أقلام حرة

فاطمة الدفعي: استخلاف الإنسان ووهم عبقرية الجان

قراءة في غيرة الأرواح وفراغ العقول

الجن قبائل شتى، وأصناف متباينة، وعوالم غيبية يلفها الغموض؛ فمنهم الطويل والقصير، والجميل والقبيح. يُشاع عن عالمهم تطور تكنولوجي مذهل وآلات تفوق الخيال، حتى يُخيل للبعض أنهم يملكون "مجسات" قادرة على اختراق الجهاز العصبي للإنسان والسيطرة على إرادته. ولكن، أمام هذا الإبهار الصوري، يبرز سؤال العقل والمنطق: لو كانوا بهذه الدرجة من التطور والذكاء، لماذا لم يكونوا هم ورثة الأرض ومستخلفيها؟

جدلية الاستخلاف: لماذا الإنسان لا الجن؟

الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن العقل الذكي ينشغل بالإبداع والبناء، بينما العقل الفارغ لا يتقن سوى افتعال الأزمات والتشاكس. يقول الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 29]. هذه الآية العظيمة تشرح الفرق الجوهري بين عقل مليء بضجيج الأوهام والشركاء المتشاكسين، وبين عقل مطمئن بمركزيته وإيمانه، منصبٍّ على إبداعه.

والجن، رغم ما قد يُظهرونه من "تقنيات" أو قدرات خارقة، يفتقرون لجوهر العقل المبدع.

 لقد كرم الله الإنسان واستخلفه في الأرض، ومن غير المنطقي أن يكون الخليفة أدنى مرتبة أو أكثر غباءً ممن سكنوا الأرض قبله وسفكوا الدماء فيها.

الحجة القرآنية الدامغة التي تكسر هالة "الذكاء الخارق" المزعومة للجن.

 عقول الجن ليست كعقولنا؛ فهم مخلوقات تفتقر للذكاء الاستراتيجي، والدليل القاطع من القرآن الكريم في قصة نبي الله سليمان ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: 14]. فكيف لمن لم يدرك حقيقة "موت" من يقف أمامه أن يدعي الذكاء أو التطور؟

المعادلة المفقودة: قوة الجسد مقابل سيادة الفكر

الفارق الجوهري يكمن في الآتي:

الإنسان: مُميز بالعقل التخيلي والتخطيطي الذي يُمكّنه من تنفيذ المعجزات بعد تفكير وعناء.

الجن: مُميزون بقدرات جسدية وطاقات حيوية (طيران، غوص، سرعة) منحت لهم كتعويض عن نقص الملكة الفكرية، فهم ينفذون دون وعي أو تخطيط عبقري.

سيكولوجية الغيرة: جذور الانحراف في "علوم الطاقة"

كل ما يُشاع اليوم عن "علوم الطاقة الخرافية" والمعلومات الغيبية التي يُدعى أنها تأتي من عوالمهم، ليس إلا محاولة "تعويضية" نابعة من غيرة قديمة؛ الغيرة التي أخرجت إبليس من الجنة ما زالت تحرك ذريته حتى اليوم، فهم يحاولون إبهار الإنسان وإشغاله بعالمهم لكي ينحرف عن مساره القويم ويترك دوره في عمارة الأرض.

هم يملكون القوة البدنية، ونحن نملك العقل المُدبر. هم يملكون التستر خلف الحجب، ونحن نملك النور والبيان. لذا، لنفكر بعقول مطمئنة، لا بعقول فضولية تائهة في سراديب الغيب. الجن عالم وظيفي له حدوده، والإنسان عالم إبداعي له سيادته، وما عدا ذلك من ادعاءات بتطورهم التقني ليس إلا سراباً يحاولون به تغطية "عذابهم المهين".

"ختاماً، هذا هو الواقع الذي يفرض منطقه أمام العقل المتأمل؛ فهل تتفقون مع هذا التحليل الذي يضع كل كائن في نصابه، أم أن لكم رؤية أخرى حول هذه الكائنات الفضولية وتأثيرها المزعوم؟

إن كان في جعبتكم فضول لمعرفة المزيد، أو رغبة في الغوص بعمق خلف كواليس هذه العوالم، فإن 'قلم الحرية' هنا، مستعدٌ ليكشف لكم وهم 'الكليات الخفية' ويفكك خداع البيان والبلاغة الذي يتستر خلفه مدعو علوم الطاقة. أخبروني في تعليقاتكم: هل أنتم مستعدون لرحلة كشف الحقائق الكبرى؟

***

بقلك الحرية: فاطمة الدفعي

مؤسسة حرية قلم للإنتاج الفكري والفني

 

في المثقف اليوم