هل يمكن اختزال لغتنا العادية الى لغة منطق؟ هذا ما حاول بالضبط فلاسفة القرن العشرين الإجابة عليه. اللغة هي حول كيفية إيصال تجاربنا وافكارنا الى الاخرين. لذلك، من الطبيعي ان يسأل الفلاسفة عن كيفية عمل اللغة. فمثلا، هل من الممكن معرفة الكثير عن بنية الذهن من خلال فهم بنية اللغة العادية اليومية؟ هل يمكن دراسة اللغة علميا لمواجهة غموض الكلمات والعبارات؟ هل يمكننا استعمال تعبيرات اللغة الرياضية لفهم بنية اللغة العادية بشكل أفضل؟ هذه الأسئلة طرحها عدد من فلاسفة ومنطقيي ورياضيي القرن العشرين .
التحول اللغوي The Linguistic Turn
كان رينيه ديكارت - فيلسوف القرن السابع عشر يُعرف على نطاق واسع باتجاهه الراديكالي في الميتافيزيقا – دراسة الواقع – من خلال طريقة تحقيق عُرفت بطريقة الشك. هذه الطريقة هي الامتناع عن إعلان أي شيء غير مؤكد. التقليد الميتافيزيقي الذي بدأ مع ديكارت أثّر في التقليد الفلسفي الغربي حتى القرن العشرين.
عدم الاستقرار السياسي والحركات الاجتماعية التي شكلت علامة فارقة في القرنين التاسع عشر والعشرين حول اوربا قادت العديد من الفلاسفة الى رفض الميتافيزيقا التقليدية. الاهتمام المتزايد في العلوم الصلبة مثل الفيزياء والرياضيات بالإضافة الى الاهتمام الجديد في اللغة، اتخذ طريقه الى الخطابات الاكاديمية وغير الاكاديمية.
هذه الحركة بالذات، التي ارتبطت عادة بحلقة فيينا وفلاسفة أمثال غوتلوب فريجه و برتراند رسل و لودفيغ فيتجنشتاين ورودولف كارنب، اصبحت تُعرف بـ التحول اللغوي.
ان رفض ميتافيزيقا ديكارت تزامن مع الاهتمام بلغة المنطق والرياضيات والعلوم. عدم نجاح طريقة ديكارات في الشك كان ملفتا مقارنة بالانتاجية المعرفية الهائلة للمنهج العلمي. لذلك، فان فرعا جديدا للفكر عُرف بالفلسفة التحليلية انبثق من الاستياء العام وعدم الرضا عن التحقيق الفلسفي.
الفلاسفة التحليليون استخدموا الطرق العلمية في التحقيق للإجابة على أسئلة حول العالم. هم اعتقدوا ان اللغة العادية – اللغة التي يستعملها الانسان في اتصالاته اليومية – غير ملائمة بسبب غموضها المتأصل. الفلاسفة التحليليون اعتقدوا ان معظم المشاكل الفلسفية التي كافح الميتافيزيقيون لحلها ربما يسهل التعامل معها عبر توضيح المعنى الحقيقي للغة المستخدمة في توضيح تلك المشكلات.
حركة الوضعية المنطقية انبثقت من هذه الأفكار. مؤيدوها الرئيسيون كانوا أعضاءً في حلقة فيينا، وهي جماعة من الفلاسفة اهتموا بتطوير فلسفة للعلوم. النص الأساسي المرتبط بالوضعية المنطقية هو كتاب اللغة، الحقيقة والمنطق لـ الفريد جول أير Alfred Jules Ayer. طبقا للوضعيين المنطقيين، ترجمة المشاكل الفلسفية من اللغة العادية الى لغة المنطق ربما يكون حلا مفيدا. هو جادل ان معظم المشاكل الفلسفية تبرز من غموض اللغة التي تُعرض فيها تلك المشاكل . من جهة أخرى، المنطق – لغة الرياضيات والعلوم – هو دقيق بشكل لا يُصدق ولا يترك أي مجال للغموض. لذلك، فان استعماله لتوضيح المعاني المعبّر عنها في اللغة العادية سيكون مفتاحا لكشف طبيعة الواقع.
استخدام لغة المنطق
لاحظنا ان الوضعية المنطقية برزت من الحاجة لتوضيح معنى اللغة لكشف معناها الحقيقي والوصول الى فهم أفضل لطبيعة المشاكل الفلسفية. لكن ماذا نعني بالضبط بغموض اللغة؟ عندما نتحدث الى بعضنا البعض، نحن نفهم بعضنا بوضوح تام، وفي أغلب الحالات، نحن لا نواجه العديد من المشاكل في تبادل الأفكار والآراء بطريقة مفهومة.
لكن، بينما تعمل اللغة جيدا كوسيلة اتصال، يصح أيضا ان نتوقف ونتأمل في الجمل التي نستعملها في محادثاتنا اليومية، نحن ربما نجدها محيّرة للغاية. الفلاسفة – الذين يجب ان يعبّروا عن أفكارهم من خلال وسيلة اللغة العادية - عادة يفكرون بعمق في اختيارهم للكلمات وتركيب الجمل. لذلك، هم لابد ان يشعروا بالحيرة إزاء غموض معين – او في بعض الاوقات – يُخدعون بمثل هذ الغموض.
لاحظ التعبير التالي:
الكلاب مخلصة (1)
يجادل الفلاسفة ان التعبير أعلاه مكوّن من جزئين. الأول هو الكائن المعني المشار اليه باسم عام، والثاني هو المسند او الصفة التي قُصد به قول شيء ما حول الاسم. لهذا، التعبير أعلاه يمكن تفكيكه كالتالي:
1a توجد هناك كائنات مثل الكلاب...
1b هذه الكائنات لها سمات ان تكون وفية.
اذا كانت العبارة الواردة في (1) ونسختيها المفصلتين في 1a و 1b لا يُحتمل ان تثير أي تساؤلات لدى الفلاسفة، فان العبارات او الجمل الإخبارية من هذا النوع كانت مصدر تحقيق فلسفي استمر لقرون طويلة.
هل هناك وجود للحيوان الخرافي؟ غموض اللغة العادية
اذا كانت الجملة الاخبارية في المقطع السابق بدت غير مثيرة للإشكال، لنلاحظ التالي:
الحيوان الخرافي هو وهمي (2)
العبارة (2) تعرض نفس البنية النحوية كالعبارة الأولى. لكن طبيعة الكائنات التي اشير اليها بهذه الكلمات أثارت العديد من النقاشات حول مفهوم الوجود.
كما في العبارة (1)، يمكن تحليل الجملة على انها كيان موضوعي وُصف بفعل يعبّر عن شيء ما يتعلق بطبيعته. لكن، وجود كائن مثل الحيوان الخرافي يتعارض مع معنى الصفة التي اريد بها وصفه، أي، وهمية. الكائن الوهمي لا يمكن ان يوجد، كونه وهمي يشير الى اللاوجود. الفلاسفة حاولوا حل المشكلة بالادّعاء ان وجود عالم غير تجريبي يمكن ان توجد فيه كائنات مثل الحيوان الخرافي.
التسمية والوجود
الفريد جول اير يدّعي اننا لا نستطيع الاعتماد على وجود عالم غير تجريبي، لأنه لا توجد طريقة لدينا للتحقق من هكذا وجود. بدلا من ذلك، يجادل اير اننا مخطئون في افتراضنا ان التسمية، التفكير، او تخيل كيان ما لا بد ان يستلزم وجوده. لا وجود لارتباط سببي او علاقة استلزام بين عبارات مثل العبارات التالية ووجود الحيوان الخرافي:
بناءً على ما يُعتقد في الحيوان الخرافي.
انا أحكم ان الحيوان الخرافي موجود.
يجادل اير ان الوجود ليس صفة او مسند يشير الى خاصية الكيان الموضوع. بدلا من ذلك، الوجود هو حالة يمكن ان تكون حقيقية او غير حقيقية بشكل مستقل عن أي شخص يزعمه او يحكم فيه او يفكر حوله او يتخيله. من المحتمل، الكيانات قد توجد للابد بدون ان يعرف عنها أي شخص. يتبع ذلك ان حالة الوجود ليست مقيدة باللغة باي حال من الأحوال رغم ما يبدو من أول نظرة.
بسبب هذه القضايا، يجادل الوضعيون المنطقيون مثل اير ان اللغة العادية يمكنها بسهولة ان تخدع أي شخص يتأملها لفترة طويلة جدا. هو اعتقد اننا نحتاج لتوضيح معنى اللغة العادية باستعمال لغة منطقية منهجية واضحة.
فلسفة اللغة العادية
بينما مقترح الوضعيين المنطقيين يبدو جذابا بسبب منهجيته ووضوحه، لا يُنكر ان اللغة العادية اكثر قوة وتعبيرا مما يمكن ان تكون عليه اللغة المنطقية. ولهذا، كثير من المعاني التي يتم ايصالها من خلال اللغة العادية تضيع عندما تُترجم العبارة الى لغة منطقية. كذلك، اللغة المنطقية هي فقط وسيلة مصطنعة تُستخدم للتوضيح. الأفكار الواقعية، الآراء، والتأملات تولد ويُعبر عنها باللغة العادية. ومن هنا، يجب ان يكون هناك شيء ضمن اللغة العادية ذاتها يسمح لنا لنولّد طبيعيا افكارا مشتركة وآراءً بطريقة متفردة بطبيعتها. لهذه الأسباب برز في القرن العشرين تيار فلسفي جديد، يُعرف بفلسفة اللغة العادية كرد فعل للوضعية المنطقية.
فلاسفة اللغة العادية مقتنعون بان اللغة اليومية تقدم رؤى عظيمة الى الفكر والذهن، وبهذا هم يسعون لإستعمالها ضمن ممارساتهم الفلسفية. هم غير مقتنعين ان الغموض المحتمل للغة العادية يشكل مشكلة للتحقيق الفلسفي ويعتقدون ان الفهم الصحيح لتعقيدية اللغة يساعدنا للإجابة على الأسئلة الفلسفية التي تواجهنا. كما في أي عملية ترجمة، اختزال اللغة العادية الى نظام ثنائي من الصحيح والزائف تعتمد عليه اللغة المنطقية ربما يؤدي الى تبسيط مفرط للغاية للفكرة الأصلية. لهذا السبب، هم يجادلون ان الناس يجب ان يستكشفوا الطبيعة الواقعية للفكر والذهن مستعملين لغة عادية.
لغة عادية ام لغة منطق؟
حاول الفلاسفة التحليليون وفلاسفة اللغة واللغويون ولايزالون يحاولون تطوير وصف علمي ومنهجي للغة. لغة العلوم والرياضيات، باستعمالها المنطق هي طريقة طبيعية لتوضيح وفهم أفضل لسمات اللغة النحوية والدلالية. ان غموض اللغة العادية – خاصة عندما تحلل الجمل بمعزل عن سياقها في العمل – هو شيء مؤكد، وهذا الغموض يشكل عائقا لفهم المعنى المعبّر عنه في اللغة. هذا بلا شك يقلل من إمكانية إيجاد أجوبة للاسئلة التي يريد الفلاسفة الإجابة عليها.
مع ذلك، بينما يمكن تخفيف مظاهر معينة للتحقيق الفلسفي التحليلي عبر توضيح معاني اللغة العادية من خلال المنطق، فان مظاهر أخرى تتطلب التعقيد والمرونة التي تتسم بها اللغة العادية. لا يمكن اختزال جميع القضايا التي تشغل بال الفلاسفة الى لغة منطقية دون استبعاد جزء من العناصر السياقية المرتبطة بهذه القضية. قد يصح هذا، مثلا، في الاخلاق والفلسفة الأخلاقية. يتبع ذلك ان هناك ميزة او مبررا لكلا الجانبين وان ظروفا متميزة وحججا فلسفية يُحتمل ان تتطلب أحد الاتجاهين او الآخر.
***
حاتم حميد محسن








