عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

مجدي إبراهيم: أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة (7)

(مُقاربة فلسفيّة جديدة لمنهجيّة القراءة على القراءة)

- التحقق الوجودي: توقفنا في اللقاء السابق عند معنى "التحقق الوجودي"، إذْ قلنا إنّ مصطلح "التحقق الوجودي"Existential Realization يأتي فى سياق الفلسفة العرفانيّة، قصداً بمعنى انتقال المعرفة من كونها فكرةً يدركها العقل إلى اعتبارها حقيقةٍ وجوديّة يعيشها الإنسان في وجوده ووعيه، بحيث تتحوّل المعرفة من التجريد النظري إلى تحقّقٍ وكشفٍ وتجربةٍ وجوديّة عامرة بالحياة، غزيرة بالمعاني والدلالات.

أي أن العارف إذ ذاك لا يكتفي بأن يعرف الحقيقة، بل يتحقق بها وجوداً وذوقاً وكشفاً وشهوداً، يُعايشها من الداخل كما تُعاش الحياة وتُذاق. ولم يكن مصطلح التحقق الوجودي بمعزل عن تلك المقاربة الفلسفية لمنهجيّة القراءة على القراءة.

ولم نكن نقصد بالمصطلح استعمالاً فلسفياً غامضاً بعيداً عن فحوى التجريب الذي قصدناه، وهو أن المعرفة التي ولّدها العقل ينبغي أن تختبر قدرتها على إعادة تشكيل صاحبها.

فإذا ولّدت القراءة معرفة جديدة، ثم ولّدت المعرفة الجديدة رؤية جديدة للإنسان والعالم والله، فلا يكفي أن أقول: " حقاً ! لقد وصلت إلى مفهوم جديد"، بل السؤال التالي هو: ماذا فعل هذا المعنى بي؟ هل غيّر طريقة تفكيري؟ هل غيّر رؤيتي؟ هل غيّر علاقتي بنفسي؟ هل غيّر علاقتي بالآخر؟ هل أعاد ترتيب القيم في داخلي؟ هل انتقل من كونه فكرة أمتلكها إلى كونه معنى أعيش به؟

إذ ذاك تبدأ المعرفة المقصودة عندنا في الخروج من مجال الامتلاك المعرفي إلى مجال التحقق الوجودي. وهنا بالضبط يظهر الفرق بين الحكمة والعرفان، حتى إذا وصلت المعرفة المولّدة إلى مستوى من إعادة ترتيب رؤية الإنسان للوجود، فإنها تقترب من الحكمة. لكن الحكمة، حتى في أرقى صورها، يمكن أن تظل رؤية للوجود، والرؤية غير التجربة.

أمّا العرفان - في التصور الذي يناسبنا هنا في هذا السياق المعرفي - فهو أبعد من مجرد امتلاك رؤية صحيحة أو عميقة؛ إنه تحوّل في علاقة الإنسان بالمعنى الذي عرفه.

فقد سبقت الإشارة إلى لب هذا الموضوع في إيجاز تقرّر عندنا من حيث إن التراكم يصنع مادة المعرفة، والقراءة تصنع الفهم، والقراءة على القراءة تصنع العلاقة بين المعارف، ومن هذه العلاقة يتولّد فائض معرفي، ثم تنشأ المعرفة الثالثة، ويتحوّل التوليد إلى قدرة معرفيّة، ثم تبدأ المعرفة المولدة في اختبار نفسها في الوجود، فإذا تحولت المعرفة إلى رؤية، اقتربنا من الحكمة، وإذا تحولت الرؤية إلى تحقق وتجربة، انفتح المجال على العرفان.

وإذا شئنا إعادة بناء الهرم المعرفي كله بالتركيز على البناء المفهومي في أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة، ينبغي أن تكون المصطلحات المركزية الممّاسة لها هكذا:

التراكم يقود إلى الفهم، والفهم يُعمل في منهجيّة القراءة على القراءة، ومنهجيّة القراءة على القراءة تقود إلى فائض المعرفة، وفائض المعرفة يؤدي الى المعرفة الثالثة، والمعرفة الثالثة تسفر عن التوليد، والتوليد يتصل بالتحقق الوجودي، والتحقق الوجودي يثمر الحكمة، والحكمة تثمر العرفان. وبعبارة أخرى يمكن القول:

لا يقوم نظام المعرفة التوليديّة على الانتقال الآلي من مرحلة إلى أخرى، وإنما على تحول تدريجي في طبيعة الفعل المعرفي. يبدأ هذا الفعل من تراكم المعرفة، ثم يتجاوز التراكم إلى القراءة، ومن القراءة إلى منهجيّة القراءة على القراءة، حيث تدخل المعارف في علاقات جديدة ينتج عنها فائض معرفي يتجاوز ما كان موجوداً في مصادره الأولى.

ومن هذا الفائض تتشكل "المعرفة الثالثة"، ثم تتحوّل القدرة على إنتاج هذه المعرفة إلى معرفة مولّدة.

غير أن التوليد المعرفي لا يبلغ غايته بمجرد إنتاج معنى جديد؛ إذ ينبغي أن يدخل هذا المعنى في امتحان وجودي، بحيث لا يظل فكرة مضافة إلى رصيد الإنسان، بل يتحول إلى رؤية تعيد تشكيل وعيه ووجوده.

وعند هذه النقطة تنتقل المعرفة من مجرد الإنتاج إلى الحكمة، ومن الحكمة، حين تصبح معرفةً متحققةً في الوجود، ينفتح أفقها على العرفان. وبانفتاح الأفق على العرفان بتحقق السلام الداخلي والطمأنينة القلبية، وتصبح المعرفة إذ ذاك حياة معاشة بالفعل لا مجرد نظرية يسوقها العقل بترديد المقال تلو المقال.

وهنالك أيضاً يظهر بوضوح أن "التحقق الوجودي" ليس مرحلة إضافيّة اعتباطية، بل هو الحلقة التي تمنع مفهوم أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة أن يتحول إلى مجرد نظريّة في توليد المعلومات والمعاني.

بل هو الذي يحفظ لنا فكرتنا المركزية: أن فائض المعرفة لا تكون قيمته الحقيقية في أنه أضاف شيئاً إلى ما نعرف، وإنّما في أنه أحدث شيئاً فيمن يُعرف.

وهذه العبارة الأخيرة، يمكن أن تكون مفتاحاً مركزيّاً في نظريّة "أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة". نعم يمكن للإنسان أن يكون شديد الذكاء، كثير الإنتاج المعرفي، ولا يكون عارفاً على التحقيق. فالجدة ليست معيار العرفان. المعيار هو: ماذا صنعت المعرفة المولدة بالعارف؟

إذا هي جعلته أكثر قدرة على إدراك المعنى، وأكثر وعياً بحدود نفسه، وأكثر اتصالاً بالحقيقة، وأكثر تحققاً بالقيم التي تكشفها آفاق المعرفة؛ انتقلت المعرفة من المجال الأبستمولوجي إلى المجال العرفاني. وهنا يصبح "سر النبوغ" الذي تحدثنا عنه فيما سبق أكثر عمقاً وأشمل وعياً، وذاك حين قلنا إن التوليد يعدّ سر الإبداع وسر النبوغ الأدبي بإطلاق.

ويمكننا توْسعة الفكرة بنحو آخر، فالنابغ ليس بالضرورة من يملك أكبر قدر من المعلومات، وإنما من يمتلك قدرة استثنائية على توليد العلاقات والمعاني الجديدة من المعارف الموجودة. وهذا يفسر لنا طبيعة الإبداع الأدبي والفلسفي والعلمي.

لكن العارف يضيف شيئاً آخر: ليس فقط أنه يولد علاقة جديدة بين المعاني، بل يستطيع أن يكشف من العلاقات القائمة في الوجود معنى لم يكن ظاهراً له من قبل، فالنبوغ قدرة على توليد المعنى، والحكمة قدرة على تمييز المعنى، والعرفان قدرة على التحقق بالمعنى، بشرط أن تكون "القيمة" النهائيّة للمعرفة هي التغيير لا الزيادة. وهنا يعود مفهوم «فائض المعرفة» إلى جذره الأول. إذْ يمكن أن يكون السؤال في الاقتصاد هو: كيف ينتج رأس المال فائض القيمة؟

وفي المعرفة، السؤال هو: كيف تنتج المعرفة فائض المعرفة؟

أمّا في العرفان، فالسؤال الأشد عمقاً هو كيف تتحول الزيادة المعرفيّة إلى زيادة في الإنسانيّة أو إن شئت قلت: زيادة في فائض الإنسان؟ بمعنى أن المعرفة لا تكون قد أدت وظيفتها القصوى عندما يصبح لدينا "شيء جديد نعرفه"، وإنما عندما يصبح لدينا إنسان جديد في قدرته على الفهم والتذوق والعمل والتحقق. ويلاحظ أن المسار يصبح بالتدريج: من فائض القيمة إلى فائض المعرفة، ومن فائض المعرفة إلى فائض المعنى، ومن فائض المعنى إلى فائض الإنسان. وإذ ذاك تكون للمعرفة التوليدية غايتها الإنسانية والعرفانية، هذه الغاية تمنعها من أن تتحول إلى مجرد نظريّة تقنية في إنتاج الأفكار.

وإذا كنّا نؤمن بالقيم العرفانية، فلن يجيء العرفان مجردأ من موضوعات المعرفة التوليدية، ولكنه يصبح معياراً نقدياً لها، يقيم كل معرفة ناشئة ومولدة، ويسأل: هل زادت بصيرة الإنسان أم زاد غروره؟ هل كشفت له حدود ذاته أم ضخمت وهم امتلاكه للحقيقة؟ هل قربته من المعنى أم أغرقته في المعلومات والتقنيات؟ هل أنتجت حكمة أم مجرد جدة؟ هل جعلته أكثر قدرة على قراءة آيات الله في الكتاب والكون والنفس؟

بمثل هذه الأسئلة التي تغوص في عمق الإنسان تصبح النظرية ذات بعد قيمي لا أبستمولوجي فقط. وعند هذه النقطة تحديداً يمكن أن نقول ليست كل معرفة مولدة معرفةً عرفانيّة؛ فالمعرفة لا تبلغ أفق العرفان بمجرد أن تكون جديدة، وإنما تبلغ ذلك حين تتحول الجدة المعرفيّة إلى كشف دلالي، وحين يتحول الكشف الدلالي إلى حكمة، وحين تتحول الحكمة إلى تحقق إنساني.

- فرق بين الحكمة والعرفان:

يختلف مفهوم الحكمة بالمعنى الفلسفي عن مفهوم العرفان بالمعنى الصوفي، ولا سيما إذا كنا نبني فكرتنا داخل أفق العرفان الصوفي لا داخل أفق فلسفة الحكمة. لكن عذرنا إننا استخدمنا الحكمة استعمالاً عاماً باعتبارها مرحلة وسطى بين المعرفة والعرفان، مع أن الحكمة والعرفان ليسا درجتين متتاليتين بالضرورة، ولا ينتميان إلى الحقل الاصطلاحي نفسه. والأدق والأصوب أن نفصل بينهما تماماً. الحكمة، في السياق الفلسفي، تتصل بتحصيل النظر الصحيح في الوجود ومبادئه وعلله، وبناء المعرفة على مقتضى العقل والبرهان، مع اختلاف مدلولها بين مدارس الفلسفة والفلاسفة.

أمّا العرفان في السياق الصوفي، فليس مجرد معرفة نظريّة صحيحة، ولا نتيجة لاستكمال البناء البرهاني؛ إنه نمط من المعرفة يتصل بـالكشف والذوق والحضور والتحقق، مع اختلاف الصياغات الصوفية في تفسير مصدره وشروطه ومراتبه.

ولذلك؛ لا يصح أن نضع المعرفة المولدة مقدمة للحكمة، والحكمة مقدمة للعرفان، وكأن الحكمة مرحلة ضرورية تفضي بالضرورة إلى العرفان. هذا إقحام فلسفي - مجرد وبعيد - في بنية نحن نريد أن نجعل غايتها عرفانيّة لا برهانية.

الأقوى عندنا هو أن نحذف الحكمة من هذا المسار كلية، ونبحث عن علاقة مباشرة بين التوليد المعرفي والمعرفة العرفانيّة. لكن هنا تظهر المسألة الأكثر تعقيداً: هل يمكن أن يكون "التوليد" نفسه جسراً إلى العرفان؟

وأظن أن الجواب يحتاج إلى تفريق دقيق من حيث إن التوليد الذي نتحدّث عنه يقع في فعل الإنسان المعرفي؛ بمعنى أن الإنسان يقرأ معرفة، ثم يعيد قراءتها، ثم يضعها في علاقة جديدة بمعرفة أخرى، فيتولد معنى لم يكن حاضراً له من قبل.

أمّا العرفان الصوفي؛ فلا يجوز أن نقول عنه ببساطة إنه حاصل العملية نفسها؛ لأن ذلك سيجعل الكشف العرفاني نتاجاً صناعيّاً للعقل النظري الاستدلالي. غير أن التوليد في الحقيقة لا يُنتج العرفان، وإنما يفتح في المعرفة الإنسانية مجالاً قابلاً للعبور إلى العرفان. وهذه مسافة فلسفية ضرورية جداً. فلو قلنا إنّ المعرفة الأولى بالإضافة إلى المعرفة الثانية تنتج معرفة عرفانية فقد اختزلنا العرفان إلى عملية تركيب معرفي ليس إلا، وهذا لا يقبله التصوف.

أما إذا نحن قلنا: المعرفة الأولى بالإضافة إلى القراءة عليها مع إعادة بناء العلاقة بينها وبين معرفة ثانية تنتج معرفة مولدة. ثم سألنا: ماذا تفعل هذه المعرفة المولدة في وعي الإنسان؟ فهنا يبدأ السؤال العرفاني؛ لأن المعرفة المولدة قد تكشف للإنسان قصور معرفته السابقة، أو تغيّر نظرته إلى نفسه، أو تعيد بناء علاقته بالنّص والوجود، لكنها لا تصبح بذلك عرفاناً بالضرورة. ويمكن أن نضع الحد الفاصل هنا، وهو أن التوليد فعل معرفي. والعرفان نمط من المعرفة. والأهم: التوليد من فعل العارف، أما العرفان فليس بالضرورة أن يجيء من فعل العارف وحده. وهذه النقطة بالذات يمكن أن تصبح من أقوى الأسس النظريّة للمعرفة التوليدية وعلاقتها بالعرفان الصوفي.

ولأننا بذلك لسنا نجعل العرفان مجرد "منتج" من منتجات أبستمولوجيا التوليد، وإنما نجعل أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة قادرة على تفسير كيف ينتقل الإنسان من الاشتغال على المعرفة إلى قابلية التحقق بمعرفة ذات طبيعة عرفانيّة، دون أن تدعي أنها تصنع الكشف. ومعنى أن يكون هنالك قابلية للتحقق من المعرفة العرفانيّة أن يكون هناك تجربة روحيّة وصوفية بالأساس.

وبذلك يصبح المسار المعرفي، أكثر نقاءً ووضوحاً حين نرتب المصطلحات المركزية كالآتي:

التراكم المعرفي ثم القراءة ثم منهجيّة القراءة على القراءة، ثم فائض المعرفة، ثم المعرفة الثالثة، ثم المعرفة المولّدة ثم انفتاح المعرفة على العرفان. وبالتالي يستبعد مسار التوليد فالحكمة فالعرفان، لأننا في هذه الحالة سوف ننتقل إلى عمل فلسفي برهاني لا إلى عمل ذوقي وجداني كما هو الحال في العرفان. بل يمكن أن يكون السؤال الفلسفي الكبير هنا أنه إذا كانت المعرفة المولدة تتجاوز المعارف التي أنتجتها، فهل يمكن أن يكون هذا التجاوز المعرفي مقدمةً لإمكان التجاوز العرفاني؟ هل بالإمكان تجاوز المرحلة العرفانيّة؟

هنا يصبح لدينا سؤال فلسفي حقيقي، لا مجرد ترتيب اصطلاحي.

وأظن أن "التجاوز" هو المفهوم الذي ينبغي أن نشتغل عليه الآن، لا "الحكمة". لأن مفهوم التوليد عندنا في جوهره هو تجاوز للمعرفة السابقة دون إلغائها، والعرفان في التصوف يتضمّن بدوره تجاوزاً لنمط من المعارف إلى نمط آخر من الحضور والكشف. لكن علينا أن نثبت بدقة: ما هو نوع التجاوز في كل منهما؟ وأين يتشابهان وأين يستحيل اختزال أحدهما في الآخر؟

هذه، في الحقيقة، هي العقدة الفلسفية الحقيقية التي يمكن أن تجعل مشروع "المعرفة التوليدية" يتجه إلى العرفان دون أن يفسد مفهوم العرفان بإدخاله قسراً في نموذج أبستمولوجي. مع علمنا مسبقاً أن المعرفة في الميدان الصوفي هي نفسها العرفان، ويطلق على أكثر المتصوفة العرفاء، أو العارفين، فليس من معنى عندنا إذا قصرنا القول على تكرار النقلة من المعرفة إلى العرفان، حتى كنا نفترض تمييزاً اصطلاحياً بين "المعرفة" و"العرفان" لا ينبغي افتراضه في السياق الصوفي الذي نتحدث فيه. والمعرفة بالله هى أعلى مراتب الوصول إلى الله، وهي إن صدقت فأكمل كرامات الإنسان.

في اصطلاح التصوف، المعرفة هي العرفان، والعارف هو صاحب المعرفة العرفانيّة؛ ولذلك فإن الحديث عن "انتقال المعرفة إلى العرفان"، يكرر الشيء نفسه باسمين، ويشوّش البناء النظري بدلاً من أن يطوّره.

المسألة إذن ليست المعرفة مثلاً تقود العرفان. وإنما المعرفة التوليديّة هل هى توليد المعرفة العرفانيّة؟ بمعنى هل يمكن أن يكون في العرفان توليد هو نفس ما يجرى في المعرفة النظريّة؟ أم أن المعرفة العرفانيّة نتيجة تجربة وتذوق وعطايا حال لا عطايا نظر أو استدلال؟! وهنا يصبح السؤال الحقيقي:

كيف يمكن لمنهج "القراءة على القراءة" أن ينتج معرفة جديدة داخل المجال الصوفي، بحيث تكون هذه المعرفة معرفة عرفانية؟

وهذا سؤال مختلف تماماً، حتى إذا أخذنا المفهوم الأساسي وهو: أن المعرفة الأولى إذا تمّ إعادة قراءتها في ضوء معرفة ثانية أنتجت معرفة ثالثة. فإننا نستطيع أن نسأل: ماذا يحدث عندما تكون المعارف الداخلة في عملية التوليد معارف صوفية عرفانية؟

في هذه الحالة لا نكون أمام انتقال من المعرفة إلى العرفان، وإنما أمام توليد داخل المعرفة العرفانيّة نفسها. وهذه نقطة بالغة الأهميّة؛ لأنها تسمح لنا بأن تقول: العرفان ليس نهاية المعرفة التوليدية، بل أحد ميادين فاعليتها العليا. ومن ثمَّ تصبح فكرة «المعرفة الثالثة» عندنا أكثر خصوبة. فنحن إذا كنا مثلاً نبحث مفهوم الخيال عند ابن عربي، ونبحث عند الغزالي مفهوم القلب، ثم أعدنا قراءة مفهوم الخيال في ضوء مفهوم القلب، لا نكون قد أضفنا معلومتين إلى بعضهما فحسب؛ بل نكون قد ولّدنا سؤالاً أو مفهوماً أو دلالة جديدة في فهم المعرفة الصوفية.

 تلك هي المعرفة الثالثة. وإذا كانت المعرفة الأولى والثانية من التراث العرفاني، فالمعرفة الثالثة الناتجة عن القراءة عليهما يمكن أن تكون معرفة عرفانيّة مولدة. ولكن التراث العرفاني نفسه ليس نهاية المعرفة، وإنما مادة قابلة للتوليد. وهذا يُحرّر التصوف من أن يكون مجرد موروث معرفي محفوظ، ويجعله قوة مولدة للمعرفة.

وهذه النقطة شديدة القوة لأننا لا نكرر أقوال العرفاء، بل نقرأ أقوال العرفاء على بعضها، ونقرأ التجارب العرفانيّة في ضوء بعضها، ونضع المفاهيم الصوفية في علاقات جديدة، لكي نستخرج منها معرفة عرفانية لم تكن مصوغة من قبل.

ويظهر من هذا، معنى فائض المعرفة بصورة مختلفة تماماً. فائض المعرفة ليس مجرد زيادة في عدد المعلومات حول التصوف، وإنما المعنى الجديد الذي يتولد من إعادة تشغيل المعرفة العرفانية الموجودة.

وبذلك؛ يمكن أن تصبح المعادلة المركزية الاصطلاحية في إطار فلسفة العرفان الصوفي:

التراكم العرفاني يقود إلى منهجيّة القراءة على القراءة، ومنهجيّة القراءة على القراءة تؤدي الى فائض المعرفة، وفائض المعرفة ينتهي إلى المعرفة الثالثة، والمعرفة الثالثة تسفر عن المعرفة العرفانيّة المُولدة.

- المعرفة: من أحكام العقل إلى أحوال الذات:

وإذا شئنا أن نعود إلى السؤال الفلسفي الأعمق: هل يمكن أن يكون العرفان نفسه معرفةً مولدة، لا مجرد معرفة موروثة؟ بمعنى: هل يستطيع العارف المعاصر أن يكون مولِّداً للمعرفة العرفانيّة كما كان العارفون الأوائل مولدين لها، بدلاً من أن يكون مجرد ناقل لأقوالهم؟ وسيظل السؤال باقياً ما دامت المعرفة غير العرفان في هذا السياق. والسؤال هو: كيف تصبح المعرفة العرفانيّة قابلة للتوليد والتجدد دون أن تفقد طبيعتها العرفانيّة؟ وكيف يحرر التوليد المعرفة الإنسانية المحدودة من صورتها الجامدة، ويجعلها أكثر قدرة على استقبال الدلالة الإلهيّة، فتصبح المعرفة العقلية معرفة قلبية؟

في تصوري، لا تنتقل المعرفة العقليّة إلى المعرفة العرفانيّة بمجرد إضافة البعد الروحي إلى المعرفة العقليّة، ولا بأن نكرر المعرفة حتى تصبح "قلبية". الانتقال أعمق من ذلك؛ إنه انتقال في موضع المعرفة ووظيفتها ونمط حضورها في الذات.

المعرفة العقلية تبدأ عادةً من الشيء بوصفه موضوعاً للإدراك: العقل يطلب تعريفه، ويحلله، ويقيم عليه البرهان، ثم يكوّن منه حكماً. أمّا المعرفة العرفانيّة فلا تكتفي بأن يكون الشيء معلوماً للإنسان، وإنما تريد أن يصير المعلوم حاضراً في الإنسان، أى موجوداً، ولا بُدّ أن نتذكّر هنا اصطلاح "التحقق الوجودي" الذي سلفت الإشارة إليه. ولذلك؛ يمكن القول إن الفارق الجوهري ليس بين "عقل" و "قلب" بقدر ما هو بين معرفة الشيء، والتغيّر بالشيء.

من ذلك ترى؛ أن مفهوم التوليد الذي اشتغلنا عليه يكتسب قيمته الفلسفية. فالمعرفة السابقة لا تُلغى حين تدخل في القلب، بل تُعاد صياغتها من الداخل. العقل يقدم المعنى في صورته المفهوميّة، ثم تأتي عملية التوليد لتفتح بين المعنى وبين الوجود الإنساني علاقة جديدة. فإذا كان العقل يقول: أعرف معنى التوكل، فإن القلب لا يكتفي بهذا الحكم، بل يسأل: ماذا أحدث هذا المعنى في إرادتي، وفي خوفي، وفي علاقتي بالأسباب؟ عندئذ تنتقل المعرفة من كونها قضيةً في الذهن إلى كونها حالًا في الذات.

ويمكننا صياغة الحركة الذهنية مسارها الطبيعي من حيث تبدأ من معلومة عقليّة ثم تأمل واستحضار ثم تفاعل وجودي ثم تحوّل في الوعي ثم حضور قلبي ثم معرفة عرفانيّة. لكن الحلقة الأهم هي التأمل والاستحضار؛ لأن المعلومة العقليّة قد تبقى خارج الإنسان، حتى لو كانت صحيحة تماماً. أما حين يستحضرها الإنسان استحضاراً متكرراً، ويعيد النظر فيها من زوايا متعددة، ويصلها بتجربته الوجوديّة، فإنها تبدأ في مغادرة صورتها المجرّدة. وهذا قريب جدًا من معنى "الذكر" في المجال الصوفي: ليس مجرد تكرار لفظ، وإنمّا إعادة الشيء إلى مجال الحضور.

ولهذا نجد هناك من يتحفظ على عبارة "المعرفة القلبية"، فيما لو فهمناها على أنها معرفة ضد العقل. في التصوف النظري الناضج، القلب ليس جهازاً معرفياً منافسًاً للعقل، وإنما هو مرتبة أعمق لحضور المعنى. العقل يضبط المعنى ويمنع انحرافه، والقلب يجعل المعنى فاعلًا في الوجود الإنساني. ولذلك يمكن أن تكون المعرفة العرفانيّة أرقى من المعرفة العقليّة من جهة التحقق، لا من جهة إلغاء البرهان.

وهنا يظهر الفرق بين أن تعرف أن الله رحيم، وأن تتحول الرحمة الإلهية من قضية عقديّة إلى أفق وجودي يسكن رؤيتك للعالم. في الحالة الأولى أنت تمتلك معرفة عن الرحمة؛ وفي الثانية أصبحت الرحمة مبدأً يعيد تشكيل وعيك بنفسك وبالآخر وبالله. هذه هي النقلة التي أراها سارية من المعرفة العقلية إلى المعرفة العرفانيّة.

والأهم أن هذه النقلة ليست آليّة. ليس كل علم عقلي قابلًا لأن يصبح عرفاناً بمجرد التأمل فيه. لا بد من توسط فعل إنساني وروحي: حضور، ومجاهدة، وصدق، ومراجعة للذات، وربط للمعرفة بالسلوك. فالعرفان إذن ليس كمية أكبر من المعرفة، وإنما تحول في نمط الوجود بالمعرفة.

إننا لا نكرر ما سبق أن قلناه عن تحرير المعرفة الإنسانيّة المحدودة من صورتها الجامدة بل يمكن أن تصبح أكثر دقة فلسفياً: التوليد في مجال التصوف لا يُحرر المعرفة من العقل، بل يحررها من انغلاقها في صورتها العقلية الأولى. إنه يجعل المعرفة قابلة لأن تولّد من داخلها دلالة جديدة، ثم تصبح هذه الدلالة قابلة لأن تتحول من مفهوم إلى حضور، ومن حضور إلى حال، ومن حال إلى كشف أو عرفان.

بهذا المعنى يمكن أن نقول: المعرفة العقلية تقول: عرفتُ المعنى. والتوليد الصوفي يقول: ماذا يمكن أن يولّد هذا المعنى في وعيي؟

والمعرفة العرفانية تقول: لقد صار المعنى معرفةً بي، لا معرفةً عندي. وهذه الأخيرة، في تقديري، هي النقطة الفلسفية الأعمق: العرفان ليس انتقال المعلومة من الرأس إلى القلب، بل انتقال الإنسان نفسه من موقف الناظر إلى موقف المتحقق، أو إن شئت قلت: من النظريّة الى التجربة.

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

في المثقف اليوم