عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

عامر عبد زيد: تهافت الفلاسفة عند الغزالي

يمثل تهافت الفلاسفة واحدة من أكثر اللحظات التباسًا في تاريخ العلاقة بين الفلسفة والدين في الإسلام؛ فقد جرى اختزال الكتاب، في كثير من السرديات اللاحقة، إلى عنوان واحد: الغزالي هدم الفلسفة. ثم تحولت هذه العبارة إلى حكم تاريخي واسع، فأصبح الغزالي في بعض الكتابات رمزًا لانتصار الكلام على الفلسفة، أو بداية لما سمي «انحطاط الفلسفة الإسلامية»، بينما أصبح تهافت الفلاسفة وكأنه إعلان وفاة للمشروع الفلسفي في الإسلام. غير أن هذه الصورة، على الرغم من شيوعها، تحتاج إلى مراجعة جذرية؛ لأن قراءة الكتاب في سياقه تكشف أن الغزالي لم يكن يواجه «الفلسفة» باعتبارها فعلًا عقليًا مطلقًا، ولم يكن يرفض كل ما جاء به الفلاسفة، بل كان يميز بين قضايا يمكن قبولها، وقضايا تحتاج إلى تأويل، وقضايا يرى أنها تصطدم بأصول الاعتقاد.

 لقد نقد الفلسفة من داخل المعرفة بها.  درس منطقها، واستوعب بنية ميتافيزيقاها، وكتب في مقاصدها قبل أن يكتب في تهافتها، ثم واجهها من داخل جهازها البرهاني نفسه. ولذلك فإن تهافت الفلاسفة لا يمثل خروجًا من الفلسفة بقدر ما يمثل عبورًا داخلها ثم عليها؛ عبورًا يكشف أن نقد الفلسفة قد يكون فعلًا فلسفيًا، وأن رفض بعض نتائج التفلسف لا يعني بالضرورة رفض السؤال الفلسفي.

ومن هنا لا ينبغي أن يكون السؤال: «هل كان الغزالي ضد الفلسفة؟»؛ فهذا السؤال يضعنا منذ البداية داخل ثنائية مغلقة. السؤال الأعمق هو: ما الذي رفضه الغزالي فعلًا؟ وما الذي قبله؟ وما الذي أعاد صياغته؟ وهل كان اعتراضه على الفلسفة بوصفها معرفة، أم على بعض دعاواها الميتافيزيقية، أم على تحول البرهان الفلسفي إلى ادعاء بالضرورة واليقين؟

أولًا: ما الذي رفضه الغزالي فعلًا؟

لفهم تهافت الفلاسفة ينبغي أولًا تحرير صورة الخصم الذي يواجهه الغزالي. فهو لا يوجه نقده إلى «الفلاسفة» بصورة عامة، ولا يناقش كل ما يمكن أن يسمى فلسفة، وإنما يتجه بصورة أساسية إلى الفلاسفة المشائين، وبخاصة البناء الميتافيزيقي الذي ورثه الفلاسفة المسلمون عن اليونان، كما تمثل عند الفارابي وابن سينا.

وهذا التحديد مهم؛ لأن الغزالي نفسه لم يرفض جميع العلوم التي اشتغل بها الفلاسفة. ففي مقاصد الفلاسفة عرض آراءهم في المنطق والطبيعيات والإلهيات عرضًا قريبًا من الإنصاف، حتى إن الكتاب فُهم في بعض البيئات اللاحقة على أنه من مؤلفات الغزالي التي تؤيد الفلسفة، بسبب دقة عرضه لمذاهبها. ثم عاد في تهافت الفلاسفة ليناقش مجموعة من دعاواهم ويكشف، في نظره، تناقضها أو عدم قيام البرهان عليها.

وهنا تظهر نتيجة أولى: الغزالي لم يرفض التفكير العقلي، وإنما رفض تحويل نتائج معينة إلى حقائق ضرورية لا تقبل النقاش.

وهذا يفسر موقفه من المنطق. فقد اعتبر المنطق أداة ضرورية لتنظيم الاستدلال، واستعمل مصطلحاته وطرقه في عدد من مؤلفاته. كما لم يرفض العلوم الطبيعية من حيث هي دراسة للظواهر، ولم يجعل الاشتغال بالرياضيات أو المنطق أو بعض مباحث الطبيعة محرمًا في ذاته.

لكن الأزمة تبدأ عندما ينتقل الفيلسوف، في نظره، من مجال التجربة والاستدلال إلى ميتافيزيقا تتجاوز حدود البرهان، ثم يقدم نتائجها باعتبارها يقينًا لا يحتمل النقيض.

ولهذا فإن التهافت ليس كتابًا ضد العقل، وإنما هو، في أحد وجوهه، محاكمة لادعاء العقل امتلاك الضرورة في مسائل لا يرى الغزالي أن البرهان قد حسمها.

ثانيًا: نقد السببية

تظهر هذه المسألة بوضوح في المناقشة الأشهر للكتاب: مسألة السببية. كان الفلاسفة يرون أن بين الأشياء علاقات سببية حقيقية، وأن الموجودات الطبيعية تؤثر بعضها في بعض وفق طبائع وقوانين. فإذا لامست النار جسمًا قابلًا للاحتراق، فإن الاحتراق يحصل بسبب طبيعة النار. أما الغزالي فيرفض الانتقال من مجرد الاقتران المشاهد إلى إثبات الضرورة.

وهنا تكمن قوة اعتراضه. فنحن نلاحظ أن النار والاحتراق يجتمعان بصورة متكررة، لكن ماذا نرى تحديدًا؟ نرى النار. ونرى الاحتراق. ونرى تعاقبهما. لكننا لا نرى «الضرورة» بوصفها كيانًا ثالثًا.

إن الانتقال من: النار تقترن بالاحتراق إلى النار تستلزم الاحتراق بالضرورة ليس انتقالًا تجريبيًا بسيطًا، وإنما هو انتقال ميتافيزيقي يحتاج إلى برهان مستقل. ولهذا يقول الغزالي، في جوهر اعتراضه، إن ما نعتقده علاقة ضرورية قد يكون مجرد اقتران جرت به العادة. وهنا يلتقي الغزالي مع التصور الأشعري عن العادة بدل الضرورة، لكنه يمنح المسألة قوة فلسفية جديدة؛ إذ لا يكتفي بالقول إن الله قادر على خرق العادة، بل يهاجم أصل الدعوى القائلة إن العقل يستطيع أن يثبت ضرورة العلاقة السببية من خلال المشاهدة.

وهذا يجعل نقد الغزالي أكثر عمقًا من مجرد الدفاع عن المعجزة. إنه في جوهره سؤال إبستمولوجي: هل تكفي الملاحظة المتكررة لإثبات الضرورة؟ وهذا السؤال سيعود في تاريخ الفلسفة الغربية عند ديفيد هيوم، وإن اختلف السياق والمشروع والمنهج.

لكن يجب هنا تجنب المقارنة السطحية بين الغزالي وهيوم؛ فالغزالي لا ينطلق من التجريبية الحديثة ولا ينتهي إلى الشك في كل علاقة سببية بالطريقة نفسها، وإنما يستخدم نقد السببية في إطار توحيدي يرفض أن تكون الطبيعة مستقلة عن الفعل الإلهي.

وهنا تبرز نقطة شديدة الأهمية: الغزالي لا يلغي انتظام العالم؛ وإنما يرفض أن يتحول الانتظام إلى ضرورة مستقلة. العالم منتظم، لكن انتظامه لا يعني أنه مغلق.

ثالثًا: نقد الضرورة

من هنا ينتقل الغزالي إلى مفهوم أوسع: الضرورة. فالمشكلة عنده ليست أن الفلاسفة يقولون إن النار تحرق، وإنما أنهم، في نظره، يحولون هذا الاقتران إلى علاقة لا يمكن أن تتخلف. وهذا يفتح سؤالًا ميتافيزيقيًا بالغ الأهمية: هل الممكن يمكن أن يتحول إلى الضروري بمجرد اعتيادنا عليه؟ إذا كان العالم ممكنًا، فلا ينبغي أن نتعامل مع قوانينه وكأنها وجود واجب بذاته. ومن هنا يتقاطع نقد السببية مع نقد مفهوم الضرورة.

فالفلاسفة، في بناءاتهم الميتافيزيقية، حاولوا تفسير العالم من خلال سلسلة من العلل، وربطوا الموجودات بعلاقات عقلية تجعل بعضها صادرًا عن بعض وفق نظام ضروري. أما الغزالي فيرى أن هذا النظام لا يثبت ضرورة بالمعنى الذي يمنع الإرادة الإلهية من إمكان إحداث خلاف المألوف. وهنا يصبح مفهوم الإمكان عنصرًا حاسمًا. إن كون الشيء يحدث دائمًا بالطريقة نفسها لا يجعله واجبًا. وكوننا لم نشاهد العكس لا يعني أن العكس مستحيل. وبهذا المعنى يعيد الغزالي فتح المجال أمام الممكن.

فالضرورة التي تغلق العالم تصبح موضع نقد، والإمكان الذي تسمح به الإرادة الإلهية يعيد إلى العالم سيولته. وهذه إحدى النقاط التي يمكن أن تتحول، داخل فلسفة العبور، إلى مفهوم الوجود غير المغلق. فالعالم الذي لا تحكمه ضرورة سببية مستقلة ليس عالمًا فوضويًا، وإنما عالم يمكن أن ينتظم دون أن ينغلق.

رابعًا: العالم والخلق

من أكثر القضايا حساسية في تهافت الفلاسفة مسألة قدم العالم. كان الفلاسفة المشاؤون، وخصوصًا في الصياغة التي وصل إليها ابن سينا، يقولون بقدم العالم من جهة الزمان، مع اختلاف دقيق في كيفية فهم علاقته بالله.

أما الغزالي فيرى أن القول بقدم العالم يتعارض مع مفهوم الخلق والإرادة الإلهية؛ لأن العالم، إذا كان أزليًا بالمعنى الذي ينفي حدوثه الزماني، يصبح من الصعب تفسير صدوره بوصفه فعلًا اختياريًا وقع بعد أن لم يكن. وهنا لا يتعلق الخلاف فقط بسؤال: هل للعالم بداية زمنية؟ بل بسؤال أعمق: هل العالم فعل أم ضرورة؟

إذا كان العالم صادرًا عن الله وفق ضرورة عقلية، فإن الإرادة الإلهية تصبح محدودة في بنيتها التفسيرية. أما إذا كان العالم فعلًا اختياريًا، فإن وجوده مرتبط بالإرادة. وهنا يعود مفهوم العبور. العالم يعبر من الإمكان إلى الوجود. لكن هذا العبور ليس انتقالًا ذاتيًا، وإنما هو انتقال بفعل الإرادة.

ولهذا كان رفض الغزالي لقدم العالم جزءًا من رفضه لتصور يجعل العالم نتيجة ضرورية لنظام ميتافيزيقي مغلق. إن الخلق، عنده، ليس مجرد حدث وقع في الماضي، وإنما هو التعبير عن افتقار العالم في وجوده إلى الله.

خامسًا: العلم الإلهي

أما المسألة المتعلقة بالعلم الإلهي، فهي أكثر تعقيدًا؛ لأن الغزالي يعترض على صياغة الفلاسفة لمسألة علم الله بالجزئيات. فإذا كان علم الله لا يتغير، فكيف يتعلق بالأشياء المتغيرة؟ وإذا كانت الموجودات الجزئية متغيرة ومتعددة، فكيف يكون العلم الإلهي بها على نحو يليق بالكمال الإلهي؟

كان الفلاسفة قد قدموا تصورات دقيقة في هذا المجال، خصوصًا ابن سينا، الذي رفض أن يكون علم الله بالأشياء مماثلًا لعلم الإنسان بها، وحاول أن يفسر علم الله بالجزئيات من خلال علمه بالأسباب والأنظمة الكلية. لكن الغزالي رأى في هذا التصور تقليصًا لما يقتضيه الاعتقاد بالعلم الإلهي الشامل.

والأهمية الفلسفية لهذه المسألة تتجاوز الخلاف العقدي المباشر؛ لأنها تكشف عن سؤال حول طبيعة المعرفة الإلهية: هل يمكن أن نستخدم مفاهيمنا البشرية عن المعرفة لنصف علمًا مطلقًا؟ إذا كان الإنسان يعرف الشيء من خلال الانفعال به أو التغير معه، فلا يعني ذلك أن علم الله يعمل بالطريقة نفسها. وهنا تعود مشكلة حدود اللغة والمفهوم التي ظهرت في الأشعرية.

إننا نتحدث عن المطلق بلغة نشأت في عالم المحدود. ومن هنا ينبغي أن ننتبه إلى أن الغزالي، حتى حين يعترض على الفلاسفة، لا يتجاوز المشكلة التي حاولوا حلها؛ وإنما يقدم لها تفسيرًا آخر. فالمسألة في عمقها ليست فقط: «من الصحيح؟» بل هل يستطيع العقل أصلًا أن يصوغ علم المطلق بمفاهيم مستمدة من تجربة المحدود؟

سادسًا: النفس والآخرة

تمس مناقشات الغزالي أيضًا مسائل النفس والآخرة، ولا سيما التصورات التي ارتبطت بالفلسفة المشائية حول طبيعة النفس، وعلاقتها بالجسد، ومصيرها بعد الموت. وقد رأى الغزالي أن بعض التصورات الفلسفية المتعلقة بالمعاد لا تنسجم مع العقيدة الإسلامية، خصوصًا عندما يتم تفسير الآخرة تفسيرًا رمزيًا أو عقليًا لا ينسجم مع الإيمان بالمعاد الجسدي.

وهنا يعود الخلاف إلى مسألة أعمق: هل يستطيع العقل وحده أن يحدد شكل الحياة بعد الموت؟ إذا كان العقل يعمل داخل عالم التجربة، فكيف يمكنه أن يحسم بصورة مستقلة طبيعة عالم يتجاوز التجربة؟

وهذا يعيدنا إلى فلسفة الحدود. إن الغزالي لا يقول إن العقل لا قيمة له، بل يقول إن هناك موضوعات تتجاوز المجال الذي يمكن للعقل أن يستقل فيه. وهنا يصبح الوحي، بالنسبة إليه، مصدرًا ضروريًا لمعرفة ما يتجاوز حدود النظر العقلي.

وبذلك فإن رفض الغزالي لبعض أطروحات الفلاسفة في النفس والآخرة لا ينطلق من رفض السؤال، بل من رفض احتكار العقل لإجابة لا يرى أن أدواته تكفي لإنتاجها.

سابعًا: ثلاث مسائل ومسألة الكفر

من المهم التوقف عند حقيقة أن الغزالي لم يعتبر كل أخطاء الفلاسفة متساوية. ففي تهافت الفلاسفة ناقش عشرين مسألة، لكنه شدد على ثلاث مسائل عدّها أخطر من غيرها، وهي): قدم العالم، وإنكار علم الله بالجزئيات، وإنكار بعث الأجساد)، واعتبر أن هذه الآراء تمس أصول العقيدة على نحو مختلف عن سائر المسائل. وهذا التفصيل مهم للغاية؛ لأنه يكشف أن الغزالي لم يقل ببساطة إن «الفلسفة كفر».

بل قام بعملية تمييز داخل الفلسفة نفسها. هناك مسائل يراها باطلة دون أن تستلزم الحكم نفسه. وهناك مسائل يرى أنها أخطر لأنها تمس أصولًا عقدية محددة. ومن هنا ينبغي عدم قراءة عنوان تهافت الفلاسفة بوصفه حكمًا شاملًا على كل ممارسة فلسفية. إنه نقد لمواقف فلسفية محددة، وخصوصًا في الميتافيزيقا، كما تلقاها الغزالي في المشائية الإسلامية.

ثامنًا: نقد نتائج الفلسفة أم نقد فعل التفلسف؟

وهنا نصل إلى السؤال الأهم في هذا المبحث. هل كان الغزالي ينتقد نتائج الفلسفة أم فعل التفلسف نفسه؟ إذا كان ينتقد فعل التفلسف، فإن كل الأسئلة الفلسفية تصبح موضع رفض.

لكن قراءة أعماله تكشف شيئًا مختلفًا. فالغزالي نفسه مارس النظر، والشك، والبرهان، والتحليل المنطقي، ونقد المعرفة، ودرس مذاهب الفلاسفة بدقة، واستعمل منطقهم في بناء عدد من كتبه.

بل إن مقاصد الفلاسفة نفسه يدل على أنه رأى ضرورة فهم الفلسفة قبل نقدها. إذن المشكلة ليست في السؤال الفلسفي في ذاته. المشكلة في أن يتحول السؤال إلى منظومة تدعي أن نتائجها نهائية وضرورية، خصوصًا عندما تتعلق بأمور يرى الغزالي أن العقل لا يستطيع حسمها.

وهنا يمكن القول إن الغزالي لا يحارب فعل التفلسف بقدر ما يحارب دوغمائية التفلسف. إنه يرفض الفيلسوف عندما يتحول من باحث إلى مالك للحقيقة. وهذا يعيدنا إلى مفهوم «العقل العابر». فالعقل الذي يعبر بين الأدلة والأسئلة يظل فلسفيًا.

أما العقل الذي يتوقف عند نسقه ويعتبره حقيقة مكتملة، فإنه يتحول إلى عقيدة. ومن هنا يصبح تهافت الفلاسفة نفسه نصًا شديد الفلسفية؛ لأنه لا يكتفي بتقديم موقف بديل، وإنما يسأل عن شروط مشروعية الادعاء باليقين.

تاسعًا: الغزالي يهدم الضرورة أكثر مما يهدم الفلسفة

إذا أردنا تكثيف مشروع تهافت الفلاسفة في عبارة واحدة، فيمكن القول: الغزالي لا يهدم الفلسفة بقدر ما يهدم ادعاءها بالضرورة. فهو لا يرفض المنطق. ولا يرفض البرهان. ولا يرفض العقل. ولا يرفض دراسة الطبيعة. ولا يرفض السؤال في الوجود. إنما يرفض، في مناطق محددة، أن تتحول هذه الأدوات إلى سلطة ميتافيزيقية تدعي أن ما تقوله هو وحده الممكن.

وهنا تصبح معركته مع الفلاسفة معركة حول حدود البرهان. ما الذي يمكن أن يثبته البرهان؟ وما الذي لا يستطيع إثباته؟ وهل عدم قدرة الخصم على تقديم برهان لصالح رأيه يعني أن الرأي المضاد ثبت بالضرورة؟ وهذه النقطة مهمة؛ لأن الغزالي، في عدد من المواضع، لا يدعي إثبات النقيض الفلسفي بصورة مباشرة، وإنما يحاول إظهار أن دعوى الفلاسفة بالضرورة لم تقم عليها الحجة الكافية.

وهنا يتحول التهافت من كتاب في الرد إلى كتاب في نقد شروط البرهنة. وهذا هو الجانب الذي يجعل الغزالي مهمًا لفلسفة العبور.

عاشرًا: من «التهافت» إلى العبور

إذا قرأنا تهافت الفلاسفة من داخل مشروع فلسفة العبور، فإننا لا نحتاج إلى الدفاع عن الغزالي ضد الفلاسفة، ولا إلى الدفاع عن الفلاسفة ضد الغزالي؛ بل نحتاج إلى فهم الحركة التي أحدثها الصراع نفسه.

الفلاسفة قالوا: (النظام / الضرورة / العقل.( والغزالي قال: الانتظام لا يساوي الضرورة. الفلاسفة بحثوا عن نظام ميتافيزيقي يفسر العالم. والغزالي أعاد إدخال الإرادة والإمكان إلى هذا العالم. الفلاسفة سعوا إلى بناء صورة متماسكة للوجود. والغزالي سأل عن حدود قدرة العقل على بناء هذه الصورة.

وهنا لا يعود الصراع مجرد صراع بين «دين» و«فلسفة»، بل يصبح صراعًا حول طبيعة العقل نفسه. هل العقل قادر على بناء تفسير نهائي للوجود؟ أم أنه يعمل داخل حدود لا يمكنه تجاوزها؟ وهنا تكمن القيمة العابرة للغزالي: إنه ينقلنا من سؤال «ما الحقيقة؟» إلى سؤال سابق: ما حدود الطريق الذي نسلكه للوصول إليها؟

خاتمة

لم يكن تهافت الفلاسفة، في نهاية المطاف، كتابًا لإغلاق باب الفلسفة بقدر ما كان محاولة لإعادة تحديد المجال الذي يستطيع العقل أن يدعي فيه اليقين. لقد دخل الغزالي إلى عالم الفلاسفة، درس منطقهم ومفاهيمهم، وعرض آراءهم، ثم عاد ليختبر دعاواهم الميتافيزيقية من الداخل، فرفض ما رأى أنه لا يقوم على برهان ضروري أو يتعارض مع أصول الاعتقاد، وقبل من أدواتهم ومباحثهم ما لم ير فيه تعارضًا مع مشروعه.

ولهذا فإن عبارة «الغزالي هدم الفلسفة» تبدو، من منظور تاريخي وفلسفي، أكثر بساطة مما ينبغي. فقد كان الغزالي نفسه مستخدمًا للمنطق، ومشتغلًا بنظرية المعرفة، ومحللًا لمفهوم السببية، ومناقشًا للوجود والإمكان والضرورة، أي إنه مارس عددًا من العمليات التي لا يمكن فصلها بسهولة عن الممارسة الفلسفية.

إن ما رفضه الغزالي بصورة أساسية هو تحول الفلسفة من بحث إلى يقين مغلق؛ أي اللحظة التي يصبح فيها النسق الفلسفي قادرًا، في نظر أصحابه، على تفسير كل شيء بالضرورة، بحيث لا يبقى للإمكان ولا للإرادة ولا للحدود المعرفية مجال.

ومن هنا تبدو معركته مع السببية أكثر أهمية من مجرد مسألة النار والاحتراق؛ فهي تكشف رفضه تحويل الانتظام إلى ضرورة. كما أن اعتراضه على قدم العالم يكشف رفضه تحويل الوجود إلى نظام ضروري مغلق. واعتراضه على بعض تصورات العلم الإلهي يكشف حدود استعمال المفاهيم الإنسانية في وصف المطلق. وموقفه من النفس والآخرة يكشف رفضه منح العقل سلطة مطلقة في المجالات التي تتجاوز تجربته.

وهكذا تتجمع في تهافت الفلاسفة مجموعة من الأسئلة التي ستظل حاضرة في تاريخ الفلسفة: هل الانتظام ضرورة؟ هل البرهان قادر على إنتاج اليقين في كل المجالات؟ هل يمكن للممكن أن يتحول إلى الضروري؟ هل يستطيع العقل أن يحيط بالمطلق؟ وهل نقد نتيجة فلسفية يعني رفض الفعل الفلسفي نفسه؟

والجواب الذي تقودنا إليه القراءة المقترحة هو أن نقد نتائج الفلسفة لا يساوي بالضرورة نقد فعل التفلسف. بل يمكن أن يكون نقد الفلسفة فعلًا فلسفيًا عندما يعيد فحص شروطها ومقدماتها وحدودها.

ومن هنا يصبح الغزالي شخصية مركزية في الانتقال الذي نبحث عنه في هذا الكتاب: الانتقال من الفيلسوف بوصفه مالكًا للحقيقة إلى العقل بوصفه عابرًا نحوها.

فالعقل الغزالي لا يتوقف عند اليقين الموروث، لكنه لا يتوقف كذلك عند النسق الفلسفي. إنه يشك، ويفحص، ويحلل، وينقض، ثم يبحث عن يقين آخر. ولذلك فإن التهافت ليس نهاية الطريق، وإنما محطة في طريق طويل من العبور: من الفلسفة إلى نقد الفلسفة، ومن نقد الفلسفة إلى نقد أدوات المعرفة، ومن نقد أدوات المعرفة إلى سؤال اليقين، ثم من اليقين العقلي إلى التجربة الروحية.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

في المثقف اليوم