عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

عبد الله الهميلي: هرمينوطيقا الشعور

أقصد بهرمينوطيقا الشعور مساءلة الفهم من داخل الحياة التي نحياها بأجسادنا، ونحملها في اللغة، ونعيد تأويلها عبر الزمن. فحين نفهم ما نشعر به، ندخل في علاقة جديدة مع الكيفية التي نوجد بها؛ يتغيّر ما نراه ممكنًا، وما نعدّه جديرًا بالاهتمام، وما نستطيع فعله إزاء ما أصابنا. ومن هنا أطرح سؤالي: كيف تصبح الخبرة الوجدانية قابلة للفهم، وكيف يعود الفهم ليشارك في تشكيلها؟

أستخدم «الشعور» هنا للدلالة على الجانب المعاش من الخبرة الوجدانية، أي كيف يبدو الحزن أو الخوف أو الاطمئنان لمن يعيشه. أما الانفعال فيشمل، إلى جانب هذا البعد، تغيرات جسدية وتقديرات للموقف واستعدادات للفعل. وينصرف البحث إلى هذا المجال داخل الوعي الأوسع؛ إذ تظل العلاقة بين تفسير الانفعال وتفسير الوعي نفسه سؤالًا يحتاج إلى بحث مستقل.

في الشعور يكتسب العالم نبرته وقيمته. فقد يبدو المكان مألوفًا وآمنًا، ثم يتغير حضوره بعد فقدٍ أو خيبة، مع أن جدرانه بقيت في مواضعها. ما يتبدّل هو كيفية سكناه في التجربة. ولعلنا نستطيع، بلغة فلسفية، أن نصف الشعور بأنه الحياة من حيث تنكشف لنفسها، وتجد في الأشياء ما يمسّها. وقد يسبق هذا الانكشافُ العبارةَ؛ نضطرب قبل أن نعرف اسم اضطرابنا، ونحسّ بثقل شيء لم يتحدد بعد في القول.

يبدأ التأويل من الإصغاء إلى هذا الحضور الذي لم يستوفِ تعبيره. وللخبرة الوجدانية قبل تسميتها اتجاهها ودلالتها الأولية؛ يظهر الخطر فيما يدفعنا إلى التراجع، وتظهر الألفة فيما يسمح للجسد بالاسترخاء. وحين يعود الفكر إلى هذه الخبرة، يتيح تمييزًا أدق لما نعيشه، ويفتح تقديراتنا للمراجعة. هكذا يصبح التفكير انعطافًا للتجربة على نفسها، تستطيع من خلاله أن ترى بعض شروطها وحدودها.

يوفّر مبدأ الطاقة الحرة عند كارل فريستون إطارًا نظريًا لبحث الصلات بين الإدراك والفعل والتعلّم. وفي نماذج الترميز التنبؤي المرتبطة به، تُفهم المعالجة العصبية من خلال التفاعل بين التوقعات والمدخلات الحسية، وتحديث التقديرات في ضوء الاختلاف بينهما.  ويمكن أن نستأنس بهذه الحركة في التفكير فلسفيًا في التأويل: فما سبق أن خبرناه يوجّه ما نتلقّاه، وما نتلقّاه يستطيع أن يراجع ما توقعناه. وأقترح هذه القرابة بوصفها مقارنة فلسفية تستفيد من النموذج، مع احتفاظ الفهم الإنساني بأسئلته عن الدلالة والقيمة والتاريخ.

وتقترح بعض نماذج الاستشعار الداخلي أن خبرتنا بحالة الجسد تتشكّل من تفاعل الإشارات الواردة منه مع التوقعات المتعلقة بها.  يتيح هذا التصور التفكير في الوجدان ضمن علاقة مستمرة بين الجسد وبيئته، لكنه يترك مجالًا واسعًا لبحث كيفية عيش هذه العلاقة. فالشعور يمتد في الطمأنينة والألفة كما يظهر في الدهشة والاضطراب؛ ولهذا تظل مساواته بخطأ التنبؤ تضييقًا لتنوعه. ويهمني، في هذا السياق، السؤال عن الطريقة التي تكتسب بها أحوال الجسد دلالة في حياة صاحبها.

تدخل اللغة في هذه الحياة بما تمنحه من فروق. ثمة مسافة بين قول المرء: «أنا عاجز»، وقوله: «أشعر بالعجز أمام هذا الموقف». في العبارة الثانية يصبح الشعور قابلًا لأن يُنظر إليه داخل شروطه، بدل أن يستغرق تعريف الذات كله. وكذلك حين أقول: «فهمتُ ما حدث بوصفه إهانة، ولذلك غضبت»، أفتح تقديري للموقف أمام الفحص. وقد تكشف المراجعة سوء فهم، وقد تؤكد وقوع اعتداء يستحق الاعتراض. تنشأ قيمة التأويل من اتساع ما أستطيع إدراكه والاستجابة له.

وللتسمية وإعادة التقييم صلات قابلة للدراسة بالنشاط العصبي، مع اختلاف العمليتين. فقد وجدت دراسة لليبرمان وزملائه أن تسمية المحتوى الانفعالي لصور سلبية ارتبطت بتراجع استجابة اللوزة الدماغية وازدياد النشاط في منطقة جبهية.  أما إعادة التقييم فتتناول الكيفية التي يُفهم بها الموقف؛ وأظهر تحليل تجميعي لدراساتها مشاركة مناطق مرتبطة بالضبط المعرفي والمعالجة الدلالية، إلى جانب تعديل استجابة اللوزة.  تتيح هذه النتائج بحثًا محددًا في صلة المعنى بتنظيم الانفعال، ضمن تفاعل مناطق متعددة في الدماغ.

بهذا المعنى أفهم «التهذيب التأويلي للشعور»: تعلّم الفروق التي تجعل استجابتنا أكثر تبصرًا. فالتمييز بين الخوف والحذر، وبين الغضب والجرح الذي يغذّيه، قد يغيّر السؤال الذي نطرحه والفعل الذي نختاره. وتكتسب هذه الممارسة أثرها في سياق التعلّم وتكوّن العادات؛ فما ننتبه إليه، وما نكرّر قوله عن أنفسنا، قد يصبح جزءًا من طريقة استقبالنا للمواقف اللاحقة. لذلك تتعلق فاعليتها بما نمارسه ونراجعه عبر الزمن، وتظل نتائجها متفاوتة بحسب التجربة وشروطها.

وتستمد اللغة قدرتها على التمييز من الحياة المشتركة. نتعلم أسماء مشاعرنا من الآخرين، ونجد في الحكايات صورًا لما عجزنا عن قوله، وقد يتيح لنا حوار واحد وجهًا من خبرتنا لم يظهر في حديثنا المنفرد مع أنفسنا. وتحمل الكلمات كذلك تاريخًا من الأحكام: فقد تمنح الحزن حقه في الظهور، وقد تحاصره حين تصفه بالضعف. ومن ثم فإن تأويل الشعور يستدعي فحص اللغة التي نؤوّله بها، والسؤال عما تتيحه لنا وما تحجبه عنا.

وتبقى بين الخبرة واسمها مسافة تستحق الصون. فقد نسمّي ما نحياه غضبًا، ثم نكتشف فيه خوفًا من الفقد أو ألمًا لم يجد من يصغي إليه. وقد يتجاور أكثر من شعور في الموقف نفسه. يمنح الاسمُ التجربةَ بعض الوضوح، ويجعلها قابلة للتداول، لكنه يظل اقتراحًا قابلًا للتصحيح. وتظهر دقة التأويل في استعداده لأن يتعلّم من التجربة التي يسعى إلى فهمها، وأن يترك لما يقاوم التسمية فسحة للحضور.

وتكشف هذه المسافة عن زمن الشعور. للحزن امتداده وإيقاعه قبل أن نحكيه؛ يحمل ما وقع، ويغيّر انتظاراتنا لما سيأتي. وحين نكتب عنه، قد نستطيع إعادة ترتيب علاقتنا بهذا الامتداد: نضع لحظته إلى جوار لحظات أخرى، ونرى كيف يتداخل ما فقدناه مع ما بقي ممكنًا. بهذا المعنى يكون التفكير تزمينًا تأويليًا للشعور؛ يمنحنا موقعًا آخر داخل زمن نعيشه بالفعل، وقد يسمح لنا بأن نحمل التجربة إلى المستقبل على نحو مختلف.

وتحتاج هذه الإمكانية إلى يقظة؛ فالحكاية قد تنغلق على تفسير يكرّر الألم ويثبّت الإدانة. عندئذ تتعلق مهمة الفهم بمراجعة السرد نفسه، وبالسؤال عما إذا كانت الكلمات توسّع التجربة أو تعيد حبسها. وقد يقتضي الإصغاء إبطاء التفسير، أو قبول الغموض، أو الانتباه إلى ما يظهر في الصمت والإيماءة والحضور مع الآخرين. تتعدد طرق فهم الشعور بتعدد ما يتيحه الموقف، وتحتفظ العبارة بحدودها داخل هذا التعدد.

ومن هنا أحتفظ بفكرة «الترويض» بقدر ما تدل على تعلّم العيش مع الشعور وتوسيع حرية الاستجابة له. فالغضب قد يصون حسًّا بالعدل، والحزن قد يحمل وفاءً لما فقدناه. والهدوء وحده معيار غير كافٍ للحكم على سلامة التأويل؛ إذ ينبغي أن نسأل عما يجعلنا قادرين عليه، وعما قد يدفعنا إلى احتماله أو السكوت عنه. وقد يستدعي فهم الشعور تغيير العلاقة أو الموقف الذي ولّده. تتصل هذه الحرية بالمسؤولية، وبحق الإنسان في الاعتراض على الشروط التي تؤلمه.

ولهذا تمتد هرمينوطيقا الشعور إلى الثقافة . فالمجتمعات تعلّم أبناءها كيف يُظهرون الحزن، ومتى يُقبل غضبهم، وأي الأحاسيس ينبغي إخفاؤها. ويمكن قراءة جانب من تاريخها بوصفه تاريخًا للأسماء التي تمنح الخبرة شرعيتها أو تسلبها منها. وحين تعثر خبرة مهمّشة على لغة تعبّر بها عن نفسها، يتغير ما يستطيع أصحابها إعلانه والمطالبة به. هنا يلتقي فهم الذات بنقد العالم الذي تشكّلت فيه صورتها عن نفسها.

ولعل عبارة «الأنطولوجيا التأويلية للعصب» تسمّي سؤالي عن ظهور المعنى في حياة متجسّدة، وعن مشاركته في تشكيل طرائق عيشها. تبحث القراءة العصبية في الآليات والعلاقات القابلة للفحص، وتستقصي القراءة التأويلية دلالة الخبرة في عالم صاحبها. وقد تمنح القراءة الصوفية التجربة أفقًا روحيًا، بحسب تقاليدها وممارساتها. ينشأ الحوار حين تساعد هذه القراءات بعضها على تحسين الأسئلة، مع وضوح المعايير التي تستند إليها كل واحدة منها. وأستخدم «الهرمينوطيقا العصبية» اسمًا لهذا الأفق البحثي المقترح.

وحين أقول إن الذات موضع تفسّر فيه الطبيعة نفسها، فإنني أستعير صورة فلسفية لكائن تنتمي قدرته على الفهم إلى حياته الجسدية وتاريخه مع الآخرين. في هذا الكائن يستطيع الاضطراب أن يصير سؤالًا، وتستطيع الذكرى أن تنفتح على قراءة أخرى، وقد تمنح العبارةُ خبرةً قديمة إمكانًا جديدًا للعيش. إن أثر الفهم يتبدّى في الطريقة التي نحمل بها ما أصابنا، وفي الأفعال التي تصبح ممكنة بعده.

عند هذه العتبة يغدو الفكر ضيافة للشعور: يمنحه وقتًا للحضور، ويصغي إلى ما يكشفه، ويبحث عن لغة تتسع لتعقيده. وتصبح هرمينوطيقا الشعور ممارسة للانفتاح على الحياة وهي تتشكّل فينا، وللمسؤولية عن المعاني التي نمنحها لها. غايتها إنسان يفكّر بحرارة ويشعر بدقة، يستطيع أن يبقى قريبًا من تجربته وهو يراجع فهمه لها؛ وأن يجد في المعنى فسحةً يحمل فيها ألمه، ويصون بها قدرته على الحب والفعل.

***

عبد الله الهميلي

في المثقف اليوم