منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، تتوالى دعوات إصلاح الفكر الديني وإحيائه وتجديده، وتتباين مناهجها وأدواتها في النقد والمراجعة. ويكشف تتبع مساراتها عن محاولات تستثمر هذه الدعوات في استمالة عواطف الناس، وتوظف المراوغات اللفظية لإزاحة أيديولوجيا وإحلال أخرى محلها، من دون مراجعة جادة للأسس التي تنتج الانغلاق والجمود.
نستبعد من نقاشنا هذا النوع من المشاريع، ونركز على المشاريع التي تمنح النظر العقلي والحجاج النقدي موقعًا أساسيًا في مقاربتها للفكر الديني. ويمكن تصنيف هذه المشاريع، بحسب طبيعة النقد وأهدافه، إلى اتجاه يغلب عليه التفكيك والتقويض، وينشغل بكشف تناقضات الموروث ومساءلة مرجعياته، واتجاه يتجه نحو التركيب والبناء، ويسعى إلى تقديم فهم متجدد للدين وعلاقته بالإنسان والحياة. ويتداخل الاتجاهان في بعض المشاريع، إذ يمهد التفكيك لإعادة البناء، ويستند البناء إلى مراجعة نقدية لما سبقه.
برز في الفكر العربي المعاصر مشروعان اهتما بمساءلة التراث ومرجعياته المعرفية، مع اختلاف مجال اشتغالهما وأولوياتهما: مشروع المفكر المغربي الدكتور محمد عابد الجابري، ومشروع المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي. انشغل الجابري بنقد العقل العربي وتحليل النظم المعرفية التي أسهمت في تكوينه، فيما ركز الرفاعي على تجديد الفكر الديني وإعادة النظر في أسس علم الكلام ومقولاته. وقد أخضع كلاهما الموروث للمساءلة والنقد، واختلفا في طبيعة المعالجة والأهداف التي توخاها كل مشروع. يغلب على مشروع الجابري تحليل البنى المعرفية ونقدها، في سياق سعيه إلى إعادة بناء العقل العربي على أسس عقلانية؛ لذلك يصعب اختزاله في التفكيك والتقويض. أما الرفاعي، فيتداخل في مشروعه نقد المنظومة الكلامية التقليدية مع بناء رؤية للدين تنطلق من إعادة تعريف الإنسان وحاجاته الوجودية، وتتخذ من المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي أفقًا لتجديد الفكر الديني.
لكي يتضح المقصود بهذه المشاريع، ينبغي تحديد دلالات مصطلحات التقويض والتفكيك، والتركيب والبناء، كما نستعملها في هذا السياق. يشير التقويض إلى زعزعة الأسس والمسلمات والبداهات الراسخة، عبر مساءلة مشروعيتها والكشف عن مواطن الضعف والتناقض فيها. أما التفكيك، فيشير إلى قراءة نقدية لبنية الأفكار والأنظمة المعرفية، تكشف العلاقات التي تنتظم فيها، والافتراضات التي تستند إليها، وما تنطوي عليه من توترات وتناقضات. ويتداخل التفكيك والتقويض، مع اختلاف التركيز في كل منهما؛ إذ ينصب التفكيك على كيفية تشكل البنية واشتغالها، فيما يتجه التقويض إلى زعزعة الأسس التي تمنحها تماسكها وسلطتها. يتمثل التركيب في إعادة تنظيم العناصر والأفكار وربطها ضمن علاقات جديدة، بينما يتسع البناء ليشمل صياغة المفاهيم وتأسيس المرجعيات والمناهج التي ينهض عليها تصور معرفي جديد. ولا تقتضي هذه العمليات تعاقبًا ثابتًا، فقد يتداخل النقد مع البناء في المشروع الواحد، وقد تقود المراجعة إلى تجاوز بعض عناصر الموروث والاحتفاظ بعناصر أخرى بعد إعادة فهمها وصياغتها.
اتخذ الجابري من نقد العقل العربي محورًا لمشروعه، فتجاوز نطاق الفكر الديني إلى مساءلة النظم المعرفية التي أسهمت في تشكيل الثقافة العربية الإسلامية. وسعى إلى تحرير العلاقة بالتراث من التسليم بسلطته، والدعوة إلى قراءته قراءة نقدية تستوعب شروط تشكله التاريخية، وتستثمر إمكاناته في التفكير والتجديد. وميز في تحليله بين ثلاثة أنظمة معرفية: البيان والعرفان والبرهان.
يرتكز البيان، في تصنيفه، على اللغة والنص وآليات الاستدلال، ومنها القياس، ويتجلى في علوم اللغة والفقه وأصوله والكلام. ويستند العرفان إلى الكشف والإلهام والتأويل الباطني، بينما يقوم البرهان على الاستدلال العقلي المنضبط بقواعد المنطق، ولا سيما في صورته الأرسطية. درس الجابري علاقات التداخل والصراع بين هذه الأنظمة، وما أدته العوامل السياسية والأيديولوجية من أدوار في توجيهها.
لا يستقيم القول إنه رأى العرفان والبرهان معًا ضحيتين للتهميش والإقصاء؛ فقد انتقد العرفان بشدة، وربط جانبًا من حضوره بما سماه "استقالة العقل"، في حين منح البرهان مكانة أساسية في مشروعه، واحتفى بمحاولات إعادة تأسيس العلاقة بين البيان والبرهان على أسس عقلانية، خاصة لدى ابن حزم وابن رشد والشاطبي. لذلك يحتل البناء موقعًا في مشروعه، ويتجلى في سعيه إلى تجديد أدوات التفكير وإعادة تنظيم العلاقة بالتراث.
ومع ذلك، تختلف أولويات هذا المشروع عن أولويات مشروع الرفاعي؛ فبينما يتركز عمل الجابري على نقد النظم المعرفية وآليات إنتاج المعرفة، يتجه الرفاعي بصورة أوضح إلى إعادة تعريف الدين ووظيفته في حياة الإنسان، وتجديد المفاهيم الكلامية في ضوء حاجاته الوجودية والروحية والأخلاقية والجمالية. وتكشف هذه المقارنة عن اختلاف في مركز الاهتمام وطبيعة البناء، مع اشتراك المشروعين في ممارسة النقد والسعي إلى التجديد.
يجمع مشروع الرفاعي بين نقد الأسس المعرفية لعلم الكلام التقليدي، والعمل على بناء رؤية كلامية جديدة، ويتداخل هذان المساران في كتاباته؛ إذ يواكب نقد المفاهيم الموروثة اقتراح مفاهيم بديلة وإعادة تحديد وظيفة الدين في حياة الإنسان. ينصب نقده على المقولات والتفسيرات التي أنتجها المتكلمون في سياقات تاريخية محددة، ثم اكتسبت لدى أتباعهم سلطة جعلتها تتجاوز المساءلة والمراجعة. لذلك يميز بين الدين وطرائق فهمه، ويدعو إلى التعامل مع التراث الكلامي باعتباره معرفة بشرية تعكس أسئلة عصرها وحدود علومه وثقافته، وتحتاج إلى نقد علمي متجدد كلما تطورت معارف الإنسان وتغيرت ظروف حياته.
ويتجه الجانب البنائي في مشروعه إلى تأسيس "علم كلام جديد" ينطلق من إعادة تعريف الإنسان، والتعرف إلى أبعاد شخصيته وحاجاته المتنوعة، والاستفادة من الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع في فهم حياته الدينية. وإعادة تعريف الدين، والوحي، والنبوة، والشريعة، والتكليف. في هذا السياق، يعيد الرفاعي النظر في وظيفة علم الكلام، ويوسع اهتمامه ليشمل أسئلة المعنى، والقلق الوجودي، والظمأ الأنطولوجي، والاغتراب الميتافيزيقي، وعلاقة الإيمان بالحرية والمساواة والكرامة الإنسانية.
ويكثف تعريفه للدين الوجهة التي ينتظم فيها هذا البناء، إذ يقول: "الدين حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة الإنسان الوجودية إلى إنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياته الفردية والاجتماعية". يضع هذا التعريف حاجة الإنسان إلى المعنى في صميم فهم الدين، ويربط حضوره بما يمنحه للحياة من عمق روحي، وما يلهمه من مسؤولية أخلاقية، وما يوقظه من إحساس بالجمال. يتجلى المعنى الروحي في تنمية صلة الإنسان بالله، وإثراء حياته الباطنية، وتغذية الأمل والسكينة في مواجهة الألم والفناء؛ ويتجلى المعنى الأخلاقي في حماية كرامة الإنسان وحقوقه وحرياته، وتنمية الرحمة والمحبة والمسؤولية تجاه الآخرين؛ أما المعنى الجمالي فيتصل بقدرة الإيمان على تهذيب الذوق، وتنمية الإحساس بتجليات الجمال في الوجود والحياة والعلاقات الإنسانية.
على هذا الأساس، تتضح دعوته إلى تدين روحي أخلاقي جمالي تتجسد آثاره في سلوك الإنسان وكيفية تعامله مع نفسه وغيره والعالم. ويغدو نقد الموروث في مشروعه جزءًا من جهد بنائي يعيد وصل المعرفة الدينية بحاجات الإنسان، ويختبر أثرها في إثراء حياته وحماية كرامته وحريته.
كتبت سابقًا عن مشروع الرفاعي، ووصفت جهده بأنه استثنائي، لا سيما في سعيه إلى تأسيس علم كلام جديد. وتتضح خصوصية هذا الجهد في جمعه بين الاشتغال بفلسفة الدين وتجديد التفكير الكلامي؛ إذ يستثمر الأسئلة والمناهج الفلسفية والعلوم الإنسانية في مراجعة المقولات الكلامية، ثم يقدم رؤيته. لذلك تبدو العلاقة بين فيلسوف الدين والمتكلم الجديد في مشروعه علاقة تداخل وتكامل، ويصعب اختزالها في انتقال من موقع إلى آخر أو تعاقب مرحلتين منفصلتين. تمنحه فلسفة الدين أدوات لفهم الظاهرة الدينية وتحليل تمثلاتها ولغتها وطرائق إنتاج المعنى فيها، فيما يتجه اجتهاده الكلامي إلى إعادة بناء فهم الدين ومقولاته في ضوء معارف الإنسان وأسئلته المعاصرة.
في هذا المسار، يسائل الرفاعي عددًا من المسلمات والبداهات الراسخة في المنظومة الكلامية التقليدية، ويفكك بنيتها المفاهيمية، ويكشف صلتها بالتصورات الفلسفية والمعرفية والظروف التاريخية التي نشأت فيها. ويواكب هذا النقد العقلاني عمل على إعادة النظر في المفاهيم الدينية الأساسية، وفي مقدمتها الوحي والنبوة، وما يتصل بهما من فهم الشريعة والتكليف، وحدود الوظيفة الدينية في حياة الإنسان. تحتل إعادة تعريف الوحي موقعًا تأسيسيًا في تصوره لعلم الكلام الجديد؛ لأن فهم الوحي يوجه فهم النبوة والنص الديني وطبيعة لغته ودلالاته، ويؤثر في تحديد مجال الدين وعلاقته بالعقل والخبرة البشرية. فكل تصور للوحي ينطوي على تصور لطبيعة الصلة بين الإلهي والبشري، ولموقع النبي في تلقي الوحي وإبلاغه، ولعلاقة النص باللغة والثقافة والتاريخ. وتمتد آثار مراجعة هذا المفهوم إلى طرائق قراءة النصوص وتأويلها، وإلى فهم الأحكام ومدى ارتباطها بسياقاتها، وتحديد ما يندرج في الهداية الروحية والأخلاقية، وما يتصل بتدبير الإنسان لشؤون حياته اعتمادًا على عقله وعلومه وخبراته المتراكمة. وبهذا المعنى، تمثل إعادة تعريف الوحي مدخلًا لإعادة بناء شبكة مترابطة من المفاهيم، ضمن رؤية تسعى إلى الاستجابة لحاجة الإنسان إلى الدين، وإلى حماية كرامته وحريته وحقه في التفكير والاختلاف.
أسهم المشروعان إسهامًا مهمًا في تجديد الفكر العربي والإسلامي، مع اختلاف منطلقاتهما ومجالات اشتغالهما وأولوياتهما. انشغل الجابري بتحليل بنية العقل العربي، والكشف عن نظمه المعرفية وآليات إنتاج المعرفة فيه، ومساءلة سلطة المرجعيات الموروثة حين تتحول إلى عائق أمام التفكير والتجديد. واقترن هذا النقد بتوجه بنائي يسعى إلى ترسيخ العقلانية وإعادة تنظيم العلاقة بالتراث، عبر قراءة تستوعب شروط تشكله التاريخية وتستثمر إمكاناته في الحاضر.
أما الرفاعي، فيتركز مشروعه على تجديد الفكر الديني، لا سيما تأسيس علم كلام جديد يعيد النظر في المفاهيم الاعتقادية ومرجعياتها المعرفية، وينفتح على الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع. يتداخل في هذا المشروع نقد المقولات التقليدية مع إعادة بناء فهم الدين ووظيفته، انطلاقًا من معرفة الإنسان وحاجاته الوجودية، وما ينشده من معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياته.
يتضح الاختلاف بين المشروعين في طبيعة الأسئلة التي يمنحها كل منهما الأولوية، وفي المجال الذي يتجه إليه جهده البنائي؛ إذ يسعى الجابري إلى تجديد أدوات التفكير وتأسيس علاقة نقدية عقلانية بالتراث، بينما يتجه الرفاعي إلى تجديد الفهم الكلامي للدين، وإعادة وصل الإيمان بحياة الإنسان وكرامته وحريته. ويتيح هذا التمييز تقدير إسهام كل مشروع، مع الانتباه إلى أن النقد والبناء يحضران فيهما معًا، وإن اختلفت صورهما وحدودهما وغاياتهما.
***
بهاء سوادي
طالب في المرحلة السادسة بكلية طب جامعة البصرة.








