أقلام حرة

رافد القاضي: حين يتحوّل الضحك إلى إهانة.. بيان في كرامة الوجوه

لا تضحك في وجهي، ليس لأن الضحك جريمة، بل لأن بعض الضحكات تُشبه الصفعة حين تأتي في غير موضعها بل ثمة ضحك لا يولد من الفرح، بل من الفوقية، من شعور خفي بالتفوق، من رغبة مبطنة في كسر شيء ما في الداخل، ثم الادعاء بأن الأمر لم يكن سوى مزاح. هكذا تبدأ الإهانة غالبًا: خفيفة، مبتسمة، ناعمة الأطراف لكنها تعرف طريقها بدقة إلى أكثر النقاط هشاشة في الروح.

في هذا العالم، لم تعد الإهانة تحتاج إلى صراخ. يكفي أن تضحك في وجه إنسان وهو يتكلم بجدية، وهو يحاول أن يشرح ألمه، أو يدافع عن فكرة أو يبرر موقفًا لم يختره أصلًا والضحك هنا لا يكون تعبيرًا عن خفة الدم، بل إعلانًا صامتًا: أنا لا أراك ولا أراك جديرًا بأن أستمع إليك وإنها لحظة قصيرة لكنها كافية لتعيد ترتيب ميزان الكرامة داخل النفس.

الوجوه ليست صفحات بيضاء. كل وجه يحمل تاريخًا غير مكتوب: ليالي قلق خيبات مؤجلة أحلام أُجبرت على الصمت كي لا تُتَّهم بالسذاجة وحين تضحك في وجه شخص، فأنت لا تضحك على جملة قالها بل على كل هذا التاريخ المتراكم خلف عينيه وربما لهذا السبب يتغير شيء ما في النظرات بعد تلك الضحكة؛ شيء ينكسر ولا يعود كما كان.

تعلمنا المجتمعات، بوعي أو بدونه أن نقلل من شأن الآخر بلباقة وأن نُهين دون أن نُحاسب وأن نبتسم ونحن نطعن وصار الاستهزاء مهارة اجتماعية، وصار التقليل من الآخر دليل ذكاء في بعض المجالس ومن يرفع صوته يُدان ومن يسخر يُصفَّق له. كأن الوقار صار ضعفًا والاحترام سذاجة والصمت علامة عجز لا اختيارًا واعيًا.

لكن الإنسان، مهما بدا متماسكًا، لا ينسى الإهانات الصغيرة وتلك التي لا تُكتب في محاضر، ولا تُروى في القصص الكبيرة لكنها تبقى كشوكة تحت الجلد ولا تُميت، لكنها تُوجع مع كل حركة وضحكة واحدة في غير موضعها قد تجعل المرء يعيد النظر في نفسه، لا لأنه مخطئ، بل لأنه اعتاد أن يحمّل نفسه ذنب قلة احترام الآخرين له.

لا تضحك في وجهي، لأنني أعرف الفرق بين الضحك معي والضحك عليّ وأعرف متى يكون الضحك مشاركة، ومتى يكون إقصاءً متنكرًا في هيئة خفة وأعرف متى يكون الجلوس إلى جانبي اعترافًا بوجودي ومتى يكون انتظارًا للحظة سقوط كي يُعلن الضحك انتصاره الرخيص.

الضحك الحقيقي لا يُقلّل، لا يعلو فوق أحد لا يحتاج إلى ضحية ليكتمل. أما الضحك الذي يتغذى على كسر الآخرين فهو ضحك هشّ، يخفي خوفًا عميقًا من الندّية ومن يضحك ليُهين، يفعل ذلك لأنه لا يحتمل فكرة أن يكون الآخر مساويًا له في القيمة أو ربما متقدمًا عليه في الصدق.

في عالمٍ يطالبنا دائمًا بأن “نكون أقوياء” ننسى أن القوة الحقيقية تبدأ من احترام الضعف الإنساني، من الإصغاء بدل السخرية من الصمت حين لا يكون الكلام إلا أذىً إضافيًا. ليس كل ما يُقال يستحق ردًا وليس كل ما يُضحك يستحق ضحكة.

لا تضحك في وجهي، لأنني لست مسرحًا لعقدك المؤجلة ولا مساحة لتفريغ إحباطاتك اليومية وإن أردت الضحك فاضحك مع من يشاركك الفرح، لا مع من يقف أمامك أعزل إلا من كرامته فالكرامة حين تُجرح لا تصرخ لكنها تنسحب بهدوء ومعها ينسحب شيء من الإنسانية المشتركة.

وهنا، في هذا الانسحاب الصامت، تبدأ الحقيقة بالظهور فليس كل صمت قبولًا وليس كل ابتسامة رضا وكثيرًا ما تكون الوجوه مهذبة أكثر مما ينبغي، وتصمت لا لأنها لا تشعر، بل لأنها تعرف أن بعض المعارك تُربح بالانسحاب لا بالمواجهة ولكن هذا الانسحاب لا يعني النسيان بل يعني أن الذاكرة قررت أن تحفظ ما حدث كدرس لا كحكاية عابرة.

وفي النهاية، لا يبقى من كل هذا الصخب سوى لحظة صافية يواجه فيها الإنسان نفسه ولحظة يدرك فيها أن الكرامة ليست شعارًا يُرفع ولا كلمة تُقال عند الغضب بل إحساس داخلي دقيق، ينكسر بصمت ويُرمَّم بصمت، ويُهان أحيانًا بابتسامة عابرة أكثر مما يُهان بسكين واضحة وهنا نفهم أن الضحك ليس فعلًا بريئًا دائمًا، وأن الوجوه ليست مجرد ملامح، بل حدود أخلاقية غير مرئية.

لقد اعتدنا أن نمرّ فوق مشاعر الآخرين بخفة، أن نبرر القسوة بالمزاح، وأن نغلف الاحتقار بالابتسام. اعتدنا أن نقول: «لم أقصد»، وكأن القصد وحده هو ما يصنع الأذى متناسين أن الأثر أصدق من النية وأن ما يُكسر في الداخل لا يسأل عمّن قصد ومن لم يقصد. هكذا تتراكم الإهانات الصغيرة وتتحول إلى جدار صامت بين البشر، جدار لا يُرى لكنه يمنع الدفء، ويمنع الثقة، ويجعل كل اقتراب محفوفًا بالحذر

وحين نقول: لا تضحك في وجهي، فنحن لا نطلب صمتًا أبديًا، ولا وجوهًا عابسة بل نطالب بحدٍّ أدنى من الاعتراف ونطالب بأن يُنظر إلينا لا بوصفنا مادة للتسلية ولا هامشًا في حكاية غيرنا، بل كذوات كاملة لها ثقلها وتجربتها، وألمها الذي لا يحتاج إلى شهادة من أحد ليكون حقيقيًا ونطالب بأن يكون الضحك جسرًا لا جدارًا مشاركة لا إلغاء إنسانية لا استعراضًا فارغًا.

إن أخطر ما في الإهانة المغلّفة بالضحك أنها تُربك الإنسان تجعله يشك في حقه بالانزعاج، وتدفعه إلى محاسبة نفسه بدل محاسبة الفعل وهنا تُرتكب الجريمة الكاملة: حين يُقنع الإنسان بأن عليه أن يبتلع الإهانة كي لا يبدو حساسًا، وأن يصمت كي لا يُتهم بالمبالغة وعندها، لا تُهان كرامته مرة واحدة بل تُدرَّب على التراجع خطوة بعد خطوة.

لكن الوجوه، مهما طال صبرها تعرف لحظة الاكتفاء وتعرف متى تكفّ عن الشرح ومتى تصمت لا ضعفًا بل حماية أخيرة لما تبقى من احترام الذات وحين يحدث ذلك لا يعود الضحك قادرًا على إصلاح ما كُسر ولا الاعتذار المتأخر يعيد ما ضاع. فالكرامة لا تحب الضجيج لكنها لا تقبل المساومة

لهذا يبقى هذا النص تذكيرًا لا تهديدًا وبيانًا هادئًا لا صراخًا وتذكير بأن أبسط أشكال الأخلاق هو أن تنتبه لوجه من أمامك أن تقرأ عينيه قبل أن تطلق ضحكتك، وأن تسأل نفسك بصدق: هل أضحك لأنني إنسان، أم لأنني أبحث عن تفوق لحظي على حساب إنسان آخر؟

فبين هذين السؤالين تتحدد المسافة الفاصلة بين الضحك بوصفه حياة والضحك بوصفه إهانة.

وفي عالم يزداد قسوة وتسارعًا، قد يكون أعظم أشكال النضج هو أن نختار الاحترام فعلًا يوميًا بسيطًا لا بطولة فيه ولا تصفيق أن نكفّ عن الضحك في وجوه الآخرين وحين لا يكون الضحك مشاركة، وأن نمنح الوجوه حقها في أن تُعامل بجدية حتى وهي صامتة فليس كل من صمت ضعيفًا وليس كل من ابتسم راضيًا وبعض الضحكات… لا تستحق أن تُولد أصلًا.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

في المثقف اليوم