أقلام حرة
أكرم عثمان: فنون الاستمرار.. لماذا ينجح من يواصل لا من يبدأ فقط؟
ينظر إلى أن الاستمرارية على أنها ليست قوة جسدية ولا اندفاعاً عابراً أو مؤقتاً يولده الحماس والشغف، بل هي قرار واعٍ يتخذ كل يوم، حتى في غياب الدافعية والتحفيز، وحتى عندما لا تسير الأمور كما نخطط لها. كثيرون يبدأون الطريق بطاقة عالية ونشاط عال المستوى، وما يكادون يواصلون المسير، بل إن القلة هم من يكملون المشوار ويستمروا رغم الصعاب التي تواجههم. والسؤال الجوهري والمهم ليس كيف نبدأ، بل كيف نستمر رغم التعب والإحباط وتقلب الظروف؟.
تكمن صعوبة الاستمرارية في أن الحياة والعمل لا تسير في خط مستقيم، بل في مسار مليء بالضغوط والتغيرات والخسارات والتحديات النفسية والمادية. وغالباً لا يتوقف الإنسان بسبب ضعف إمكاناته أو ما يملكه من مقدرات وطاقات، بل بسبب الإنهاك النفسي الداخلي وفقدان المعنى لذلك. عندما يستنزف الداخل، يصبح الاستمرار عبئاً شاقاً وكلفاً مهما كانت القدرات أو الموارد المتاحة لديه.
إن أحد أبرز معوقات الاستمرارية هو غياب المعنى والغاية، فعندما لا يعرف الإنسان لماذا يفعل ما يفعل؟، تصبح أي عقبة سبباً مباشراً وكافياً للتوقف وعدم اكتمال المسير. العمل بلا معنى يتحول إلى عبء ثقيل، والحياة بلا رسالة تفقد طاقتها وخاصيتها، ولذلك فإن الغاية هي الوقود الحقيقي للاستمرارية، لا الحماس والشغف المؤقت. ويشار إلى أن الاعتماد المفرط على الدافعية لوحدها، شعور متقلب يأتي ويذهب عند تبدل الأحوال والظروف التي تحيط بالفرد والجماعات، فمن يربط استمراره بالحماس وحده سيتوقف عند أول ضعف وفتور. فالاستمرار الحقيقي يقوم على الانضباط والرؤية الواثقة والالتزام الواعي، لا على المزاج المتقلب والمشاعر التي قد لا تسعف المرء في الظروف الصعبة والمفاجئة.
كما أن الإرهاق النفسي غير المعالج يلعب دوراً خطيراً في التوقف، فالضغوط المتراكمة والصدمات المرهقة والمتعبة والإجهاد العاطفي الصامت يستنزف الطاقة الداخلية دون أن نشعر. كثيرون انسحبوا من مسارات حياتهم أو أعمالهم لا لأنهم ضعفاء، بل لأنهم مرهقون بصمت ولم يمنحوا أنفسهم حق التوقف المؤقت أو التعافي. وتعد المثالية الزائدة من العوائق الخفية كذلك، إذ إن السعي الدائم للكمال يجعل الإنسان قاسياً في تقييم نفسه ومحاكمتها، فيعتقد أنه يجب أن ينجح دوماً وألا يخطئ أبداً، وحين يتعثر لأول مرة يتوقف بالكلية. إن الاستمرارية تحتاج ذهنية تسمح بالتقدم رغم النقص، والتعلم من الخطأ لا الهروب منه.
إن الخوف من الفشل أو النقد يشكل سداً وعائقاً آخر، فالتجارب السابقة المؤلمة أو القلق من نظرة الآخرين قد يشل الحركة ويجمد الإرادة. كثيرون لم يتوقفوا لأنهم فشلوا، بل لأنهم خافوا من أن يفشلوا مرة أخرى. وأن المقارنة المستمرة بالآخرين، فهي تسرق الطاقة وتضعف الشعور بالرضا عن الذات، وتخلق شعوراً سلبياً زائفاً بالتأخر أو العجز، مع أن لكل إنسان توقيته ومساره المختلف، والاستمرارية لا تقاس بخطوات الآخرين ونسلكهم بل بمدى التزام الشخص بطريقه الخاص.
ولا يمكن إغفال أثر البيئة المحيطة، فغياب الدعم أو العيش في بيئة محبِطة يضعف القدرة على الصمود طويلاً. الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، وحتى الأقوياء يتعبون إذا ساروا وحدهم دون مساندة أو تشجيع. لذلك يصبح الدعم، ولو كان بسيطًا، عنصراً أساسياً في القدرة على المواصلة.
أما الاستمرار رغم كل ذلك، فيبدأ بربط ما نفعله بمعنى أعمق وأوسع من المكاسب اللحظية، ومعنى يمنحنا سببًا للنهوض كلما تعثرنا. ويحتاج كذلك إلى تقسيم الطريق إلى خطوات صغيرة ثابتة، لأن الاستمرارية لا تحتاج قفزات كبيرة بقدر ما تحتاج أفعالاً يومية قابلة للتكرار. كما أن إدارة الطاقة لا تقل أهمية عن إدارة الوقت، فالراحة ليست ضعفاً ولا تراجعاً، بل استراتيجية ذكية تحمي الإنسان من الاحتراق النفسي. والتصالح مع التعثر ضرورة نفسية، فالتوقف المؤقت ليس فشلاً، بل فرصة لإعادة الشحن وإعادة توجيه المسار.
في النهاية، تبقى الاستمرارية في الحياة والعمل ليست أن نكون أقوياء طوال الوقت، بل أن ننهض كل مرة نسقط فيها، ولو ببطء. من يستمر لا يفعل ذلك لأنه لا يتألم، بل لأنه تعلم كيف يتقدم رغم الألم، وكيف يحول العثرات إلى وقود جديد للمضي قدماً.
***
د. أكرم عثمان
22-1-2026






