عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

ياسر البتانوني: الفلسفة بين سؤال الغياب وصناعة الفاعلية واستعادة الحضور

بادئ ذي بدء نقول: لم تختف الفلسفة من العالم العربي، لكنها فقدت شيئا من حضورها، فما زالت الفلسفة تدرس في الجامعات، وتصدر عنها الكتب والبحوث والدراسات، وما زالت أسماء الفلاسفة حاضرة في المجال الأكاديمي والثقافي، غير أن حضورها في الوعي العام لم يعد يوازي تاريخها ولا قيمة الأسئلة التي تنهض بها. وكأن الفلسفة بقيت موجودة بوصفها تخصصا علميا، بينما أخذت تتراجع بوصفها طريقة في النظر إلى الإنسان والعالم والحياة.

ومن هنا لا يبدو السؤال الحقيقي" لماذا لا يقرأ الناس كتب الفلسفة؟" فهذه ليست المشكلة في جوهرها، وإنما السؤال الأعمق هو" كيف أصبح الإنسان العربي المعاصر أقل شعورا بالحاجة إلى الفلسفة؟".

فالفلسفة لا تزدهر لمجرد وجود الكتب، وإنما تزدهر حين يشعر الإنسان أن حياته لا تستقيم من دون الأسئلة التي تطرحها. وحين تتراجع الحاجة إلى هذه الأسئلة، يمكن للفلسفة أن تبقى في الجامعة، وأن تبقى في المكتبات، وأن تظل موضوعا للرسائل العلمية، لكنها تفقد موقعها في الحياة.

لقد تغيرت صورة المعرفة نفسها، ففي عالم تحكمه السرعة والتقنية والمنافسة، أصبحت المعرفة تقاس، في كثير من الأحيان، بما تستطيع أن تفعله، لا بما تستطيع أن تكشفه من معنى. نبحث عن المعرفة التي تساعدنا على إنجاز عمل، أو زيادة دخل، أو تطوير تقنية، أو علاج مرض، أو إدارة مؤسسة. وهذه كلها حاجات مشروعة وضرورية، لكنها لا تستنفد معنى المعرفة.

فهناك معرفة تسأل: كيف نفعل؟ وثمة معرفة أخرى تسأل:" لماذا نفعل؟ وإلى أين يقودنا ما نفعل؟ وما الذي ينبغي أن نفعله أصلا؟

الأولى تمنح الإنسان القدرة، والثانية تمنحه البصيرة، ومن هنا يمكن أن نفهم جانبا من تراجع الفلسفة. لقد أصبحنا نعيش في زمن تتسع فيه قدرتنا على الفعل بسرعة تفوق قدرتنا على التفكير في غايات هذا الفعل. نمتلك وسائل أكثر، لكننا لا نملك بالضرورة وضوحا أكبر بشأن الغايات. نستطيع أن نتواصل مع العالم كله في لحظات، لكن ذلك لا يعني أننا أصبحنا أكثر قدرة على فهم الإنسان، ونستطيع أن ننتج المعرفة ونخزنها وننقلها بصورة لم يعرفها التاريخ من قبل، لكن وفرة المعرفة لا تعني بالضرورة وفرة الحكمة.

وهنا تستعيد الفلسفة ضرورتها؛ فهي لا تأتي لتنافس العلم في مجاله، ولا لتقدم بديلا عن المعرفة العلمية، وإنما لتسأل عن الإنسان الذي يستخدم هذه المعرفة، وعن الغاية التي ينبغي أن توجه هذه القدرة الهائلة على الفعل.

ولعل هذه إحدى مفارقات العصر، فكلما ازداد الإنسان قدرة على تغيير العالم، ازدادت حاجته إلى أن يفهم ماذا يريد من هذا العالم.

غير أن أزمة حضور الفلسفة لا يمكن تفسيرها فقط بتحولات المعرفة الحديثة أو بهيمنة النزعة النفعية، فثمة سبب أعمق يتصل بطبيعة الفلسفة ذاتها؛ فالفلسفة في جوهرها ليست معرفة تطمئن إلى الإجابات الجاهزة، وإنما ممارسة عقلية تعيد السؤال إلى الواجهة كلما ظن الناس أن الأمر قد حسم.

إنها تسأل عن الحقيقة، ولكنها تسأل أيضا عن شروط الوصول إليها. وتسأل عن الحرية، لكنها لا تكتفي بترديد قيمة الحرية، بل تسأل عن حدودها وشروطها وموانعها. وتسأل عن العدالة والمساواة والحق والسلطة والشرعية، ولا تكتفي بما هو قائم، وإنما تبحث في ما ينبغي أن يكون.

ومن هنا كان السؤال الفلسفي، في بعض السياقات التاريخية، سؤالا غير مريح للسلطة حين تتحول السلطة من وسيلة لتنظيم المجال العام إلى محاولة لاحتكار الحقيقة أو تحصين ممارساتها من النقد. فالسؤال عن الحرية قد يكشف حدود ما هو متاح منها، والسؤال عن العدالة قد يكشف المسافة بين القيمة المعلنة والواقع، والسؤال عن الشرعية لا يكتفي بوجود السلطة، وإنما يبحث عن الأساس الذي يجعلها جديرة بالطاعة.

ولهذا لا تكون الفلسفة مقلقة للسلطة لأنها تعارض السلطة بالضرورة، وإنما لأن طبيعتها النقدية تجعلها غير قابلة بسهولة للتعايش مع أي سلطة تريد أن تجعل بعض إجاباتها نهائية، أو بعض تصوراتها فوق المساءلة.

والأمر نفسه ينبغي أن يفهم بدقة فيما يتعلق بالمجال الديني، فالمشكلة ليست في الدين بوصفه مجالا للإيمان والقيم والمعنى، وإنما في كل نمط من أنماط السلطة المعرفية حين يتحول تفسير الحقيقة إلى احتكار يمنع السؤال والمراجعة والحوار. فالفلسفة لا تعادي الدين من حيث هو دين، وإنما ترفض من حيث المبدأ أن تتحول أي إجابة إلى حصانة تمنع العقل من ممارسة وظيفته النقدية.

وهنا ربما نفهم لماذا كان حضور الفلسفة تاريخيا متفاوتا باختلاف البيئات الثقافية والسياسية، فحيث تتسع مساحة السؤال والحوار والنقد، تجد الفلسفة مجالا أرحب للحضور، وحيث تضيق هذه المساحة، تميل الفلسفة إلى الانحسار أو الانكماش داخل المؤسسات الأكاديمية.

لكن اختزال تراجع الفلسفة في ضغط السلطة وحده سيكون تبسيطا للقضية، كما أن تحميل المجتمع وحده مسؤولية هذا التراجع سيكون ظلما للفلسفة نفسها. فثمة مسؤولية تقع على عاتق المشتغلين بالفلسفة، وربما كانت هذه المسؤولية هي الجزء الذي نستطيع أن نفعله فعلا.

لقد تغيرت صورة الإنسان أيضا، فأصبح الإنسان، في جانب كبير من الحياة المعاصرة، يعرف نفسه من خلال ما ينتجه وما يملكه وما يحققه. صار النجاح عنوانا بارزا للوجود، وأصبح السؤال عن قيمة الإنسان كثيرا ما يمر عبر مكانته الاجتماعية ودخله ومهنته ومقدار ما يملك من فرص وتأثير.

وفي ظل هذا التصور تضيق المساحة المخصصة للأسئلة التي لا تقدم عائدا مباشرا مثل: ما الحياة التي تستحق أن تعاش؟ ما معنى النجاح؟ هل كل ما نستطيع فعله ينبغي أن نفعله؟ ما الذي يجعل الإنسان إنسانا؟ ما السعادة؟ وما الحرية؟ وما العدالة؟ وما الذي يمنح الوجود الإنساني قيمته؟

هذه ليست أسئلة زائدة عن الحاجة، بل هي الأسئلة التي تظهر عادة عندما يكتشف الإنسان أن امتلاك الوسائل لا يجيب عن سؤال الغاية.

ومن هنا تبدو الفلسفة، في جوهرها، دفاعا عن الإنسان في مواجهة اختزاله. فحين يتحول الإنسان إلى وظيفة، تذكره الفلسفة بأنه أكثر من وظيفته. وحين يتحول إلى مستهلك، تذكره بأنه أكثر من حاجاته. وحين يصبح رقما في نظام اقتصادي أو سياسي، تعيده إلى فردانيته وكرامته وحريته ومسؤوليته. وحين يصبح نجاحه مقياسا لقيمته، تسأله عن معنى النجاح نفسه.

لكن ثمة تحولا آخر جعل حضور الفلسفة أكثر صعوبة، فنحن نعيش في زمن فائض من الإجابات. في الأزمنة السابقة كان الإنسان يواجه مشكلة نقص المعرفة، أما الإنسان المعاصر فيواجه مشكلة أخرى، وهي كثرة المعرفة وكثرة الآراء وكثرة التفسيرات. كل شيء تقريبا أصبح قابلا لأن يجد له جوابا فوريا. سؤال في محرك بحث، مقطع قصير، منشور، رأي خبير، تعليق عابر، وخوارزمية تقترح عليك ما ينبغي أن تعرفه وما ينبغي أن تشاهده. لقد أصبحنا نعيش في عالم يجيب بسرعة شديدة، حتى كاد لا يترك للإنسان وقتا كافيا ليتأمل السؤال.

وهنا تكمن مفارقة شديدة الدلالة: ربما لم يعد الإنسان المعاصر يعاني من غياب الإجابة، وإنما من غياب القدرة على التمييز بين الإجابات، وهذا يعيد الفلسفة إلى وظيفتها الأساسية. فالفلسفة لا تكتفي بأن تسأل عن الجواب، وإنما تسأل عن شروطه، وعن مقدماته، وعن منطقه، وعن قيمته، وعن النتائج التي تترتب عليه. وهي لا تمنح العقل مجرد معلومات، وإنما تدربه على النظر.

ولذلك فإن مجتمع الوفرة المعلوماتية- الراهن - يحتاج إلى الفلسفة بقدر، وربما أكثر، من مجتمع ندرة المعلومات. فكلما كثرت الأصوات، ازدادت الحاجة إلى عقل يستطيع أن يميز بين الحجة والادعاء، وبين المعرفة والوهم، وبين الرأي والدليل، وبين الحقيقة وما يبدو كذلك.

ومع ذلك، لا يمكن أن نطالب المجتمع بأن يستعيد حاجته إلى الفلسفة بينما تبقى الفلسفة نفسها بعيدة عن كثير من الأسئلة التي تشغل المجتمع. وهنا تبدأ مسؤولية الفلسفة عن استعادة فاعليتها.

لقد أصبحت الفلسفة مطالبة بأن تسأل عن موقعها كما تسأل عن موقع الإنسان والعالم. هل نجح الخطاب الفلسفي العربي المعاصر في الاقتراب من الإنسان؟ هل خرجت الفلسفة بما يكفي من أسوار التخصص الأكاديمي؟ وهل استطاع المشتغلون بها أن يقدموا للناس خبرتها بوصفها تفكيرا في الحياة، أم ظلت في كثير من الأحيان أسيرة للمصطلح والتاريخ والتخصص الضيق؟

لقد تكونت في بعض البيئات صورة عن الفلسفة باعتبارها معرفة صعبة، بعيدة، شديدة التجريد، لا يتصل خطابها بما يعيشه الإنسان كل يوم. وقد ساهم بعض الخطاب الفلسفي نفسه، من حيث لا يقصد، في تكريس هذه الصورة حين جعل من لغة الفلسفة غاية بدلا من أن تكون وسيلة.

وليس المطلوب تبسيط الفلسفة حتى تفقد عمقها، وإنما المطلوب أن تستعيد قدرتها على الوصول. فعمق الفكرة لا يعني غموضها، والرصانة لا تعني الانغلاق، والتخصص لا يعني الانفصال عن الحياة. فالفلسفة التي لا تسكن شيئا من أسئلة الإنسان اليومية تتحول إلى معرفة عن الفلسفة، لا إلى فلسفة.

ومن هنا يصبح إصلاح مناهج الفلسفة وتطوير برامجها وربطها بقضايا العلم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسوق العمل أمرا ضروريا، لكنه لا يكفي وحده. فالفلسفة التي تعيد بناء مناهجها من الداخل، ثم تبقى بعيدة عن المجتمع من الخارج، تكون قد قطعت نصف الطريق فقط.

لقد أصبح من الضروري أن تنتقل الفلسفة من الدفاع عن وجودها إلى صناعة فاعليتها. أن تقدم التفكير النقدي بوصفه مهارة حية، وأن تدخل في حوار حقيقي مع العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والإعلام والتعليم والفنون، وأن تشتبك مع الأسئلة الجديدة التي أنتجها عصرنا، لا أن تكتفي بإعادة عرض الأسئلة التي أنتجتها عصور سابقة.

ومن هنا تبرز أهمية إعادة النظر في علاقة الفلسفة بسوق العمل، لا بمعنى اختزال الفلسفة في منفعتها الاقتصادية، وإنما بمعنى اكتشاف القدرات التي تنميها لدى الإنسان من: التفكير النقدي، والقدرة على تحليل المشكلات، والحوار، وبناء الحجة، واتخاذ القرار، والمرونة الفكرية، والقدرة على مراجعة المواقف في ضوء الأدلة.

فالجامعة التي تطور مناهج الفلسفة، وتربطها بالعلوم والتكنولوجيا، وتفتح المجال أمام تطبيقاتها الجديدة، لا تتخلى عن الفلسفة، وإنما تبحث عن صورتها الممكنة في عالم تغيرت فيه طبيعة العمل والمعرفة.

لكن حتى هذه الخطوة، على أهميتها، لا تجيب وحدها عن السؤال الذي يفرض نفسه الآن" ماذا عن المجتمع؟".

هل يمكن للفلسفة أن تطور مناهجها، وتعيد صياغة برامجها، وتربط نفسها بالعلم والتكنولوجيا وسوق العمل، ثم تظل علاقتها بالمجتمع محدودة؟ وهل يكفي أن تستعيد الفلسفة فاعليتها داخل الجامعة لكي تستعيد حضورها في الوعي العام؟

إن الفاعلية التي تبحث عنها الفلسفة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود المؤسسة الأكاديمية؛ لأن الفلسفة، بحكم طبيعتها، لا تتعامل مع موضوعات معزولة عن الحياة، وإنما تنشغل بالإنسان وقيمه وأسئلته ومشكلاته. ومن ثم فإن إعادة بناء علاقتها بالمجتمع ليست ترفا إضافيا، وإنما امتداد طبيعي لإعادة بناء فاعليتها.

وهنا ينبغي أن نميز بين الظهور والحضور. فليس المطلوب أن يتحول كل أستاذ فلسفة إلى شخصية إعلامية، ولا أن يقاس أثره بعدد المتابعين أو المشاركات على وسائل التواصل الاجتماعي. فقد يكثر الظهور ويقل الأثر، وقد يكون الحضور الحقيقي هادئا، لكنه يغير طريقة الناس في النظر إلى قضية أو فهم مشكلة أو مساءلة فكرة.

القضية إذن ليست أن يصبح الفيلسوف مشهورا، وإنما أن تصبح الفلسفة حاضرة في المجال الذي تتشكل فيه أسئلة الناس ووعيهم واختياراتهم.

والحضور الحقيقي لا يقاس بعدد المتابعين أو كثرة المشاركات، وإنما بقدرة الفكرة على أن تدخل في وعي الناس، وأن تغير طريقة فهمهم لمشكلة، وأن تمنحهم أدوات للنظر والحوار والمراجعة.

وهنا يمكن أن نستعيد صورة سقراط، لا بوصفها نموذجا ينبغي نسخه حرفيا، وإنما بوصفها تذكيرا بأن الفلسفة نشأت، في جانب أساسي من تاريخها، من الحوار مع الإنسان في المجال العام. لم تكن الفلسفة مجرد نصوص مغلقة، بل كانت سؤالا يوقظ سؤالا، وحوارا يكشف المسلمات، وممارسة تجعل الإنسان يعيد النظر في ما ظنه بديهيا.

ولا يعني ذلك أن نضع الأستاذ الجامعي في مواجهة المجتمع أو نحمله وحده مسؤولية مشكلاته. فالفلسفة ليست بديلا عن العلم أو السياسة أو الاقتصاد أو الإعلام، كما أن أزمات المجتمع أكبر من أن تختزل في غياب الفلاسفة. لكن للفلسفة وظيفة لا يستطيع غيرها أن يؤديها بالطريقة نفسها، ألا وهي: مساءلة المفاهيم التي تقوم عليها حياتنا، وفحص القيم التي توجه اختياراتنا، وكشف الافتراضات التي تختبئ خلف كثير من المواقف التي تبدو بديهية.

ومن هنا فإن إعادة بناء علاقة الفلسفة بالمجتمع لا تعني النزول بالفلسفة إلى مستوى الخطاب السطحي، وإنما الارتقاء بالمجتمع إلى مستوى السؤال الفلسفي.

أن نتحدث عن الحرية بلغة يفهمها الإنسان، وأن نناقش العدالة في ضوء مشكلاته الواقعية، وأن نطرح سؤال الهوية في زمن العولمة والتكنولوجيا، وأن نسأل عن الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي، وعن المسؤولية الأخلاقية في عالم تتسارع فيه القدرة على الفعل، وعن معنى الحقيقة في عصر الأخبار الزائفة، وعن السعادة في مجتمع يزداد فيه الاستهلاك ولا يزداد بالضرورة فيه الرضا. وهذه ليست موضوعات ترف فكري، وإنما هي صميم الوجود الإنساني المعاصر.

وهنا تلتقي مسؤولية المجتمع مع مسؤولية الفلسفة. فالمجتمع يحتاج إلى الفلسفة حتى لا تتحول الإجابات الجاهزة إلى حقائق نهائية، والفلسفة تحتاج إلى المجتمع حتى لا تتحول أسئلتها إلى تمرين أكاديمي منفصل عن الحياة.

إن الفلسفة التي تنغلق داخل الجامعة تخاطر بأن تصبح معرفة عن الفلسفة، والفلسفة التي تذوب تماما في الإعلام والمجال العام تخاطر بأن تفقد صرامتها النقدية. وبين الانغلاق والذوبان توجد منطقة ثالثة هي التي ينبغي أن نبحث عنها، فلسفة رصينة تعرف كيف تصل، وحاضرة تعرف كيف تحافظ على استقلالها النقدي.

ومن هنا فإن استعادة الفلسفة إلى الوعي العربي لا تعني أن نجعل الناس جميعا قراء للفلسفة الأكاديمية، وإنما أن نعيد إلى الحياة شيئا من الروح التي قامت عليها الفلسفة، كالتمهل، والفحص، والنقد، والحوار، والقدرة على مراجعة الذات، والبحث عن المعنى.

وليس المطلوب أن نعيد إنتاج فلسفات الماضي، وإنما أن نعيد إنتاج القدرة على التفلسف في مواجهة أسئلة الحاضر.

فكما سأل الفلاسفة عن العدالة والفضيلة والحقيقة، نحن مطالبون اليوم بأن نسأل عن معنى الإنسان في عصر التقنية، وعن الحرية في زمن الخوارزميات، وعن قيمة المعرفة في زمن الذكاء الاصطناعي، وعن العدالة في عالم تتسع فيه الفوارق، وعن السعادة في مجتمع يزداد فيه الاستهلاك ولا يزداد بالضرورة فيه الرضا، وعن الهوية في عالم تتقاطع فيه الثقافات بصورة غير مسبوقة. فهذه ليست أسئلة مستوردة من تاريخ الفلسفة، بل أسئلة وجودنا الراهن.

وعند هذه النقطة يتضح أن أزمة الفلسفة ليست أزمة غياب واحد، وإنما أزمة متعددة المستويات. فقد تراجعت حاجتها في وعي اجتماعي أصبح يميل إلى المعرفة النافعة والسريعة، وواجهت في بعض السياقات سلطة لا ترحب دائما بالسؤال النقدي حين يمس مسلماتها، وانكفأ جزء من الخطاب الفلسفي إلى التخصص الأكاديمي بما أبعده عن لغة الحياة، ثم جاءت الثقافة الرقمية لتفرض إيقاعا سريعا لا تنسجم معه طبيعة التفكير الفلسفي بسهولة. لكن هذه العوامل لا ينبغي أن تقودنا إلى الشكوى بقدر ما ينبغي أن تقودنا إلى إعادة البناء.

فإذا كانت الفلسفة قد فقدت بعض حضورها، فإن استعادته لن تكون بمجرد الدفاع عن ضرورتها. وإذا كانت قد ابتعدت عن المجتمع، فلن يكفي أن نلوم المجتمع على ابتعاده عنها. وإذا كانت مناهجها تحتاج إلى تطوير، فإن تطوير المناهج ينبغي أن يكون جزءا من مشروع أوسع يعيد تعريف وظيفة الفلسفة في الحياة.

إن السؤال الحقيقي لم يعد"هل الفلسفة ضرورية؟"، فهذا سؤال تجاوزته الفلسفة منذ زمن طويل. وإنما السؤال الأهم هو "كيف تجعل الفلسفة ضرورتها محسوسة في حياة الإنسان؟".

وهنا تنتقل الفلسفة من الدفاع عن وجودها إلى صناعة فاعليتها، ومن صناعة فاعليتها إلى استعادة حضورها، ومن استعادة حضورها إلى إعادة بناء علاقتها بالإنسان والمجتمع.

فالفلسفة لا تحتاج إلى أن تستعيد مكانتها في رفوف المكتبات بقدر ما تحتاج إلى أن تستعيد مكانتها في عقل الإنسان.

وحين تصبح الفلسفة قادرة على أن تدخل إلى المدرسة والجامعة والمختبر ومكان العمل والفضاء الثقافي والإعلامي، وأن تحاور العلم والتكنولوجيا والاقتصاد والفن، وأن تقترب من الإنسان في أسئلته اليومية دون أن تفقد عمقها واستقلالها، فإنها لن تكون مجرد تخصص أكاديمي يدافع عن حقه في البقاء، بل ستصبح قوة معرفية وأخلاقية قادرة على المشاركة في تشكيل الوعي.

ولعل مستقبل الفلسفة في عالمنا العربي لا يتوقف في النهاية على عدد من يدرسونها، وإنما على قدرتها على أن تجعل الإنسان يشعر بأن السؤال الفلسفي ليس ترفا، وأن التفكير ليس عائقا أمام الحياة، وأن النقد ليس خصومة، وأن الاختلاف ليس تهديدا، وأن المعرفة لا تكتمل بمجرد امتلاك الإجابة.

فحين يستعيد الإنسان حقه في السؤال، تستعيد الفلسفة حقها في الحضور. وحين تخرج الفلسفة من عزلتها دون أن تفقد استقلالها، وتعيد بناء مناهجها دون أن تختزل نفسها في المنفعة، وتنفتح على المجتمع دون أن تتحول إلى خطاب دعائي، فإنها لا تستعيد مكانتها فحسب، وإنما تستعيد وظيفتها.

وربما يكون هذا هو التحدي الحقيقي أمام الفلسفة اليوم، ألا تبحث فقط عن مكان لها داخل المجتمع، بل أن تجعل المجتمع نفسه يكتشف لماذا يحتاج إليها.

فالفلسفة، في النهاية، لا تعيش في الكتب وحدها، ولا في قاعات الدرس وحدها؛ إنها تعيش حيث يوجد إنسان يرفض أن يكتفي بما قيل له، ويسأل عما ينبغي أن يكون، ويمتلك شجاعة النظر إلى أفكاره ومعتقداته وممارساته بعين نقدية.

وعندما يستعيد الإنسان قدرته على أن يرى، ويسأل، ويحاور، ويميز، ويراجع ما ظنه يوما بديهيا، تكون الفلسفة قد استعادت حضورها الحقيقي؛ لا بوصفها علما من علوم الجامعة فحسب، وإنما بوصفها إحدى صور الوعي الإنساني ذاته.

***

بقلم: أ.د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

في المثقف اليوم