أقلام حرة

رافد القاضي: الزمن المحفور في الزوايا

المكان والذاكرة والسرد الشخصي

المكان يحمل في ثناياه كل ما عشته كل ما شعرت به كل همسة فرح وكل دمعة حزن وهو ليس مجرد فراغ نتحرك فيه بل هو عالم حي يتنفس معنا يشهد خطواتنا ويسجل أصغر التفاصيل التي قد نظن أنها عابرة، لكنه في الحقيقة يحمل مفاتيح فهمنا لأنفسنا وللعالم الذي نعيش فيه وأحيانًا حين أسير في شارع قديم أو أعود إلى بيت طفولتي أشعر وكأن جدرانه تتحدث بصمت وكأن الأركان تنطق بذكريات لم تمحها السنوات وكأن كل ضوء يسلل من نافذة وكل ظل يتراءى على الأرض يحمل قصة لم تُروَ بعد قصة عني أنا وعن الآخرين وعن لحظة واحدة من الزمن ربما لم ينتبه لها أحد، لكنها كانت حية في وجدان المكان.

المكان هنا يصبح ليس مجرد خلفية للأحداث بل شريكًا في السرد يشارك في تشكيل الأحداث يوجه المشاعر يحرك الذكريات ويحفز التأمل وأجد نفسي أستعيد تفاصيل لم أكن أظن أنها مهمة رائحة الخشب القديم حفيف الريح بين الأشجار صوت خطوات أحدهم على الرصيف، حتى أصوات المدينة البعيدة التي كنت أسمعها وأنا صغير كل ذلك يعود إليّ في نصوصي الشخصية وكأنها شعلة مضيئة تنير لي الطريق بين الماضي والحاضر.

الزمن في هذا المكان ليس خطيًا بل هو متشابك ومتموج يتداخل فيه الحاضر بالماضي بطريقة لا تشبه أي حساب زمني دقيق، بل تشبه إحساسًا داخليًا بالوجود والرحلة وعندما أكتب عن يومياتي، عن اللحظات التي تبدو بسيطة أكتشف أن كل تلك التفاصيل الصغيرة تحمل معاني عميقة ونظرة عابرة من شخص لا أعرفه، ابتسامة طفل همسة الريح بين أغصان الشجر كل ذلك يصبح جزءًا من نصوصي، جزءًا من تجربتي الذاتية التي أحاول فهمها وتفسيرها. هذا السرد الشخصي يجعل اللحظة حية يخلق رابطًا بيني وبين المكان بيني وبين نفسي، وبين القارئ الذي ربما يشعر بما شعرت به في تلك اللحظة وكأن النص يفتح له نافذة على وجداني.

الذاكرة هنا تلعب دورها الكامل، فهي ليست مجرد استدعاء للأحداث بل هي إعادة تجربة الشعور الكامل بكل تفاصيله وأستطيع أن أشعر برائحة المطر على الأرض بعد سنوات، أن أسمع صدى ضحكات أصدقاء الطفولة أن أستحضر لون السماء عند غروب أحد الأيام التي لم أكن ألاحظ فيها أي شيء سوى صمت داخلي يملأ المكان كله وهذه القدرة على استدعاء الذكريات على إحياء اللحظات القديمة تجعل المكان أكثر من مجرد مساحة وتجعل النص الشخصي أكثر من مجرد حكاية، بل تجربة حياتية متكاملة تجربة تشعر بها بكل حواسك تجربة تتحرك فيها بين الماضي والحاضر بين المكان والروح بين الذاكرة والوجود.

هناك شيء غريب وعميق يحدث حين نتوقف عند هذه المشاهد اليومية فالأشياء التي كانت عادية تبدو فجأة مليئة بالمعنى أصغر التفاصيل تصبح دروسًا تعكس علاقاتنا مع الآخرين تثير تساؤلات عن هويتنا عن الزمن عن الطريقة التي نعيش بها حياتنا وربما يكون ضوء شمس ينسل من نافذة الغرفة القديمة أو صوت خطوات على رصيف متصدع، أو رائحة خبز في أحد الصباحات البعيدة كل ذلك يصبح نافذة لفهم أوسع للوجود والمكان هنا ليس ثابتًا بل يتحرك معنا يتغير بتغيرنا يحمل ذكرياتنا ويخزنها في طياته ليعيدها لنا في لحظات التأمل والكتابة.

إن السرد الشخصي الذي يتعامل مع المكان والذاكرة لا يكتفي بالسرد السطحي للأحداث بل يحقق تفاعلًا حيًا بين الإنسان وما حوله وحين أصف غرفة في البيت القديم لا أصف الجدران فقط بل أصف ما تحمله من صدى ضحكاتي من أصوات أمّي وأبيّ من رائحة الكتب القديمة التي كانت تنتشر في كل ركن من الشعور بالأمان أو الحنين الذي شعرت به وأنا أجلس هناك ساعات طويلة أتأمل العالم من نافذة صغيرة وكل هذه العناصر تجعل النص معيشًا نابضًا بالحياة ومفتوحًا لتجربة القارئ الخاصة.

وعندما أمشي في الشارع العام ألاحظ التفاصيل الدقيقة للمدينة ألوان المحلات ضحكات الأطفال أصوات السيارات حركات الناس كل ذلك يصبح جزءًا من نصي وكل حركة تحمل معنى وكل التفاصيل اليومية تتحول إلى رموز إلى إشارات لفهم الحياة للسؤال عن علاقاتنا عن تجاربنا عن طرقنا في التعامل مع العالم والحياة اليومية البسيطة، التي نمر بها عادة دون الانتباه إليها، تصبح عند الكتابة عنها مصدرًا لا ينضب للفهم والتأمل لأنها تعكس الصدق الكامل لتجربتنا البشرية بعيدًا عن المبالغة أو التصنع.

الذاكرة هنا تصبح جسرًا بين الماضي والحاضر بين اللحظة التي نعيشها واللحظات التي مرت بنا والنصوص الشخصية هي المكان الذي يمكن أن تعبر فيه هذه الذكريات بحرية أن تنبض بالحياة مجددًا أن تحمل كل ألوان المشاعر والأفكار. وحتى أصغر تفاصيل الحياة اليومية تصبح عند هذه الكتابة مشاهد عميقة للتجربة الإنسانية.

في النهاية عندما أعود إلى هذه النصوص أشعر أن كل مكان كتبته، كل شارع، كل بيت كل لحظة يومية ليس مجرد ذكرى أو وصف، بل رحلة كاملة في الزمن رحلة بين نفسي والمكان بين ذكرياتي والعالم من حولي والنصوص الشخصية عن المكان والذاكرة تمنحنا القدرة على استعادة الزمن على فهم أعماق مشاعرنا، على رؤية العالم من منظورنا الخاص على أن نعيش التجربة كاملة بكل حواسنا لا مجرد سرد الكلمات وإنها تجربة تفتح لنا نافذة على النفس والوجود تجعل من كل زاوية وكل ضوء وكل صوت نافذة للحياة وتجعل من الكتابة رحلة مستمرة عبر المكان والذاكرة رحلة لا تنتهي رحلة تستمر معنا في كل لحظة في كل خطوة في كل نفس نتنفسه في كل لحظة نعيشها.

وهكذا يصبح المكان ليس مجرد موقع بل روح متحركة والذاكرة ليست مجرد استدعاء بل حياة ثانية نعيشها مرة أخرى والسرد الشخصي ليس مجرد حكاية بل رحلة متواصلة عبر الزمن والوجود والوعي رحلة تجعل من حياتنا اليومية نصًا عميقًا وممتدًا نصًا يحمل كل الألوان كل المشاعر كل التفاصيل نصًا يعكس الإنسان بكل أبعاده بكل خباياه بكل أحلامه وآلامه، نصًا يظل حيًا طالما نحن أحياء، طالما نستعيد اللحظات طالما نكتب طالما نتذكر طالما نعيش.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

في المثقف اليوم