رُبَما يَسْري وهمٌ إلينا أنّ التسابق المحموم إلى حيازة أكبر قدر ممكن من التصوّرات الصائبة كافٍ لحجزِ مكانةٍ لائقة في خانة الوعي ومَصافّ ذوي الوعي المتقدّم، ورغم أنّ ذلك قد يبدو للوهلة الأولى مُستساغا منطقيًا ومعقولا رياضيا، إلا أنه عند تفحّصه نجد أنه قد يكون مدمّرا، وليس قاصرا فحسب.
لن أتحدث عن أهمية استحضار مبدأ النسبية لدى تبنّي أي مفهوم مهما بدا رصينا متينا، بحيث نحافظ على درجة معقولة من هامش احتمال الخطأ؛ لتشييد أرضية صُلبة من الاستعداد للتغيير والتعديل، إذْ إنّ اعتبار النسبية قد تناولتُه في مناسبات عدة، ولا أملّ؛ لأهميته، ولكني أتحدث هنا عن ضابط آخر في غاية الخفاء والتمويه، ولكن قبل ذلك، لا بأس أن أؤسِّس لِمنطلَق نتفق عليه سويّةً يكون بمثابة بوابة لهذا الضابط الخفي.
إذا تَمَثّلْنا وعينا الذاتي فضاءً مفتوحًا من المفاهيم والتصوّرات الصائبة - في وجهة نظرنا - فلا بدّ أن نعي أن هذا الفضاء ليس ساحةً تتناثر فيه مفاهيمُنا وقناعاتنا التي تشكّل وعينا، في ثكناتٍ منعزلة ومستقلة عن بعضها البعض، كلا، بل هذا الفضاء ما هو إلا نسيج تربط بين مكوّناته - من التصوّرات والرؤى الخاصة بنا - وشائجُ متأصّلة الصلة ببعضها البعض.
ولعلي أقرّب ذلك بمثال لتتضّح الصورة التي أود أن أعْبُرَ بها من مُعتَمَلِ إدراكي إلى ساحة تفكيركم، فالصِلات الرابطة بين قناعات وعينا مهما بَدَت غير ذات صِلة ظاهرًا، ومترامية في شتّى زوايا وعينا، فهي كأجسام حديدية مُمَغْنَطة تسبح في حقل كهرومغناطيسي يربط فيما بينها وإنْ كان الرابط غير مرئي، وبما أنّ وجود الصِلة بالضرورة يستلزم وجود التأثير، فتحرُّك أي جسم حديدي مُمَغْنَط منها في هذا النسيج من القوى من شأنه أنْ يلقي بظلاله على البقية، وإنْ بتفاوت، ولكن ما الذي يعنيه هذا حينما نُسْقِطُه على نسيج الوعي؟
إنَّ تَبَنّي مفهومٍ ما يجب أن يتم بمقتضى هذا الفهم، وباستدعاءٍ جادّ لهذا الضابط، وهو أنّ التبنّي ينبغي ألا يكون بمعزل عن بقية المفاهيم الموجودة سَلَفًا، بل بما يتساوَق ويتماشى معها، بلا مغالاةٍ تجعل التقصير في الاعتناء بشبكة المفاهيم المتبنّاة ضريبةً يتحمّلها المرءُ، ويحسب ذلك التبنّي المسعور وعيا، وما هو من الوعي في شيء، على أني حين أتحدث عن التوافق مع شبكة المفاهيم فلا أعني عدم المساس بمفاهيمنا القديمة، فليس عن معيار التقدم الزمني أتحدث، فأكثر أزماتنا كامنٌ في مفاهيمنا البالية، بل عن مفاهيمنا الحالية التي ارتضيناها لأنفسنا، وارتأَيْنا صوابَها، وهي بالكليّة تمثّل شبكة وعينا، وعينا الحالي.
إنّ لكل مفهوم نتبنّاه تأثيرٌ متتابِع (Ripple Effect) وتداعيات متلاحقة على علاقتنا ببقية مفاهيمنا المُتَمَوْضِعة في حقول معرفية أخرى، يجب أن تُؤخذ في الاعتبار، وأنّ الاحتفاء المبالَغ فيه - خصوصا في البدايات - بمفهومٍ ما أو بضعة مفاهيم من شأنه أن يعطّل ما جنيناه من نتائج رائعة وحصدناه من تطور طال جوانب عدة في حياتنا، جَرّاءَ الوعي الذي أَكْسَبَتْنا إياه مفاهيمنا الموجودة سَلَفًا حتى تلك التي تمسّ قطاعاتٍ أخرى، وإذا كان ذلك كذلك فالمخاطرة الجذرية تكمُن في أنّ إغفال هذه الصلة، لا يقتصر ضرره على مفهوم آخر أو منطقة وعي أخرى فحسب، بل على شبكة المفاهيم بأسرها وإنْ على تفاوت في التأثير، وتراخٍ في الزمن؛ لأن الوعي شبكة، وعملية الوعي شبكية، وما يحصل في طرف الشبكة يصل إلى طرفها الآخر.
وحتى لا يبدو الطرح تنظيريًا جافًا، دعوني أستدعي أمثلةً حيّة أوضّح ما أعنيه واقعا، فَلْتتخيّل أنك للتوّ تبنَّيتَ مفهومًا يقضي بضرورة تحديد أولويّات المرحلة، فتعمَدُ؛ تَبَعًا لذلك إلى قطع بعض الإجراءات المرتبطة بمفهوم حاليٍ صحيح كذلك، رأسًا، بدون تدريج ولا مراعاة؛ لأنها ليست داخلة ضمن مفهومك الفَتِيّ (أولويّات المرحلة) وهذا الارتماءُ الفَجّ في تبنّي هذا المفهوم - الذي في أصله صحيحٌ - سيجرّ عليك تبعات سلبية، قد تكون على المَدَيَيْن المتوسط والبعيد إنْ لم يكن القريب.
ومثالٌ آخر، المغالاة في تبنّي مفهومٍ يقع في منطقة العلاقات، رغم أنه صحيحٌ جدا - لو جاز لي هذا التعبير - إلا أنّ الانحيازَ إليه بالكليّة، من المحتمَل أن يَتْبَعَه انزياحٌ سافِرٌ لإِعْمال مفهوم في الوعي المالي مثلا، وهذا الانزياح الأخير بدوره ستصيبُ لوثتُه مفهومًا في منطقة الوعي النفسي تاليًا مثلا، وهكذا دواليك، في مناطق وعي مختلفة، في تتابعات قد لا يُنتَبَه إليها إلا متأخرا، وربما في مرحلة يصعب معها فكّ العُقَد إلا بالبتر!
وهذا يدفعُنا بشدّة لحظةَ تبنّي مفهوم ما، إلى الانتباه جيدا إلى التداعيات المحتمَلة على العناصر الأخرى من شبكة وعينا في مختلف الجوانب، وضرورة دَوْزَنَة علاقتنا بهذا المفهوم وضبطه وفقًا لذلك، وعليه؛ فلا يغدو حينئذٍ مؤشّرُ وعينا مرهونا فقط بمقدار ما ننطوي عليه من تصوّرات متينة، بل كذلك بمدى حضور هذا الضابط الذي يراعي نسقها الكلّي، فهذه المراعاة الواعية هي التي تتيح لكل مفهوم من شبكة مفاهيمنا الفرصةَ العادلة لكي نَمْتَحَ من مَعينها الرقراق، والدفع بذلك إلى أقصى حدود الممكن، وهذا يجعلني أتجرأ بالزعم أنّ الوعي الحقيقي بمفهوم ما لا يكون بدرجة تبنّيك إياه، وإنما بدرجة اتّساق تبنّيه مع تبنّيك بقيةَ مفاهيمك، وأنّ شبكةً متّسقةً من الوعي المتواضع خيرٌ ألف مرة من شبكة وعي متقدمة مشوّهة بِمَيْلٍ غير مسؤول تجاه بضعة مفاهيم فيها، فقوائم مخلوق متساوية في القصر أجملُ بحاله وأبلغ في فاعليته من مَسْخٍ ذي قوائم قصيرة مع قائمة طويلة للغاية.
بات جليًا الآن أنّ الوعي شبكة من المفاهيم، ولِزامًا علينا أن نقف على مسافة واحدة من جميع مفاهيمنا في هذه الشبكة المتصلة - مهما بَدَتْ استقلاليةُ بعض مفاهيمها - بما يضمن الاتّساق العام بينها، والذي يخدم عملية الوعي في صورتها الشمولية، ليكون الضابط الفيصلي عندئذٍ في تَبَنِّي أيّ مفهوم هو مراعاة النسَق العام لمجموعة مفاهيمنا، وإلا فإن لعنة الوعي الشبكي ستظلّ تطاردُ كل تَبَنٍّ متطرّف لمفهوم ما أو زُمْرَةٍ منها دونًا عن البقية، إلى أنْ يُعاد التوازُن، وتعود الأمور إلى نصابها المعتدل، إنها لعنة الجماعة، حتى في الوعي يا صاح!.
***
محمد سيف - عُمان








