أقلام حرة
أكرم عثمان: رمضان مدرسة الصبر وقوة الإرادة
قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]. تأتي هذه الآية الكريمة لتؤكد أن الصبر ليس مجرد خلق عابر في حياة الإنسان، بل هو قوة روحية ونفسية تعين الإنسان على مواجهة الحياة بثبات وصمود، وتمنحه القدرة على تجاوز العراقيل والصعوبات والابتلاءات. ويأتي شهر رمضان المبارك ليكون مدرسة إيمانية عظيمة يتعلم فيها الإنسان أعظم الدروس في الصبر والإرادة والتحكم في الذات، حيث يمارس الصائم تدريباً عملياً يومياً على ضبط النفس والتحكم والسيطرة ولجم في الشهوات والسمو بالروح. والأخلاق الحميدة.
إن حقيقة الصبر أنه خلق فاضل من أخلاق النفس، يمنع صاحبه من الوقوع في ما لا يليق به كإنسان صاحب رسالة، ويضبط سلوك الإنسانه عند الشدائد والانفعالات وتحديات الحياة وتقلباتها. فالصبر ليس مجرد احتمال للألم والصمود في مواجته، بل هو قوة داخلية تمنح الإنسان القدرة على تحمل المتاعب والمشاق والآلام دون أن يفقد اتزانه أو حكمته. ولذلك كان الصبر من أعظم الصفات التي تبني شخصية الإنسان وتجعله أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة وصعوباتها. وقد عبّر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن هذه الحقيقة بقوله: "أفضل عيش أدركناه بالصبر، ولو أن الصبر كان من الرجال لكان كريماً"، وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: (الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر). وهي عبارة عبارات عميقة الدلالة تشير إلى أن الصبر هو سر الاستقرار النفسي والروحي والنجاح في العمل والحياة.
وترتبط الإرادة بالصبر ارتباطاً وثيقاً وقوياً، فالإرادة تعني العزم والتصميم على تحقيق الهدف، وهي القوة الكامنة في داخل الإنسان التي تدفعه إلى العمل والاجتهاد والمثابرة رغم الصعوبات. وفي المفهوم النفسي تمثل الإرادة الطاقة الداخلية التي توجه السلوك نحو غاية محددة يصل إليها، وهي التي تمكن الإنسان من مقاومة الإغراءات والتغلب على الكسل والخمول. فكل إنجاز عظيم في العمل والحياة كان وراءه إنسان يمتلك إرادة قوية وقدرة على الصبر والاستمرار فيه.
ويأتي الصيام ليكون تدريباً عملياً على بناء هذه الإرادة والصلابة البدنية والنفسية والروحية. فالصائم يمتنع بإرادته الحرة عن الطعام والشراب والشهوات ساعات طويلة كل يوم بالرغم من جوعه وعطشه، لا لشيء إلا طاعة لله تعالى وتقرباً ورغبة في رضاه ونيل الأجر والثوابثوابه. وهذا الامتناع ليس حرماناً بقدر ما هو تربية وتهذيب للنفس وتربية وتقوية للإرادة. فعندما يستطيع الإنسان أن يقهر شهوة الجوع والعطش، فإنه يصبح أكثر قدرة على قهر شهوات النفس الأخرى، وأكثر قدرة على ضبط انفعالاته وسلوكياته.
وفي رمضان تتجلى معاني الصبر في صور متعددة. فالصائم يصبر على ألم الجوع والعطش، لكنه في الحقيقة يتعلم من خلال ذلك كيف يتحكم في رغباته ولا يكون عبداً لها ولشهواته. ويصبر كذلك عن المعاصي والأثام في غيره من الشهور، لأن الصيام لا يقتصر على ترك الطعام والشراب، بل يتعدى ذلك إلى تهذيب اللسان والسلوك والأخلاق. وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة عندما قال: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". ابو داود، فالصيام الحقيقي هو صيام الجوارح عن المعصية كما هو صيام البطن عن الطعام.
كما يظهر الصبر أيضاً في الصبر على الطاعات، حيث يكثر المسلم في هذا الشهر من العبادات مثل الصلاة وقيام الليل وقراءة القرآن والصدقة وصلة الأرحام والإحسان إلى الناس في معاملاته وتعاملاته. وكل هذه الأعمال تحتاج إلى إرادة قوية ونفس صلبة وصابرة تسعى إلى رضا الله تعالى والتقرب إليه. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: 127]، فالصبر الحقيقي يستمد قوته من الإيمان بالله والاعتماد عليه.
ولا يقتصر أثر الصبر على الجانب الروحي فقط، بل يمتد ليشمل مختلف جوانب الحياة الإنسانية. فالصبر يساعد الإنسان على ضبط نفسه عند الغضب والانفعال ويتمكن من كبح جماحهما، ويجعله ويجعلها أكثر قدرة على التعامل الحكيم مع الآخرين، ويبعده عن التهور والتسرع ويتروى في اتخاذ القرارات بوعي وهدوء وتوازن وانضباط في اتخاذ القرارات. كما يعلمه كيف يتحمل الصعوبات والمشاق في سبيل تحقيق الخير والنجاح والاستمرارا فيه. ولذلك فإن الصوم لا يربي الإنسان على مجرد الامتناع الحلال، بل يربيه على الاتزان النفسي والقدرة على إدارة المشاعر والانفعالات.
وقد بيّن القرآن الكريم عظمة الصبر وآثاره في حياة الإنسان، فالصبر يقود إلى القيادة والتمكين، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: 24]. وهو سبب في معية الله تعالى ورعايته لعباده، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]. وهو طريق لمحبة الله عز وجل، إذ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾. كما أن الصبر يمنح صاحبه أجراً عظيماً لا يحده حد، فقد قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].
ولعل من أعظم ثمار الصبر أنه يمنح الإنسان قوة الإرادة والثبات أمام المحن والابتلاءات، ولذلك وصف الله رسله بأنهم أولو العزم، وأمر نبيه بالصبر كما صبروا، فقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]. فالصبر ليس علامة ضعف وهوان، بل هو علامة فارقة وقوة داخلية وسمو أخلاقي يرفع الإنسان إلى مراتب عالية من الإيمان والوعي والوصول إلى الغايات والأهداف النبيلة.
إن شهر رمضان يمنح الإنسان فرصة عظيمة لإعادة بناء نفسه وتقوية إرادته وتهذيب سلوكه وضبط عواطفه والتعبير عنها بكل تحكم وهدوء ورباطة جأش. فمن نجح في تدريب نفسه على الصبر في هذا الشهر المبار كالفضيل، فإنه يكون قد وضع أساساً متيناً لحياة أكثر توازناً واستقامة بعد رمضان. فالصبر هو مفتاح النجاح في الدنيا، وطريق الفوز ونيل الرضوان في الآخرة وجنة عرضها السموات والأرض، وهو الخلق الذي يرفع الإنسان إلى أعلى مراتب العزة والكرامة والإباء. نسأل الله أن يجعلنا من الصابرين المحتسبين، وأن يتقبل منا الصيام والقيام، وأن يجعل رمضان بداية ً حقيقية لتهذيب إصلاح االنفس وإصلاحها وبناء الإرادة والعزيمة القوية.
***
د. أكرم عثمان
16-3-2026







