عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: العدالة بين الإنصاف والاختلاف

مقارنة بين جون رولز وجاك دريدا

إذا أردنا أن نفتش عن السؤال الذي ما انفك يطارد الفلسفة منذ أن اهتدى الإنسان إلى السياسة فلن نجد سؤالا أشد التصاقا بالمحنة الوجودية من سؤال "العدالة". إنه السؤال الذي يخرج من أضيق أبواب الحاجة اليومية ـ حاجة الناس إلى أمن، إلى قسمة، إلى إنصاف ـ ثم لا يلبث أن ينفتح على متاهات القيم والمعاني متلبسا وجوها لا تحصى، مرة هو الإجراء الذي يضمن الحقوق ومرة هو النداء الذي يتجاوز كل إجراء، مرة هو الصيغة الرياضية للتوزيع ومرة هو الانخطاف الأخلاقي أمام وجه آخر لا يشبه غيره. ولعل هذه الوجوه المتعددة هي التي جعلت العدالة عصية على أي تعريف أخير وجعلت التفكير فيها فعلا فلسفيا من الدرجة الأولى لا يهدأ ولا يطمئن.

في قلب هذه العاصفة المفاهيمية وفي النصف الثاني من القرن العشرين تحديدا، بلغت الفلسفة السياسية لحظة فارقة بظهور مشروعين عظيمين يختلفان في كل شيء تقريبا غير أنهما يشتركان في جسارة السؤال وغور المأزق. من جهة ينهض جون رولز معيدا بناء نظرية العدالة على أسس عقلانية صارمة متسلحا بإرث كانط وتعاقد اجتماعي متجدد، طامحا إلى أن يبلغ بالعدالة درجة من اليقين المنهجي لا تقل عن طموح العلم. ومن جهة أخرى يطل جاك دريدا مطلقا العنان لاستراتيجية التفكيك ممسكا بالعدالة لا كبناء يمكن إنجازه بل كوعد لا يتحقق إلا في هدم كل بناء يدعي امتلاكه. بين "الإنصاف" كما نظر له رولز و"الاختلاف" كما اجترحه دريدا تنفتح مسافة ليست مجرد خلاف أكاديمي بل هي شرخ وجودي يعيد صياغة السؤال برمته، هل العدالة معيار كلي نبنيه معا أم هي مسؤولية لا نهائية تتفلت من كل معيار؟

ما يحاوله هذا المقال ليس تأريخا لنظريتين بل هو مقاربة تأملية تنزل إلى أعماق التوتر بينهما. إننا نطرح على أنفسنا سؤالا مركبا كيف يمكن أن تكون العدالة في آن واحد إجراء مجردا يضمن المساواة بين الذوات وتجربة فريدة تنفتح فيها الذات على الآخر في ما لا يختزل من اختلافه؟ وإذا كان رولز قد راهن على أن الحجاب الذي يحجب الاختلافات هو شرط الإنصاف فهل يستطيع دريدا أن يقنعنا بأن الاختلاف لا إلغاءه هو الطريق الوحيد إلى عدالة لا تتحول إلى عنف؟ ثم بين مطرقة البناء وسندان التفكيك هل ثمة وسع فلسفي يؤلف بينهما أم أن التوتر هو نفسه الموطن الوحيد الذي تسكن فيه العدالة كأفق لا يبلغ؟

لن تكون القراءة التالية محايدة إن صح في الفلسفة حياد، بل ستخوض في قلب المتناقضين بوعي نقدي منصتة لنبرة رولز الهندسية الواثقة ولنبرة دريدا المرتجفة على حافة اللغة باحثة بين الصوتين عن معنى للعدالة لا يطمئن إلى السائد ولا ييأس من الممكن. في الطريق سنستعير من أفلاطون سؤال الفضيلة الأولى ومن كانط صرامة الأمر المطلق ومن ليفيناس أخلاق الوجه، لعلنا نضيء زاوية ظلت معتمة في الحوار الصامت بين رولز ودريدا، حوار لم يحدث لكن الفلسفة لا تستطيع أن تحيا بدونه.

ومطلع القول في العدالة أن وصفها بالقدم ليس يزيدها إلا غموضا على غموض، فهي قديمة قدم الاجتماع الإنساني ذاته، حين التمست الجماعات الأولى ناموسا يضبط الشهي من الأفعال وينهى عن المستنكر، بيد أنها حديثة أيضا تتجدد مع كل محنة وجودية تقتحم تجربة الإنسان في العالم. ولقد شاء الفكر الفلسفي أن يجعل من سؤال "ما العدالة؟" بوابته الكبرى إلى السياسة مذ أن أنشأ أفلاطون "جمهوريته" وجعل العادلة منها أم الفضائل إلى أن بلغت بنا الحداثة وما بعدها مفترق طرق لم يعد معه مفهوم العدالة واحدا محكم السبك بل صار مسألة تتنازعها رؤيتان جليلتان، رؤية تسعى إلى تشييد معايير كلية للإنصاف وأخرى تمعن في تفكيك الكلي وتفتح الفضاء على تعدد الاختلافات.

في هذا الأفق الإشكالي يقف فيلسوفان وجها لوجه أو لعلهما يقفان ظهرا لظهر، ينظر كل منهما في اتجاه مغاير: جون رولز ابن التقليد التعاقدي الكانطي الذي شيد نظرية في العدالة بلغت من الضبط المنطقي ما جعلها أقرب إلى صرح هندسي متقن، وجاك دريدا ناقض الأنساق وسيد التأجيل الذي جعل من "الاختلاف" مفتاحا لفهم ما تستحيل صياغته من العدالة في قوالب جاهزة. ليس المراد هنا مفاضلة سطحية بينهما بل استكناه ما تفضي إليه رؤيتاهما من أسئلة حول إمكان العدالة ذاته، أتقام على أرضية من المبادئ المجردة أم أنها لا تمنح إلا في تجربة الاختلاف؟ وهل ثمة سبيل إلى الجمع بين إنصاف رولز واختلاف دريدا أم أن القطيعة بينهما هي الشرط الذي يبقي سؤال العدالة مفتوحا؟

حين أصدر جون رولز كتابه "نظرية في العدالة" عام 1971، لم يكن يطلق اجتهادا عابرا في الفلسفة السياسية بل كان يؤسس لقطيعة مع المذهب النفعي الذي طالما هيمن على الفكر الأنجلوسكسوني، معلنا أن "العدالة هي الفضيلة الأولى للمؤسسات الاجتماعية كما هي الحقيقة بالنسبة إلى الأنساق الفكرية". في هذا التصريح الافتتاحي ما يشبه القسم الفلسفي الذي يلزم صاحبه بأن يمحص كل بناء سياسي وقانوني بمحك العدالة قبل أي اعتبار آخر حتى لو كان هذا الاعتبار هو المنفعة العامة. إن ما يديره رولز هنا ليس رفاهة الجماعة ولا مقدار السعادة بل كرامة الفرد وعدم قابليته للتفاوض، وهذه نبرة كانطية لا تخطئها الأذن.

لبنة رولز الأساس هي ما سماه "العدالة كإنصاف"، وهي تركيبة اصطلاحية محكمة تنطوي على نقلة منهجية بعيدة الأثر، فليس المراد بالإنصاف مجرد التوزيع المتساوي للخيرات بل صوغ الشروط التي بموجبها ينتج الأفراد الأحرار المتساوون مبادئ العدالة بأنفسهم وفي ذلك استعادة لفكرة العقد الاجتماعي لكن بروح إجرائية لا تاريخية. وهنا يبرز ابتكار رولز الأكثر جرأة وإثارة للجدل وهو "الوضع الأصلي" يرفده "حجاب الجهل". إنها تجربة فكرية تدعونا أن نتصور كائنات عاقلة تجتمع لتقرير مبادئ العدالة التي ستحكم مجتمعها المستقبلي لكنها تفعل ذلك وهي مجردة من أي معرفة بمواقعها الطبقية أو ثرواتها أو مواهبها أو حتى تصوراتها الخاصة عن الخير. يقول رولز في وصف هذه الحالة: "لا أحد يعرف مكانه في المجتمع ولا وضعه الطبقي أو مركزه الاجتماعي ولا يعرف أحد حظه في توزيع الأصول والخيرات الطبيعية ولا يعرف ذكاءه ولا قوته ولا ما شابه ذلك"؛ وبذلك يلغي افتراضه كل تفاوت منشؤه الصدفة أو الموهبة ويمنع أن ينحاز أحدهم لصالح نفسه.

إن ما يخرج من وراء هذا الحجاب ليس اتفاقا عابرا بل مبدأين أساسيين للعدالة، دأب رولز على صياغتهما صياغة تراتبية لا تقبل المساومة، المبدأ الأول يوجب أن يكون لكل فرد حق متساو في أكبر قدر من الحريات الأساسية يتسق مع حريات الآخرين؛ والمبدأ الثاني ينقسم إلى شقين: فمن جهة يجب أن تكون اللامساواة في المناصب والمواقع مرتبطة بوظائف متاحة للجميع في ظل تكافؤ عادل للفرص، ومن جهة أخرى لا تقبل اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية إلا إذا كانت في صالح الأقل حظا في المجتمع. هذا المبدأ الأخير الذي عرف بـ "مبدأ الفرق"، ينطوي على حدس أخلاقي ثوري وإن صيغ في قالب ليبرالي محافظ، فليس المهم أن تختفي الفوارق بل أن تعمل هذه الفوارق إن وجدت لصالح أولئك الذين هم في أسفل السلم. ويحول رولز مفهوم العدالة من صيغة سلبية (عدم الإضرار) إلى صيغة إيجابية (الإسهام في تحسين حال الأضعف)، ويقيم بذلك جسرا غير متوقع بين الليبرالية السياسية والضمير الاشتراكي؛ إذ إن شرط إلغاء الفوارق الطبقية يظل حاضرا ولو بوصفه افتراضا نظريا كما نبه إلى ذلك بعض شارحيه.

والواقع أن رولز لا يكتفي بهذا البنيان النظري بل يلحقه بمبدأ "أولوية الحق على الخير"، تأكيدا على أن حماية الحريات الأساسية لا يجوز أن تضحى بها في سبيل أية غاية أخرى مهما ادعت من جاذبية أخلاقية أو ثقافية. وبذلك يقف صرح "العدالة كإنصاف" شامخا متماسك الأجزاء يعد بإمكانية التوصل إلى إجماع عقلاني على مبادئ لا تخضع أحدا لاستبداد الأكثرية ولا تخذل الضعفاء في صياغة يمكن أن نسميها "يوتوبيا واقعية" على حد تعبير رولز في كتاباته المتأخرة. وتصير العدالة عند رولز مسألة بنية لا مسألة فضيلة فردية؛ إنها تولد من تصميم المؤسسات لا من طيبة القلوب وتقاس بما تنتجه القواعد العامة من إنصاف فعلي للناس لا بما تخطب به الخطباء في ساحات المدينة.

غير أن هذا الصرح العقلاني الباذخ لا يلبث أن يواجه من خارج حدوده أسئلة لا تقل عمقا عن أسسه، من هذه الذات التي تقف وراء حجاب الجهل؟ أليست ذاتا مختزلة مجردة من كل ما يجعلها بشرا، لغتها، جنسها، ذاكرتها، انتماءها؟ وهل يمكن لعدالة أن تكون عادلة حقا إذا بنيت على تجاهل الفروق والاختلافات التي تشكل جوهر التجربة الإنسانية؟ وما الذي يضمن ألا يتحول "الإنصاف" الرولزي إلى قناع آخر من أقنعة الهيمنة يخفي تحت شعار الكلية نزعة لتذويب الآخر في صورة واحدة للعاقل والأخلاقي؟

هنا وتحديدا في المسافة الفاصلة بين المبدأ الكلي والتجربة المجسدة ينبثق فكر جاك دريدا لا بوصفه جوابا مباشرا على رولز بل بوصفه زلزالا مفاهيميا يهز الأرض التي يقوم عليها السؤال ذاته. فحين ننتقل من عالم رولز، عالم المبادئ المجردة والمواطنين المتساوين في العقل إلى عالم دريدا، نكون قد دخلنا فضاء لا يعرف الثبات، فضاء تنزاح فيه المعاني وتتشظى الهويات ويصبح الكلام عن "مبدأ أول" أو "أساس أخير" ضربا من الحنين إلى ميتافيزيقا لم يعد لها مقام.

إن مفتاح الولوج إلى دريدا هو مفهوم "الاختلاف" تلك الكلمة التي نحتها بفارق حرف واحد عن "الاختلاف" المألوف، ليطوي فيها معنيين في آن: الإرجاء والاختلاف. الإرجاء يعني أن المعنى لا يحضر أبدا حضورا تاما، بل يظل مؤجلا مرجأ إلى سلسلة لا نهائية من العلامات؛ والاختلاف يعني أن كل هوية لا تتشكل إلا باختلافها عن غيرها لا بامتلاكها جوهرا ثابتا. يقول دريدا: "لا شيء خارج النص"، ليس بمعنى أن الواقع غير موجود بل بمعنى أن الواقع لا ينكشف لنا إلا عبر نسيج من العلامات والآثار وأن ما نسميه حضورا ليس سوى أثر لأثر وغياب مقنع. في هذا المنحى، يفقد مشروع رولز في بناء نظرية محكمة للعدالة شيئا من براءته، فكل محاولة لصوغ مبادئ كلية هي في التحليل الأخير فعل لغوي يدعي أنه استطاع أن يقبض على المعنى بينما المعنى بطبيعة الحال لا يني ينفلت.

وإذا كان رولز قد جعل من "الإنصاف" غاية للنظرية فإن دريدا يقلب المسألة رأسا على عقب، ليس السؤال كيف نقيم نظاما منصفا بل هل يمكن للتفكيك بوصفه استراتيجية قراءة وليس مذهبا، أن يفتح إمكانا للعدالة من حيث هي قادمة لم تأت بعد؟ في كتابه "قوة القانون" يفاجئنا دريدا بتمييز حاد بين "القانون" و"العدالة"، القانون قابل للحساب، قابل للصياغة، قابل للتطبيق، ولذلك فهو قابل للتفكيك؛ أما العدالة فهي ما لا يقبل الحساب، إنها "تفرض حسابا مع ما لا يقبل الحساب". إنها بهذا المعنى تجربة ما لا يمكن اختزاله إلى قاعدة، تجربة الوقوف أمام الآخر في فرادته التي لا تندرج تحت أي مقولة عامة. ويقوض دريدا الثنائية التقليدية التي قامت عليها فلسفة القانون، فليست العدالة هي التطبيق الأمين للقاعدة بل إن لحظة العدالة الحقة هي تلك التي يقف فيها القاضي أو أي فاعل أخلاقي أمام حالة لا تكفيها القواعد فيضطر إلى "إعادة ابتكار" القانون ذاته. إنها لحظة "القرار المستحيل" الذي لا يستند إلى برنامج مسبق بل ينبثق من مواجهة فرادة الآخر.

ولعلنا نلمس هنا أول توتر جوهري بين الفيلسوفين، فحيث يسعى رولز إلى تحكيم مبادئ تجرد الأفراد من خصوصياتهم لضمان الحياد، يلح دريدا على أن العدالة لا تحدث إلا في فضاء الخصوصية، في اللقاء الذي لا وساطة فيه مع الآخر. حجاب الجهل الرولزي هو في منظور تفكيكي محاولة لمحو الاختلاف باسم المساواة، لكن هذا المحو ذاته قد يكون عنفا رمزيا لأنه ينكر على الآخر ما يجعله آخر. وإذا كان رولز يرى في الإجراء ضمانا للإنصاف فإن دريدا يرى في الإجراء أي إجراء، تهديدا للعدالة ذاتها لأنه يختزل ما لا يختزل. ليس معنى هذا أن دريدا يرفض القانون بل إنه يذكرنا بأن القانون ليس العدالة وأن ثمة "عدالة قادمة" تظل تحلق فوق كل تنظيم بشري كأفق لا يدرك، تحفز على نقد المؤسسات دون أن تسمح لأحد بأن يدعي امتلاكها.

ويصير "الاختلاف" الدريدي مقابلا نقديا لـ "الإنصاف" الرولزي، ففي حين يفترض الإنصاف إمكانية إلغاء الفوارق أو تحييدها بغية الوصول إلى اتفاق، يظهر الاختلاف أن الفوارق ليست عوارض طارئة يمكن تجاوزها بل هي الشرط الأنطولوجي للوجود نفسه. ليس هناك ذات قبل الاختلاف وليس هناك معنى قبل الأثر وليس هناك عدالة قبل مواجهة فرادة الآخر. إن ما نسميه "ذاتا عاقلة" في عالم رولز هو في التحليل التفكيكي أثر من آثار الكتابة، علامة في سلسلة لا نهائية لا يمكنها أن تقف خارج الزمان والمكان واللغة لتقرر للجميع. وإذا كان رولز قد سعى إلى أن يبني نظريته على أرضية من الحياد فإن دريدا يذكرنا بأن الحياد ذاته موقف وأنه يحمل في طياته إقصاء لكل ما لا يستجيب لمعايير "العقل" التي تقع هي ذاتها في حيز المساءلة.

وحين يُطرح السؤال عن إمكان تلاقي صرح رولز العقلاني وتجربة دريدا التفكيكية، فإننا نكون بإزاء امتحان للفلسفة ذاتها لا بصفتها مذهبا يُقام على أرض صلبة بل بصفتها تلك الحركة المترددة بين بناء النسق وتقويضه. إن القطيعة التي استشعرناها سابقا ليست حادثة عرضية ناجمة عن اختلاف منهجي فحسب، بل تنبثق من تصادم أنطولوجيين: أنطولوجيا الحضور التي لا يزال رولز يستند إليها ولو بصورة مخففة، وأنطولوجيا الأثر والغياب التي يجترحها دريدا. وليس معنى هذا أن رولز غافل عن التعقيد أو أن دريدا عاجز عن الإقرار بضرورة تنظيم العيش المشترك، لكن المسألة أعمق. إن ما يبدو كمشكلة واحدة هي العدالة ينقسم بينهما إلى مشكلتين مختلفتين اختلافا يكاد يكون جوهريا. بالنسبة إلى رولز المشكلة هي كيف نبني مجتمعا منصفا بين أنداد أحرار؟ وبالنسبة إلى دريدا المشكلة هي كيف نفتح إمكان العدالة دون أن نمحو فرادة الآخر ودون أن ندعي أننا امتلكنا معناها؟

لعل أكثر اللحظات دلالة على طبيعة هذا التباعد هي لحظة قراءة دريدا لمشروع رولز قراءة لا نجدها مكتوبة بشكل صريح في موضع واحد، لكن نستطيع استخلاصها من مجمل استراتيجيته التفكيكية إزاء كل خطاب تأسيسي. إن الوضع الأصلي عند رولز بما ينطوي عليه من عزل للأفراد عن كل ما يشكل كثافتهم الوجودية ليس محايدا كما يزعم بل هو وضع مشبع بقرارات ميتافيزيقية. فحين يجرّد رولز الذات من مواهبها وطبقتها ومعتقداتها فهو إنما يختزل الإنسان إلى "ذات حاملة للحقوق"، أي إلى صيغة مجردة هي نفسها نتاج تاريخ طويل من الفلسفة الغربية. إن الحجاب الذي يضعه رولز ليس مجرد إجراء منهجي بريء بل هو في قراءة تفكيكية، عنف رمزي يمحو الاختلافات باسم مبدأ التفاوض ويجعل الجميع متشابهين لكي يصير الاتفاق ممكنا. لكن أليس هذا التشابه شرطا للإنصاف ذاته؟ هذا هو جوهر الدفاع عن رولز.

 إن تجريد الذات من خصوصياتها لا يهدف إلى إنكار وجودها الفعلي بل إلى منع تلك الخصوصيات من أن تتحول إلى مصدر امتياز غير عادل في تحديد المبادئ الأساسية للمجتمع. بيد أن دريدا وهو يقلب الصفحة يسأل أي عقل هذا الذي يتكلم؟ وأي ذات هذه التي تفاوض؟ أليس في افتراض أن الجميع سيصلون إلى الاتفاق ذاته لو أنهم تفكروا بحرية مصادرة على إمكانية وجود عقلانيات متباينة أو وجود من يقفون خارج دائرة "المعقول" كما حددها تقليد فلسفي بعينه؟

هنا يبرز توتر لا يمكن حله بسهولة بين مطلبين، مطلب المساواة الذي يقتضي تجريد الذوات من امتيازاتها العرضية لكي تلتقي على أرضية مشتركة، ومطلب الاعتراف الذي يقتضي احترام الاختلافات التكوينية التي تجعل كل ذات فريدة. إن رولز يعالج التوتر بأن يمنح "الحريات الأساسية" أولوية مطلقة ومن ضمنها حرية الوجدان والرأي مما يسمح للأفراد بأن يحتفظوا بتصوراتهم المختلفة عن الخير شرط ألا تمس هذه التصورات الإطار المشترك للعدالة. لكن دريدا لا يقنع بهذا الحل الليبرالي لأنه يرى أن التصورات عن الخير ليست مجرد "اختيارات" فردية قابلة للتعايش في إطار حيادي بل هي أنظمة معنى شاملة قد يتعذر التوفيق بينها دون أن يمارس الإطار ذاته عنفا تجاه بعضها. إن الحياد الذي يزعمه رولز لإطاره ليس حيادا بالمعنى المطلق بل هو انحياز إلى طريقة محددة في التفكير وفي الوجود في العالم، طريقة ترى في الفردية وفي الحقوق وفي العقد أساسا للوجود المشترك. وهذا الانحياز وفقا لدريدا ليس أمرا يمكن تجنبه ولا هو خطأ يجب تصحيحه بل هو شرط كل خطاب وكل تأسيس؛ ولكن المهم هو ألا نخفي هذا الانحياز وراء ادعاء الكلية وألا نجعل من إطارنا ملاذا أخيرا يمنع وصول أصوات أخرى قد تقوض مفهوم "الإطار" ذاته.

في هذا الموضع بالذات يصبح استحضار إيمانويل ليفيناس ضروريا لفهم منابع دريدا العميقة. لقد علّمنا ليفيناس أن العلاقة بالآخر ليست في الأصل علاقة معرفة ولا علاقة تفاوض بل هي علاقة مسؤولية لا متناهية، تستيقظ فيها الذات على وجه الآخر الذي يأمرها قبل أي شريعة مكتوبة. ويذهب دريدا سائرا على هذا الدرب إلى أن العدالة لا تنشأ من احترام حقوق متساوية لذوات حرة بل من الاستجابة لفرادة الآخر، فرادة لا يمكن ردها إلى أي مقولة عامة. إنها بعبارة دريدا "تجربة المستحيل"، أي أن أحكم على حالة فريدة حكما عادلا من دون أن أملك قاعدة جاهزة للحكم بل أن أخترع الحكم في اللقاء نفسه محمّلا بمسؤولية لا نهائية تجاه هذا الكائن الذي أمامي وتجاه غيره ممن ليسوا حاضرين. وهذا هو مكمن القطيعة مع رولز، فحيث إن رولز يشرع في بناء المؤسسات العادلة انطلاقا من مبادئ عامة متفق عليها يظل دريدا مشدودا إلى اللحظة التي تسبق كل مؤسسة، إلى تلك اللحظة العمودية التي يواجه فيها كائن بشري كائنا آخر ويقرر دون ضمان ما لا يمكن أن يقرره أي حاسوب أو أي إجراء.

ومع ذلك ليس من الإنصاف أن نجعل من دريدا عدوا للقانون أو للمؤسسات. إن الرجل نفسه يقر بأن لحظة القرار المستحيل لا يمكن أن تلغي ضرورة القانون بل إنها تفترضه لكي تخترقه. القانون هو ما يجعل الحياة الاجتماعية ممكنة وما يحمي من الفوضى لكنه في الآن ذاته ما يهدد بتحويل العدالة إلى مجرد تقنية. إن دريدا لا يرفض أن تكون هناك قواعد وإجراءات؛ إنه يرفض فقط أن ننسى أن هذه القواعد لا تستنفد العدالة وأن ثمة نداء للعدالة يفوق كل نص مكتوب. ونستطيع أن نتبين أن طبيعة الأمر ليس مصالحة مستحيلة بل ربما تداخل خفي بين موقف رولز وموقف دريدا. فرولز نفسه في كتاباته المتأخرة ولا سيما في "الليبرالية السياسية"، تخلى عن ادعاء الحقيقة الميتافيزيقية لنظريته واكتفى بالقول إنها تمثل إجماعا متداخلا بين مواطنين أحرار ومتساوين أي أنها صيغة سياسية وليست مذهبا شاملا. هذا التخفيف من نبرة التأسيس قد يفتح نافذة صغيرة على الأفق الدريدي، فالإجماع المتداخل ليس حقيقة مطلقة بل هو اتفاق تاريخي قابل للنقض والتعديل وهو لا يدعي أنه يحتوي كل الأصوات بل يظل مشروطا بمبادئ العقل العمومي الذي قد لا يرضى به الجميع. لكن الفارق يظل شاسعا إذ بينما يرى رولز في العقل العمومي ضمانا للاستقرار السياسي يرى دريدا في هذا العقل نفسه قوة إقصائية تحتاج إلى أن تُساءل بلا توقف لأنها قد تخفي تحت ستار الحياد رغبة في طرد ما لا يستوعبه نسقها.

إن السؤال العميق الذي تتركنا إزاءه هذه المقارنة ليس هو أيهما على صواب؟ بل هل تستطيع العدالة لكي تكون جديرة باسمها أن تجمع بين أمان المؤسسات وزلزلة الضمير الحي؟ إن رولز يريد أن يجعل من العدالة بنيانا يضمن لكل فرد مكانا آمنا في العالم بينما يريد دريدا أن يبقي العدالة جرحا مفتوحا في خاصرة كل نظام بحيث لا يستقر المجتمع على ظلم مستتر ولا يطمئن إلى أنه بلغ الكمال. إن رولز يبنى لكي نسكن ودريدا يفكك لكي نظل يقظين. وليس أحدهما كافيا وحده، فبناء بلا تفكيك يتحول إلى سجن وتفكيك بلا بناء يتحول إلى عدمية. هذا هو التحدي الذي تلقيه الفلسفة المعاصرة على عاتق كل تفكير في السياسة وفي الأخلاق.

لقد ورثنا من رولز طموحا نبيلا إلى إنشاء مجتمع تنظر فيه المؤسسات إلى الناس لا بما هم عليه من حظوة أو حسب، بل بما هم أهل له من كرامة متساوية وورثنا من دريدا شكا خصيبا في كل مؤسسة تدعي أنها الوكيل الوحيد لهذه الكرامة. إن العدالة كما نستخلص من هذه المواجهة بين الإنصاف والاختلاف لا يمكن أن تكون مجرد هندسة توزيعية ولا مجرد استنارة ضمير فردية بل هي المسافة الشائكة بينهما، حيث يكافح الإنسان كي يقيم نظاما منصفا وهو يعلم أن كل نظام يحمل في طياته ظل ظلم ما، فيظل يسائل نظامه ويعدله ويصغي إلى أصوات المقصيين منه من دون أن ييأس من إمكان التحسين. تلك هي العدالة التي لا تنتهي، العدالة التي قال فيها دريدا إنها "لا تنتظر"، ومع ذلك فهي "قادمة على الدوام". وفي هذا التوتر بين الحضور والتأجيل وبين البناء والهدم يكمن جوهر الموقف الفلسفي الحق، أن نعمل على تقريب العدالة في قوانيننا ومؤسساتنا دون أن نحولها إلى صنم ودون أن نكف عن سماع صوت الآخر الذي يأتي من خارج أسوار مدينتنا ليقول لنا ببساطة إن الطريق إلى العدالة لم يكتمل بعد.

***

د. حمزة مولخنيف