها، بل ممارسة. قيمتها ليست في حدوثها، بل في نوعها وأثرها. ليس كل ما يقرأ مفيدا، وليس كل قارئ واعيا. بل إن بعض أشكال القراءة تنتج وعيا زائفا أكثر تعقيدا من الجهل البسيط. القارئ الذي يستهلك الكتب كما تستهلك السلع، دون تمحيص أو مساءلة، قد يتحول إلى حامل مؤدلج لأفكار جاهزة، لا إلى عقل ناقد. وهنا تكمن المفارقة: القراءة التي يفترض أن تحرر قد تقيد، إذا لم تصاحبها مهارة التفكير النقدي. من ناحية أخرى، تفشل النصيحة الشائعة في الإجابة عن السؤال العملي كيف يبدأ من لم يقرأ؟ هل يبدأ بكتب ثقيلة لإثبات الجدية؟ أم بنصوص خفيفة تفتح شهية القراءة؟ هل يقرأ بدافع المتعة أم بدافع تطوير الذات؟ وهل عليه أن يلتزم بخطة، أم يترك نفسه للفضول؟ غياب الإجابة يحول النصيحة إلى شعار. كثيرون جربوا أن يبدؤوا، لكنهم اصطدموا بتجارب محبطة: كتاب لا يناسب مستواهم، لغة معقدة، موضوع لا يلامس حياتهم. النتيجة غالبا هي الانسحاب، ثم ترسيخ قناعة سلبية القراءة ليست لي.

الأخطر من ذلك أن الخطاب الثقافي يربط القراءة بالتحول السريع، كأنها وصفة جاهزة للنجاح. تروج قصص فردية، غالبا مبالغ فيها، عن أشخاص غيرتهم الكتب جذريا. لكن ما يخفى هو أن هذه التحولات نادرة، ومشروطة بسياقات متعددة: شخصية، تعليمية، نفسية. تحويلها إلى قاعدة ينتج توقعات غير واقعية، ثم إحباطا حين لا تتحقق. الحقيقة الأقل بريقا، لكنها أكثر صدقا، أن القراءة فعل تراكمي بطيء، وقد لا يحدث أثرا دراميا ظاهرا، لكنه يعيد تشكيل الوعي على المدى الطويل إذا تمت ممارسته بوعي.

هناك أيضا مشكلة في تصورنا لماهية الكتاب كأن المعرفة لا تكتسب إلا عبر النصوص المطبوعة. هذا تصور تقليدي يتجاهل تحولات العصر. اليوم، يمكن اكتساب معرفة عميقة عبر وسائط متعددة: محاضرات، نقاشات، محتوى رقمي، خبرة عملية. ليس الهدف تمجيد البدائل، بل تفكيك الاحتكار الرمزي الذي يمنح للكتاب. من لم يقرأ كتابا قد يكون قد تعلم بطرق أخرى. السؤال ليس: هل قرأت؟ بل: ماذا تعلمت؟ وكيف تفكر؟ في ضوء كل ذلك، تبدو النصيحة التقليدية ابدأ بالقراءة ناقصة إن لم نقل مضللة. النصيحة الأكثر صدقا يجب أن تنطلق من إعادة تعريف المشكلة. بدل أن نسأل: لماذا لا تقرأ؟ نسأل ما الذي يثير فضولك؟ ما الأسئلة التي تقلقك؟ ما الموضوعات التي تمس حياتك؟ إذا وجد هذا الدافع الداخلي، يمكن للقراءة أن تكون أحد المسارات الطبيعية لإشباعه، لا فرضا خارجيا. البداية الحقيقية ليست مع كتاب، بل مع سؤال حي.

كما أن من الضروري إعادة بناء العلاقة مع القراءة على أساس الواقعية لا المثاليات. لا حاجة لخطط صارمة أو أهداف متعالية. يمكن البدء بنصوص قصيرة، بلغة بسيطة، في موضوع مألوف. يمكن التوقف دون شعور بالذنب إذا لم يكن النص مناسبا. يمكن القراءة ببطء، أو حتى بشكل متقطع. المهم هو بناء عادة مرنة، لا طقس ثقافي مرهق. القراءة التي تفرض تتحول إلى عبء، أما التي تنبع من رغبة، ولو كانت محدودة، فهي القابلة للاستمرار. لكن حتى هذه المقاربة المرنة ليست كافية إن لم تدعم ببيئة حاضنة. نعود إلى البعد البنيوي. لا يمكن أن نطالب الأفراد بما لا تتيحه لهم مؤسساتهم. تحسين الوصول إلى الكتب، تطوير المناهج التعليمية لتشجع التفكير لا الحفظ، خلق فضاءات للنقاش، دعم مبادرات القراءة المجتمعية، كلها شروط تحول القراءة من فعل فردي معزول إلى ممارسة اجتماعية متاحة. دون ذلك، تبقى النصائح مجرد خطاب أخلاقي يحمل الأفراد ما لا يملكون تغييره. ثمة بعد آخر يستحق الانتباه الخوف. نعم، كثيرون لا يقرأون لأنهم يخافون. الخوف من الفشل في الفهم، من اللغة الصعبة، من الشعور بالنقص أمام المثقفين. هذا الخوف ناتج جزئيا عن الخطاب الإقصائي الذي يحيط بالقراءة، حيث تقدم كعالم نخبوي يتطلب استعدادا خاصا. كسر هذا الحاجز النفسي يتطلب خطابا مختلفا: خطابا يقر بأن الفهم التدريجي طبيعي، وأن عدم الإعجاب بكتاب ليس جريمة، وأن التعلم عملية غير خطية.

ولا بد من الاعتراف بأن بعض من يقدمون النصيحة يمارسون شكلا من الاستعراض الثقافي. القراءة تتحول إلى هوية يعلن عنها، لا إلى ممارسة تعاش. في هذه الحالة، النصيحة ليست موجهة للآخر بقدر ما هي تعزيز لصورة الذات. هذا يفرغها من مضمونها، ويجعلها جزءا من اقتصاد رمزي قائم على التمايز لا على المشاركة. من ، فإن نقد النصيحة هو أيضا نقد لثقافة ترى في المعرفة وسيلة للتمايز الاجتماعي، لا أداة للفهم المشترك. لا ينبغي أن ينزلق النقد إلى إنكار قيمة القراءة. المسألة ليست إلغاء النصيحة، بل إعادة صياغتها. القراءة تظل من أكثر الوسائل فعالية لتوسيع الأفق، شرط أن تمارس بوعي، وأن تكون جزءا من منظومة أوسع من التعلم. لكنها ليست الطريق الوحيد، ولا الضامن التلقائي للتحول. التعامل معها كحل سحري يسيء إليها بقدر ما يسيء لمن توجه إليهم النصيحة.

النصيحة الأكثر دقة قد تكون على هذا النحو: لا تقرأ لأنهم قالوا لك إن القراءة مهمة، بل اقرأ إذا وجدت ما يستحق القراءة. لا تبدأ بكتاب عظيم، بل بكتاب قريب. لا تكمل ما لا يقنعك، ولا تحمل نفسك عبء أن تصبح قارئا مثاليا. الأهم من كل ذلك: لا تفصل القراءة عن التفكير. اسأل، شكك، قارن، واربط ما تقرأه بحياتك. بدون ذلك، ستظل القراءة نشاطا شكليا، مهما كثر. من لم يقرأ كتابا في حياته ليس حالة شاذة تحتاج إلى تصحيح بل مؤشر على خلل أوسع في علاقتنا بالمعرفة. معالجة هذا الخلل لا تتم بنصيحة عامة، بل بفهم عميق للواقع، وبناء بدائل واقعية، وتبني خطاب أقل وصاية وأكثر صدقا. أما النصائح الجاهزة، فهي في أفضل الأحوال غير فعالة، وفي أسوأها تعيد إنتاج المشكلة التي تدعي حلها.

***

زكريا - نمر