عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

حميد القحطاني: من ريع المادة إلى سيادة المعنى

إنّ المأزق الجذري للحضارات والدول التي تتكئ على ريع المادة لا يتجلّى في عوزها، بل في فائضها الخادع، إذ يتحول الغنى من وسيلة إلى قيد ومن أفق إلى حجاب. هناك حيث تُختزل الكينونة في ما هو زائل، تُسلَّم الارادة إلى ما لا ارادة له وتُستبدل حركة التاريخ بسكون الامتلاك. فالثروة التي لا تُنجب وعيا انما تُورّث خمولا وتُربي في الإنسان قابلية الاستهلاك بدل قدرة الخلق، فيغدو تابعا للجغرافيا بدل أن يكون صانعا للمعنى.

ومن هنا يتبدّى أن الغنى ليس تراكما في الموجودات، بل تخلّق في القدرات. انه ملكة الفعل لا وفرة الوسائل، هو أن يكون الانسان حيث تضعه كفاءته لا حيث تُقيمه موارده. فحين يمتلك المرء علما ومهارة تتسع له الأمكنة وتضيق به الغربة، وحين يفتقدهما يضيق به العالم وإن اتّسعت حوله الثروات. الغنى الحق ليس ما نملك، بل ما نحسن أن نصنعه بما نملك.

على هذا المعنى قامت نهضات لم تُؤت رفاهية الموارد لكنها امتلكت يقظة البداية. فالبدايات الحقيقية لا تُكتب في دفاتر الثروة، بل في ”الورشة الأولى“  التي يتكوّن فيها الضمير قبل المؤسسة. هناك، حيث يلتقي الجهد بالمعنى، تتشكل اخلاق العمل بوصفها نواة الدولة القادمة. ان التاريخ لا يبدأ من وفرة الأشياء، بل من صرامة القيم التي تنظم علاقتنا بها. ومن هذا التأسيس الأخلاقي تنبثق الدولة المنتجة بوصفها امتدادا طبيعيا لإنسان تعلّم ان يصنع قدره بيديه.

والمعرفة، في جوهرها ليست ترفاً ذهنيا بل طاقة تحرر. غير أنها لا تتولد في هواء الراحة بل في احتكاك الضرورة، حين ينكشف الوجود بلا وسائط ويُجبر العقل على أن يبتكر أو يندثر. في تلك اللحظة، يتحول النقص الى دافع والندرة إلى محرّك ويغدو العدم نفسه مادة أولى لإنتاج القيمة. إن الشدّة ليست عائقا دائما، بل قد تكون الشرط الخفي لولادة القدرة.

في المقابل، تحمل الوفرة مفارقتها: فهي حين تنفصل عن المعنى، تُعطل الفكر وتُخدر الارادة، فتغدو الثروة عبئا على صاحبها. فالأرض ليست مجرد مورد، بل امتحان للوعي الذي يُحسن توظيفها. والأنهار التي تجري في الجغرافيا تحتاج إلى ضفاف في العقل والا تسربت إلى الفراغ. من هنا يتجلى أن الثروة الحقيقية ليست في باطن الأرض، بل في باطن الإنسان، في تكوينه، في انضباطه، في قدرته على تحويل الإمكان إلى فعل.

إن السيادة لا تُستخرج بل تُصنع. لا تُستمد من عمق الآبار، بل من عمق التربية. هي ثمرة امتزاج بين الفكرة والعمل، بين القلم والأداة وبين المعنى والتطبيق. وحين يختل هذا التوازن لا يكون العجز نقصا في الموارد، بل خللا في البنية القيمية التي تنظم علاقتنا بالعمل والمعرفة.

لقد أدركت الأمم التي صنعت مجدها من شُحها أن نفطها الحقيقي يسري في عصب الجهد لا في أنابيب الأرض، في إيقاع المطرقة وفي صمت القلم. فحولت فقرها إلى مختبر وعدمها إلى بداية واستخرجت من القليل طاقة تُراكم الكثير. وعلى الضد من ذلك، يفضي الترف إذا اقترن بالاتكال إلى تفكك القوة الدافعة للبناء، إذ يُضعف تلك الروح الجامعة التي تجعل من الأفراد مشروعاً واحدا.

من هنا، بات لزاما علينا إعادة تعريف الثروة: أن نخرج من ضيق المادة الناضبة إلى رحابة الإرادة المتجددة. فالوطن لا يقوم بما نملك، بل بما نكون، والنهضة لا تهبط من سماء الموارد، بل تصعد من أرض الإنسان. إن القيمة الحضارية لا تُقاس بحجم الامتلاك، بل بعمق الإتقان، فبقدر ما يُحسن الإنسان تكون منزلته بين الأمم. هكذا فقط يتحول الوجود من انتظار سلبي إلى فعل خلاق ومن ميراث يُستهلك إلى مستقبل يُصنع.

***

حميد علي القحطاني