أقلام حرة

ثامر الحاج امين: السونار الجديد

الاختلاف شيءٌ طبيعي في الحياة، ولا يوجد فيها اثنان متفقان على كل شيء، كما ليس في المجتمع رأيان متطابقان قط، إنما لكل فرد فيه وجهة نظر ورؤية مختلفة تخضع رصانتها لمستويات الوعي والمتبنيات الفكرية، وكذلك الاستعداد لتغيير القناعات عند اكتشاف الخطأ، وينبغي أن نتقبل هذه الحقيقة بكل قناعة وأريحية، وأن يبقى الاختلاف في حدوده الطبيعية؛ ذلك أن أسوأ العقول هي التي تحوّل الاختلاف إلى خلاف يجرّ إلى الكراهية ومن ثم القطيعة، ولنا في حكمة الزعيم غاندي مثال على ذلك في قوله: (الاختلاف في الرأي ينبغي ألا يؤدي إلى العداء، وإلا لكنت أنا وزوجتي من ألدّ الأعداء!)

ومن خلال مواقع التواصل الاجتماعي أخذنا نكتشف أن العديد من الأشخاص الذين كنا نتوسم فيهم رجاحة العقل والوعي المتميز وصفاء الأفكار، ظهروا للأسف أنهم غير ذلك، فقد وجدناهم من خلال تفاعلهم وردود أفعالهم على الأحداث أنهم سطحيون، تدفعهم العاطفة والرؤى الضيقة في إطلاق آرائهم وأحكامهم على ما يدور في الساحة من تغيرات اجتماعية وسياسية. والمؤسف أنه في حال إبداء رأي مخالف لآرائهم تظهر حقيقة ضحالة تفكيرهم وضيق عقولهم ونزعاتهم العدوانية، وكذلك تدني تربيتهم في الرد على الاختلاف، وقسم كبير يتخذ من المختلف معه عدوًا، فيذهب إلى الطعن في شرفه وتهديده، ويجعل من الاختلاف طريقًا إلى الكراهية والقطيعة حتى مع أقرب المقربين، وطبعًا هذا يعكس طبيعة متبنياته الفكرية والثقافية؛ ذلك أن التعليق على فكرة تأتي في منشورما يعكس ثقافة وتربية والتزام صاحب التعليق، وكذلك هوية الجهة التي استمد منها ثقافته وأخلاقه.

وعلى الصعيد الشخصي كثيرًا ما أجد نفسي مختلفًا مع طروحات البعض، الاّ ان هذا الاختلاف لا يدفعني إلى حظر المختلف معي وإقصائه من قائمة أصدقائي، على الرغم من اشمئزازي ومقتي الشديدين للضحالة التي تصل إليها أحيانًا طروحاته المنشورة. إنما أبقيه ضمن القائمة مع الإهمال وعدم التفاعل مع منشوراته، وذلك للتعرف على المزيد من شخصيته وتعزيز القناعة بصواب موقفي .

عليه أُدين بالفضل للفيسبوك الذي كشف حقيقة شخصيات كنت أعتقد أنها على درجة من الوعي والثقافة ورصانة الهوية التي يدّعيها ويتظاهر بها وكانت تحظى بتقديري وتقييمي العاليين الاّ ان التجربة والمواقف والتعليقات والتفاعل مع المنشورات كشفت لاحقًا ومن خلال ما رشح على صفحاته من أفكار وطروحات شيئًا مخيبًا يدعو إلى المراجعة وإعادة التقييم، وسبب ذلك أن النظرة إلى هذه الشخصيات كانت بعين أعمتها المجاملة وحسن الظن، وخير من جسّد هذه الغفلة بيت المتنبي العظيم : (وعين الرضا عن كل عيبٍ كليلة)، بالمقابل، هناك من الشخصيات التي كانت بعيدة عن اهتمامي ومتابعتي وجدت فيها نموذجًا للعطاء ونكران الذات والمواقف الرائعة، سواء على صفحات الفيسبوك أو في المواقع والميادين الأخرى، وهذا الفضل طبعًا يعود إلى الفيسبوك، الذي يحلو لي وصفه بـ "السونار" الذي كشف لنا باطن الشخصية ووضعها في حجمها الطبيعي.

***

ثامر الحاج أمين

في المثقف اليوم