من المعلوم أن الفيلسوف الألماني فريدريك ولهايم هيجل هو الذي وضع في كتابه "فينومينولوجيا الروح" الأساس النظري لمفهوم الاعتراف باعتباره محور الصراع بين الذوات وذلك من خلال تحليله لجدلية الصراع بين العبد والسيد، وهي جدلية تأتي نتيجة حتمية لرغبة الإنسان في نزع الاعتراف به من طرف الآخر (رغبة إرادتين بشريتين واحدة تتميز بالقوة والمغامرة، وهي إرادة السيد المنتصر في الصراع، والثانية تتميز بالخوف والخضوع وهي إرادة العبد، المنهزم في الصراع).
وهذا ما يجعل هذه الذات الراغبة تدخل في مغامرة التناحر حتى الموت. ومع هذا الفيلسوف أصبح مفهوم الاعتراف من المفاهيم الكبرى في الفكر الفلسفي المعاصر خاصة بعد ظهور الفلسفة الاجتماعية المعاصرة.
لكن هذا المفهوم عرف منعطفا جديدا مع الفلسفة المعاصرة خاصة في شقها السياسي مع مجموعة من المفكرين الذي نظروا لهذا المفهوم وقاموا بإغنائه عبر تحليلاتهم المتميزة كل من منطلق اهتماماته النظرية والفكرية، هذا ما حاول تفسيره الباحث الجزائري الدكتور الزواوي بغورة في كتابه الجديد الصادر عن دار الطليعة تحت عنوان: " الاعتراف: من أجل مفهوم جديد للعدل، دراسة في الفلسفة الاجتماعية".
يميز المؤلف في البداية بين الفلسفة الاجتماعية المعاصرة التي تعبر عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي عرفتها المجتمعات الحديثة وعلى رأسها الثروة الفرنسية، وبين الفلسفة السياسية الكلاسيكية التي تهتم أكثر بطبيعة الدولة وبأفضل نظام سياسي يمكن تحقيقه وفقا لقيمتي العدل والحرية. ويعد الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (الجيل الثاني من مدرسة فرانكوفورت النقدية) وتلميذه أكسل هونيث (الجيل الثالث من نفس المدرسة ومؤسس فلسفة الاعتراف) من أبرز رواد هذه الفلسفة الاجتماعية والتي تختلف عن السوسيولوجيا والعلوم الاجتماعية، نظرا لتميزها بالمقاربة الأخلاقية للمسألة الاجتماعية انطلاقا من التحليل النقدي لمختلف الظواهر الاجتماعية والسياسية خاصة ما اصطلح عليه بالأمراض الاجتماعية. وتعود أصول هذه الفلسفة الاجتماعية إلى الماركسية خاصة في صيغتها الفرانكفورتية (نسبة إلى مدرسة فرانكفورت) حيث لاتكتفي بوصف الوقائع الاجتماعية وإنما تسعى كذلك إلى المساهمة في التحليل النقدي الذي يسمح بتغيير المجتمع مما يجعلها فلسفة مسيسة تنطلق من فكرة الصراع الاجتماعي والسياسي.
يتضمن الكتاب أربعة فصول ومدخل وخاتمة، خصص لكل فصل علم من أعلام هذه الفلسفة الجديدة، حيث عنون الفصل الأول ب"من أجل ذاكرة العدل" حيث تناول محاولة الفيلسوف الفرنسي بول ريكور لتأسيس ذاكرة عادلة تستجيب لحرب الذكريات. والفصل الثاني تحت عنوان:" في سياسة الاعتراف" وهو مخصص للفيلسوف الكندي تشارلز تايلور في دعوته إلى ممارسة الاعتراف تسمح بظهور مواطنة جديدة. والفصل الرابع بعنوان:" العدل والاعتراف" تناول فيه موقف الفيلسوفة الأمريكية ناسي فريزر التي عملت على التأليف والتركيب بين عدل التوزيع المعني بالثروات والخيرات وعدل الاعتراف الذي يهتم بالجوانب الرمزية للإنسان ويسمح بتحقيق منزلة قانونية للمواطن، وأخيرا الفصل الرابع تحت عنوان:" الاعتراف وتجربة الذل" المخصص لمؤسس فلسفة الاعتراف الألماني أكسل هونيث الذي توقف عند تجربة الظلم والذل والهوان وحاول تقديم منظور فلسفي يقوم على مجالات أساسية وهي: الحب والقانون والتضامن.
إن هذه المقاربة الجديدة جاءت نتيجة لتظافر جهود هؤلاء الفلاسفة حيث أصبح مفهوم الاعتراف من خلال إسهاماتهم النظرية المتميزة يعبر عن مختلف أشكال النضال والصراع المتصلة بيم العدل والحرية والمساواة، و أصبحت توظفه مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية، ويتعلق الأمر بمجال المرأة أو العمل أو الثقافة، وبخاصة ما يتعلق بالحقوق الثقافية للأقليات، بمعنى أنه أصبح معبرا عن مختلف أشكال النضال ضد الهيمنة الليبرالية وزمن العولمة وذلك بتشخيص أمراضها الاجتماعية وتقديم أنواع العلاجات المناسبة لها، كذلك فإن المجال المناسب للاعتراف هو مجال الديمقراطية التداولية بماهي تدبير سياسي قائم على التشاور والتداول، وإذا أضفنا مقتضى العدل المادي والرمزي فإن ذلك سيمكننا من تجاوز عدم كفاية النموذج اللبرالي وبخاصة من جهة العلاقة النزاعية التي تطرحها النزعة الجماعية.
وقد وقف المؤلف عند كتاب أكسل هونيث الموسوم ب" الصراع من أجل الاعتراف" الذي بين فيه بأن الصراع في حد ذاته كتجربة يعود إلى الفشل والإحباط من عدم تحقق الوعود وعدم تلبية المطالب بالإضافة إلى طول الانتظار من أجل تحقيق ماهو ضروري للهوية الفردية والجماعية، وتوفير الظروف الاجتماعية المناسبة لقيام علاقة إيجابية مع الذات ومع الآخرين. وفي نفس الاتجاه الذي رسمه هيجل يؤكد هونيث بأن تشكل الذات والهوية مرتبط بالاعتراف المتبادل بين الذوات (العبد والسيد) أي أن الاعتراف ليس معطى مباشرا وإنما هو حصيلة صراع ونزاع بين الطرفين. لذلك يتكون الاعتراف من ثلاثة مجالات وهي: الحب والقانون والتضامن، حيث يعيش الأفراد والجماعات تجارب الاعتراف المتبادل الذي يسمح لهم ببلوغ درجة معينة من الاستقلال الذاتي، حيث يحصل الفرد في المجال الأول على الثقة بالنفس وفي المجال الثاني على الاحترام وفي المجال الثالث على التقدير.
لكن من الممكن أن يكون الفرد في هذه المجالات الثلاث موضوعا للإذلال ينتفي معهما الاعتراف به، ففي المجال الأول يمكن أن يكون ضحية قسوة وسوء معاملة وفي المجال الثاني يمكن أن يحرم من حقوقه ويتم إقصاؤه اجتماعيا، وفي المجال الثالث يمكن أن يتعرض للمهانة والإذلال مثل العنصرية أو التجارب التي تهدد الشخص في كرامته
لذلك يرى هونيث بأن المنطق الذي يجب أن يتحكم في الصراع ليس هو فقط المصلحة والمنفعة بل ينبغي استحضار النموذج الأخلاقي القائم على الاعتراف بالآخر والتعامل معه على هذا الأساس، فالاعتراف أساسا هو استجابة لتطلعات أخلاقية تم إحباطها أو اغتصابها بطريقة غير مستساغة وغير شرعية، ومن جهة أخرى فهو تعبير عن حاجة ذاتية ويشكل بذلك صفة ملازمة للطبيعة الإنسانية .
وخلاصة القول يمكن التأكيد مع المؤلف بأن الاعتراف يمثل اليوم ثقافة جديدة في المجتمع بل أصبح عنوانا للفلسفة السياسية والاجتماعية الجديدة التي تكشف عن عدم كفاية النموذج الليبرالي، لكن من جهة أخرى يمكن اعتبارها تعزيزا لهذا النموذج بإقرارها لقيم المساواة والحرية اللتان تشكلان أساس النظرية الليبرالية. بالإضافة إلى ذلك فإن مفهوم الاعتراف لا ينبغي النظر إليه كغاية في ذاته مادام يعد بمثابة مقدمة لمشاريع جديدة وكما يقول بول ريكور فإن الاعتراف يجب أن يحمل على القدرات وليس على الهويات المغلقة.(1)
1- الجذور الفلسفية لمفهوم الاعتراف
يفرض البحث الفلسفي في فلسفة الاعتراف، أن نحاول تأصيل المفهوم؛ بمعنى أن نتتبع- قدر الإمكان- الجذور الفلسفية التي تكشف عن بدايات تموضعه كمبحث فلسفي. إنّ التعدد والكثافة في علاقة بالأطروحات التي تناولت هذا المفهوم، فرضت على الباحثين، تكثيف فلسفة الاعتراف في اتجاهين أو رؤيتين؛ الاتجاه الأول يُرجع تكوُّن وتطور فلسفة الاعتراف إلى المثالية الألمانية ممثلة في "فيخته" (1762-1814) كمؤسس وفي فلسفة "هيغل" (1770-1831) كاكتمال لهذا التأسيس. أما الاتجاه الآخر، فإنه يعود إلى لحظات تأسيسية سابقة وبالتحديد إلى "أفلاطون"(427 ق م- 347 ق م) و"كانط"(1724-1804) و"ديكارت" (1596-1650) مثلما هو الشأن مع "بول ريكور"(1913-2005). وفي مقابل هذين الاتجاهين، تبرز قراءات أخرى تجمع مفهوم الاعتراف من جانب لحظاته التأسيسية بمفكرين مثل "جون جاك روسو"(1712-1778) كأول من أصّل للاعتراف كفلسفة متكاملة. لتتبع معاني الاعتراف عند "روسو"، نقرأ ما كتبه "حسام الدين درويش": "يمكن أن نميز بين ثلاث دلالات أساسية لكلمة الاعتراف في النصوص الروسوية: الشعور بالعرفان أو الامتنان أو التعبير عن هذا الشعور ...الاعتراف أو الإقرار بحقيقة ما والتعرف إلى شيء أو شخص ما أو إعادة معرفته؛ فالمفهوم المركزي في فلسفة الاعتراف عند روسو هو مصطلح "الحب الشخصي".(2)
في تناول مفهوم الحب الشخصي عند "روسو"، نلاحظ الإحالة إلى حاجة الذات وسعيها ورغبتها في الحصول على استحسان الآخرين أو إعجابهم وتقييمهم الإيجابي. مسار جديد لفلسفة الإنسان يلخص بمقولة "غوته"(1749-1832): "مع فولتير انتهى العالم القديم، ومع روسو فإن عالما جديدا يبدأ". المفكر الآخر الذي اقترنت أعماله الفكرية بموضوع الاعتراف هو "هيغل" ليصبح موضوع الاعتراف "موضوعا مألوفا في الفلسفة الأوروبية". لقد عمق "هيغل" البحث في مفهوم الاعتراف حتى أصبح المرجع الرئيس والأكثر استنادا على فلسفته وخاصة مع "يورغن هابرماس" و"أكسل هونيث" من خلال تجربة التذاوت وديالكتيك التفاعل. هذا الدور الذي يلعبه المفهوم والمتمثل في خلق إمكانات واقع مغاير، كان العنوان الأبرز في الجهد الذي قام به "أكسل هونيث" من خلال اشتغاله على فلسفة الاعتراف.
2- الفلسفة الهيغلية: ديالكتيك التفاعل ومفهوم الاعتراف
يُحيلنا البحث في فلسفة "هيغل"، إلى التوقف عند موضوع الذات والصراع من أجل تشكّل الوعى (وعى الذات بذاتها)؛ فبين الذات كإرادة عند "فريدريك نيتشه"(1844-1900)، والذات كعقل عند "ديكارت"، نقف إزاء مقاربة خاصة عند "هيغل" لنتداول في مفهوم الذات كسيرورة تكوّن من خلال فعل التواصل مع ذوات مغايرة تحت عنوان: الصراع، والذي يرنو إلى تحقيق الاعتراف.
في هذا المعنى، يكتب "هابرماس" في: "العلم والتقنية كإيديولوجيا(3): "هيغل لا يربط تأسيس الأنا بتأمل أنا منعزلة على ذاتها، وإنما يدركه من سيرورات تكوّن وتحديدا تكوُّن الوحدة التواصلية لذوات متعارضة."
يُقيم "هابرماس" تمييزا بين العقلانية الأداتية والعقلانية التواصلية، حيث ينطلق من نقد معادلة "ماكس فيبير"(1864-1920) التي تتكثّف في مفاهيم "فقدان الحرية وفقدان المعنى" التي كانتا نتاجا لسيطرة نوع واحد من العقلانية وهي العقلانية الأداتية، حيث يتبنى المقاربة التي قدمها "جورج لوكاتش"(1885-1971)، والتي تتمثل في اعتبار أن الأداتية ليست سوى شكل من أشكال العقلانية وليست ممكناتها الوحيدة. من هذه الزاوية، أعاد "هابرماس" النبش في فلسفة "هيغل" بحثا عن أدوار ممكنة ومغايرة للذات.
هذه الإحالة المباشرة إلى الفلسفة الهيغلية وإحياء قراءتها مع "هابرماس"، تعود إلى أمرين: أولا، أن "هابرماس نجح في ما فشل فيه رواد مدرسة فرانكفورت الأوائل، "ماكس هوركهايمر"(1895-1973) و"تيودور أدورنو"(1903-1969) و"هربرت ماركوز"(1898-1979)، وقدم نموذجا نظريا جديدا لم يتجاوز به الماركسية فقط، وإنما تجاوز به النموذج السائد في الفلسفة الحديثة والمعاصرة منذ "ديكارت" وإلى ما قبل النظرية النقدية، والذي يسميه بنموذج فلسفة الوعى بنموذج جديد هو فلسفة الذات".(4)
هذا المنعطف النقدي للنظرية الكلاسيكية، قام "هابرماس" بتوظيفه في سياق إعادة استنطاقه للعلاقات الممكنة للذات داخل حدود عالم العقلانية. وقد اعتمد في بحثه هذا على الرؤية الهيغلية لما يسمى بالتذاوت، حيث تخوض الذات صراعا من أجل الاعتراف.
التقط "هابرماس" هذه الأطروحة انطلاقا مما يعرف عند "هيغل" بديالكتيك التفاعل، وقام بقلب شروطه(الصراع) من خلال الاعتماد على فلسفة اللغة سعيا نحو تحقيق العقلانية التواصلية وحتى يكون الحاصل ممثلا في التفاهم كبديل على مآلات ونتائج جدلية السيد والعبد كما حددها "هيغل".
الأمر الثاني الذي يبرر تناولنا لمسألة الذات من خلال الربط بين "هيغل" والشروحات الذي قدمها "هابرماس"، يتمثل في المقاربة التي اعتمدها "أكسل هونيث"، والتي تتمظهر في انطلاقه من البراديغم الهابرماسي ونعني به التفاهم، واستبداله ببراديغم الاعتراف، معتمدا في ذلك على قراءة للذات كما صاغها "هيغل" ولدور فلسفة اللغة كما حددها "هابرماس".
من المهم أن نطرح، بنية النظام الفلسفي وفق المقاربة الهيغلية، فنشير إلى ثلاثية: المنطق وفلسفة الروح المطلق ومبدأ الجدل، حيث يحيل المنطق على الأنطولوجيا، في حين تشير فلسفة الروح المطلق إلى الله والدين. أما عن الجدل، فقد قدّم "هابرماس" من خلال قراءته لرسائل "يينا" ل "هيغل" الشاب، الأنماط أو التفريعات الكبرى له والمتمثلة في: ديالكتيك العمل والذي يعني علاقة أداتيه بين الإنسان والطبيعة، ثم ديالكتيك التمثيل، والذي يرتبط بالذات، وأخيرا ديالكتيك التفاعل والذي يتمظهر من خلال العلاقة بين الذوات، والتي تبرز من خلال ديالكتيك الصراع من أجل الاعتراف والاعتراف المتبادل.
في كتاب "فينومينولوجيا الروح".(5)، يحلل "هيغل" جدلية الصراع بين السيد والعبد، حيث يأخذ هذا الصراع أهمية محورية في علاقة بتشكل الوعى بالذات. ووفق ما تقدم، تطرح هذه الأهمية دورا مزدوجا: من جانب أول، فالوعي يبحث عن نفسه داخل ذات أخرى وبذلك تنشأ علاقة التواصل. ومن جانب آخر، تجد الذات نفسها في الآخر. ومن هنا يولد الصراع الذي ينتهي بطرف منتصر (السيد) وطرف منهزم (العبد). ويبقى شرط الحصول على الاعتراف مُتوقفا على عدم موت أحد الطرفين؛ لأن ذلك يعني فقدان الوعى الذاتي لفرصته في الحصول على الاعتراف، مما يجعل الاعتراف والبقاء أو الحضور كمتلازمة شرطية أحدها غاية والآخر نتيجة.
حسب هذا الطرح الهيغلي، يكون السيد هو ذاك الذي يدمر الاعتماد على الحياة، في حين أن العبد هو ذاك الذي يفضّل الحياة على الموت ويمتنع عن تدميرها. في هذا المعنى، يكتب "هابرماس": "يعتمد "هيغل" ديالكتيك الأنا والآخر في إطار التفاعلات الذاتية للروح. في حين لا تتواصل الأنا مع ذاتها بوصفه آخرها، وإنما أنا مع أخرى بوصفها آخر." (6)
من خلال هذه المقولة، نتبين أن مفهوم الاعتراف يُعبّر عنه من خلال تفاعلات الذات والمتمثلة في تواصل الأنا مع ذاتها ومع أنا مغايرة، حتى يتحقق وعى الذات بذاتها. هذا التفاعل يرنو نحو تحقيق الاعتراف من خلال جدلية السيد والعبد التي عبر عنها "هيغل".
إذا كان التأسيس لفلسفة الأخلاق وفق الرؤية التي قدمها "ايمانويل كانط"، تستند إلى العقل الترنسندنتالي مع التنصيص على التمييز بين الواجب الشرطي والواجب الأخلاقي، مثلما بيّن ذلك في "تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق"(7)، فإن فلسفة الأخلاق الهيغلية تأسست على معنى الصراع من أجل الاعتراف، حيث يعني "مفهوم هيغل عن الأنا بوصفها هوية العام والمفرد، إنما هو نقيض الوحدة المطلقة للوعى الخالص العائد إلى ذاته للإدراك الأصلي الذي ثبت عليه "كانط" بالإجمال هوية الوعى. لم تنشأ الخبرة الأساسية للديالكتيك التي أطلقها "هيغل" في مفهوم الأنا أصلا كما نرى من مجال خبرة الوعى النظري، وإنما العملي." (8)
بهذا الشكل، أصبح القول في الذات مع "هيغل" متمركزا في معنى وعيها بذاتها الذي تجده في الآخر حتى تؤسس لمقومات إدراكها للوجود في بُعديه المجرد والمشخص. ومن خلال مسلسل تشكل الروح عبر عملية التذاوت بفعل ديالكتيك التفاعل، يتحقق الاعتراف بالذات عبر جدلية السيد والعبد.
3- يورغن هابرماس والتفاهم كغاية للفعل التواصلي
نقرأ في مقدمة كتاب "نظرية الفعل التواصلي"(9)ما يلي: «عرض هابرماس نظرية نقدية عن الحداثة تسمح بتشخيص أمراضها وتحليلها على نحو يعيد توجيه مشروع الأنوار الجهة الواعدة عوض التنكر له والتخلي عنه". (10)
نلمس من خلال هذه المقولة، مع استرداد توابعها التفصيلية، كيف تعامل "هابرماس" مع الموقف الذي يقول بانتهاء الحداثة وزوال سطوتها، وبين الرؤية التي لازالت عالقة في قلب الحداثة وتستعرض سلبياتها استنادا إلى العقلانية المفرطة التي تُميزها.
يعتبر "هابرماس" أن الحداثة مشروع لازال يبحث على اكتماله، وهو بذلك ينفتح على ممكنات أخرى اعتبارا إلى أن للعقلانية أشكالا متعددة، وبالتالي مآلات مغايرة. وقد تركز بحثه على نقطة مفصلية تتمثل في قلب معادلة الصراع داخل الفضاء العمومي. وللإشارة، فإن سيرورة بناء مفهوم الفضاء العمومي عند "هابرماس"، قد مرت بمحطات عديدة منها ما اتصل بمقاربة "حنا أرندت"(1906-1975) ومنها ما كان عامل تأثير فكري على "هابرماس" مثل الماركسية الأوروبية والانغلاق السياسي. كذلك ظهور الفاشية في جزء من أوروبا، والتأثير العميق للنقد الذي وجهته "نانسي فريزر" (1947-...) للفضاء العمومي بمميزاته الهابرماسية، ثم قراءته المعمقة للمفهوم الكانطي للفضاء العام. وأخيرا، تعاطيه مع الديمقراطية الغربية من خلال نقده للديمقراطية التشاركية.
بالعودة إلى مسألة الحداثة وفق رؤية "هابرماس"، نلمس أثر الفكر الذي قدمه "تالكوت بارسونز" (1902-1979) في علاقة بمخرجات الحداثة أو بما انبثق عنها، حيث سيطرت ثلاثة أنساق، وهى: النسق الاقتصادي، النسق الثقافي والنسق السياسي. ويعتبر "هابرماس" بأن الحداثة السياسية بمعنى هيمنة النسق السياسي مكّن من بروز هيمنة عَلموية على الفعل الإنساني. لذلك وجب حل الإشكالية السياسية للحداثة عن طريق إحلال نموذج العقلانية التواصلية محل العقلانية الأداتية التي أنتجت فعل الهيمنة والإخضاع.
من هذه الزاوية، زاوية عالم الهيمنة، يبحث "هابرماس" عن العوالم التي تُموضع الانسان داخلها ويتأثر بزوايا تفاعلاتها وخصائصها، فيعود إلى مقاربة "إدموند هوسرل" في الجانب المتعلق بالحديث عن العالم المعيش أو عالم التجربة الذاتية. هذا العالم الذي يلح "هابرماس" على عقلنته دون الاعتماد في ذلك على آليات عقلنة النسق كما تظهر في الاقتصاد والسياسة مع "ماكس فيبير".
يخلص "هابرماس" إلى المعادلة التي تقول بأن العلاقة بين الذات والموضوع هي جزء من العلاقة بين الذوات، أو ما يُعبر عنه بالتذاوت، وفي هذا إحالة مباشرة إلى "هيغل" وفعل التذاوت.
من هذه العلاقة (بين الذات والموضوع)، يقيم "هابرماس" تمييزا بين ثلاثة عوالم: العالم الذاتي، العالم الموضوعي المشترك والعالم الاجتماعي المشترك.
العالم الذاتي هو عالم العقل التأملي التحرري. أما العالم الاجتماعي المشترك، فهو عالم العقل التواصلي بتمظهراته كعقل استراتيجي وعقل تواصلي. فيما يخص العالم الموضوعي المشترك فهو عالم العقل الأداتي كما يبدو عليه هذا العقل بصيغته التقنية الأداتية والتجريبية.
من جانب آخر، يعتبر "هابرماس" أن مواطن القصور في فكر "ماكس فيبير"، هو عدم التفريق بين الأنظمة الثقافية للفعل وبين الأنظمة الاجتماعية، واستنادا إلى تمايز هذه الأنظمة وهذه العوالم، وعلى أنقاض الرؤية التي يقدمها "ماكس فيبير" إلى الحداثة باعتبارها عقلنة للمقدس، يطرح "هابرماس" مقاربته التي تقول بأن الحداثة هي لغونة للمقدس.
بهذه الكيفية، ينزاح القول الهابرماسي نحو الاعتماد على اللغة كأساس للفعل التواصلي نظرا إلى الأدوار التي تضطلع بها والتي يحددها ب: الحقيقة والصواب المعياري وصدق التعبير عن الذات، فيستنطق منجزات فلسفة اللغة مع "تشارلز موريس"(1903-1979)، "ساندرز بيرس"(1839-1914)، "رودولف كارناب"(1891-1970)، "لودفيغ فيتغنشتاين"(1889-1951)، "جون أوستن"(1911-1960)، "جون سيرل"(1932-...) وغيرهم ممن أسبغوا على اللغة معاني وممكنات جديدة لم تكن متداولة داخل المبحث الفلسفي.
إن الغاية من الفعل التواصلي هو الوصول إلى التفاهم، "يحيل مفهوم الفعل التواصلي على التفاعل الذي ينشأ بين ذاتين على الأقل، قادرتين على الكلام والفعل ومنخرطتين في علاقات شخصية، سواء كانت هذه العلاقات بوسائل كلامية أو غير كلامية. وينبغي أن يكون هدف الفاعلين هو بلوغ التفاهم حول الوضع الذي يتناوله فعلهما وحول الخطط التي يصدران عنهما في إنجاز هذا الفعل للوصول سويا إلى تنسيق أفعالهما بطريقة توافقية." (11)
بهذا المعنى، يصبح الفعل التواصلي سبيلا إلى التفاهم بعد توسّط التوافق بين الذوات المتكلمة أو غير المتكلمة. نشير في هذا السياق إلى التأثر المعرفي ل"هابرماس" بمقولات "كارل أوتو آبل" (1922-2017)حول الحجاج والتواصل(12)
على الرغم من النقد الذي وجهته "سيلا بن حبيب" (1950-...) نحو مقولات "هابرماس" حول الحجاج (13)فإن نظرية الفعل التواصلي، والتي ترتقي عند "هابرماس" إلى سلطة تقابل السلطة الإدارية؛ وذلك في خضم عرضه لفلسفته السياسية ودراسته للعلاقة بين القانون والديمقراطية، بصورة تصبح معها سلطة التواصل إحدى الممكنات الضرورية التي يُنتجها، بل وتُنتج الفضاء العمومي، باعتباره مسرح عمليات التواصل وإنتاج براديغم التفاهم.
هذا الجمع بين عالم النسق وعالم الحياة، مع المحافظة على مميزات كل واحد على حدة، والاعتماد على فلسفة اللغة، مكّن من إنتاج الفعل التواصلي الذي يُحيل على التفاهم. وبهذا الشكل، تصير فرضية تحقيق التحرر كغاية للحداثة السياسية أو بما هي حل لمشكلة الحداثة السياسية، تتمتع بنسبة عالية من حظوظ التحقق.
يقدم هابرماس تحديدا علائقيا لبراديغم التواصل، حيث يكتب: "إن لنظرية التواصل علاقة وثيقة جدا بالمسائل التي تطرحها نظرية التطور الاجتماعي"(14)
قام أكسل هونيث بفحص مخرجات النظرية التواصلية عند هابرماس دعاوى الصلاحية والقيم المعيارية التي أصّل بمقتضاها لنظرية الفعل التواصلي ومفهوم الفضاء العام، وكشف من خلالها عن قصور الديمقراطية التشاركية التي أحل محلها نموذج الديمقراطية التداولية. كما بحث في تفكيك النصوص الما بعد حداثية مثلما هو الشأن مع بيير بورديو (1930-2002) وميشال فوكو (1926-1984) مستعينا في إعادة تحيينه للمفاهيم بمدارس أخرى نذكر منها مدرسة علم النفس الاجتماعي ممثلة في التفاعلية الرمزية.
***
عامر عبد زيد الوائلي
........................
(1) الزواوي بغورة، من أجل مفهوم جديد للعدل، دراسة في الفلسفة الاجتماعية". دار الطليعة،ط1، بيروت، ص23.
(2) حسام الدين درويش: جان جاك روسو والاعتراف: تمهيد في مشروعية دراسته فلسفيا وعربيا، مجلة تبين للدراسات الفكرية والثقافية، العدد 10 المجلد الثالث، خريف 2014، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ص15
(3) يورغن هابرماس، العلم والتقنية كإيديولوجيا، ترجمة حسن صقر، (ألمانيا: منشورات الجمل، 2003). ص10
(4) هشام عبد النور، ثقافة المقاومة: نظرية التحرر عند هابرماس(بيروت: 2007). ص 318
(5) فردريش هيغل، فينومينولوجيا الروح، ترجمة وتقديم ناجي العونلي (بيروت: دار المنتخب العربي، 1994).
(6) يورغن هابرماس، العلم والتقنية كإيديولوجيا، ترجمة حسن صقر(ألمانيا: دار الجمل، 2003). ص 10
(7) إيمانويل كانط، تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة وتقديم عبد الغفار مكاوي، مراجعة عبد الرحمان بدوي (ألمانيا: منشورات الجمل، 2002).
(8) يورغن هابرماس، العلم والتقنية كإيديولوجيا، ترجمة حسن صقر(ألمانيا: دار الجمل، 2003). ص17
(9) (YOURGEN HABERMAS, THE THEORY OF COMMUNICATIVE ACTION (BEACON PRESS
(10) IBID. p 86
(11) (IBID. p 86
(12) كارل أوتو آبل، التفكير مع هابرماس ضد هابرماس، ترجمة وتقديم عمر مهيبل (بيروت: الدار العربية للعلوم، منشورات الاختلاف، المركز الثقافي العربي: 2005
(13) (SEYLA BENHABIB, SITUATING THE SELF(ROUTLEDGE: 1992
(14) يورغن هابرماس، بعد ماركس. ترجمة محمد ميلاد (بيروت: دار الحوار، 2002). ص21








