أقلام حرة
أكرم عثمان: رحلة العمر بين مرور الأيام وصناعة الأثر
مضى عام وأوشك على الإنتهاء، مضى بكل ما حمله في طياته من نجاحات وإخفاقات، بإيجابياته وسلبياته، بحلوه ومره، بابتساماته وعبوسه، بحروبه وظلمه وجبروته وغياب الأبعاد الإنسانية والأخلاقية والقانونية والحقوق، بألفة تجمع الناس أو تمزق شملهم ووحدتهم، بصداقات تبنى أو عداوات تنهك، بأناس عاشوا وآخرون افتقدناهم، بكل ما قد يَظهر للعلن أو يبقى طي الأسرار والكتمان في القلوب والصدور والعقول والأفكار.
مضى عام، ومن قبله أعوام خلت، يأخذ كل منها من أعمارنا جزءاً، وينحت في عقولنا وأفئدتنا الكثير من الفرح والهناء، أو الألم والعناء. وما أجمل ما قال الشاعر:
دقات قلب المرء قائلةٌ له إن الحياة دقائقٌ وثواني
أيامنا معدودة، تنقص ولا تزيد، وإذا ذهب يوم فلا عودة له. قال الحسن البصري رحمه الله:
"يا ابن آدم، إنما أنت أيام، إذا ذهب يوم ذهب بعضك"
وقال ابن القيم رحمه الله:
"إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن الموت يقطعك عن الدنيا وأهلها، وإضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة".
بائع الثلج المسكين !!! ذكر ابن الجوزي في كتابه (المدهش) أن رجلاً كان يبيع الثلج، فكان ينادي عليه فيقول: «ارحموا من يذوب رأس ماله»! لقد كان هذا الرجل يستدِر عطف الناس وأموالَهم بأن بضاعته تذوب مع الوقت فتفنى؛ فلو لم يبع الثلج لذاب، ولضاع رأس المال، فهو ينادي في السوق: «ارحموا من يذوب رأس ماله» أي: اشتروا مني الثلج وإلا ذاب وضاع رأس مالي كله. ارحموا من يذوب رأس ماله اغتنم الأيام المعدودات.. قال واحد من السلف الصالح: لقد قرأت سورة "العصر" عشرين عاماً ولا أفهم معناها.. هنا فهمت أن هذا هو معنى القسم في سورة "العصر".. فرأس مالك في الدنيا هو عمرك.. واللحظة التي تمر من عمرك لن تعود ثانية.. فكل واحد منا يذوب رأس ماله.. فانتبهوا لرأسِ مالكم وهو الوقت الذي تحيا فيه.. قبل أن ينتهي الأجل..
تمضي الأيام والسنون دون أن نوليها ما تستحق من انتباه أو محاسبة. تمر الخبرات والتجارب ونحن غافلون عن الاستفادة منها وتقويم أخطائنا، فلا ينبغي أن نجعل الماضي سياطاً لجلد الذات، ولا نعيش أسرى الندم، بل نتخذه نبراساً يهدينا إلى طرق السلام، لا عائقاً يشدنا للخلف ويحبسنا في دوامة الحزن وكأبة الأيام.
من جمال الفعل الإنساني أن نجعل ما مضى جسراً إلى ما هو آتٍ، طريقاً معبداً يقودنا نحو مستقبل أفضل لنا ولأبنائنا، دافعاً إيانا للاستمرار رغم التحديات. فالماضي مدرسة نتعلم منها، نثبت فيها ما أحسنا فعله، ونعالج ما أخطأنا فيه، ونبدله بالأفضل الذي يدفعنا للأمام.
لقد أثبتت الدراسات أن ما بين 40% إلى 60% من الأمراض الجسدية — كأمراض القلب والضغط والسكري والقرحة والسرطان — هي نفسية المنشأ، فضلًا عن اضطرابات القلق والاكتئاب وغيرها مما يعصف بحياة الإنسان ويشوه نظرته وصورته لنفسه وللعالم. من حوله
لهذا، تصبح إدارة الوقت والعمر بوعيٍ وحكمة أمراً حاسماً في سعادتنا وتوازننا. قال ابن مسعود رضي الله عنه: "ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي".
فكيف لو استثمرنا أيامنا في مضاعفة نجاحاتنا وتجاوز إخفاقاتنا ووضع آليات تمنع تكرارها؟
الخطأ ليس عيباً في حد ذاته، إنما العيب أن نكرره دون مراجعة أو تصويب.
فلنزرع الجمال واللطف والإيجابية في نفوسنا وفيمن حولنا، ونبتعد عن السوداوية والتشاؤم. ولنتذكر أن الإنسان يخطئ، وبإمكاننا دائماً إعادته للصواب بلطف الكلمة وحكمة الفعل. فالمحبة والابتسامة الصادقة بلسم يشفي الجراح ويعيد الألفة والطمأنينة بين القلوب.
إن صادفنا في أعوامنا ما آلمنا، فلنجعل مرارته دافعاً للترميم، وباباً جديداً للمصالحة والعفو والتسامح، وبناء القوة داخل الأسرة والمجتمع. فالعيش بود وإخاء وتعاون أعظم بكثير من التنازع الذي لا يحرق إلا أصحابه.
إن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا؛ دين واحد، وطن واحد، وقواسم عظيمة لا تقاس بتفاهة الخلافات العابرة أو نزوات أنانية قصيرة الرؤية والمصالح الفردية. فالاتحاد قوة، والتفرق تمزق وضعف، كما أثبتت الأمم المتقدمة حين جعلت الاندماج سبيلاً للقوة والديمومة، بينما تبقى الشعوب التي تنهكها الصراعات رهينة التبعية والانقياد.
فلنجعل من الأعوام الماضية نقطة انطلاق نحو أعمار تثمر خيراً وبراً.
وكل عام وأنتم بخير، من صناعة الأمل لا من أسر الألم.
***
بقلم: د. أكرم عثمان
1-1-2026







