أقلام حرة
بشرى الهلالي: الإسلام السياسي والإسلام الروحاني.. صراع على روح الدين
حين بدأ النبي محمد (ص) بنشر رسالته، هل كان يحمل مشروعًا سياسيًا؟ هل كان يخطط للتوسع والحروب؟ وهل كان يتوقع أن يتشظّى الإسلام إلى مذاهب وطوائف، بل وتتفرع عنه قراءات متباينة تصل حدّ التنازع؟
لست هنا أتحدث نيابة عن النبي، حاشا لله. فقد سبقني إلى ذلك كثير من الشيوخ والفقهاء ورجال الدين الذين نصّبوا أنفسهم وكلاء عن الله والنبي والأئمة، فاحتكروا التفسير والفقه، وطوّعوا النصوص وفق قناعاتهم أو مصالحهم، وغالبًا ما كانت مصالح سياسية.
وهنا يبرز الوجه الأكثر إشكالية: الإسلام السياسي. فمنذ بدايات القرن العشرين، ومع صعود هذا المصطلح، اختلطت الحدود بين الروحي والمادي، ونشأ صراع بين من يرى الدين مشروعًا سياسيًا يُنظّم الدولة والمجتمع، ومن يراه طريقًا داخليًا للإصلاح الأخلاقي والسمو الروحي. وبين هذين الاتجاهين، دار صراع طويل على احتكار "التمثيل الشرعي" للإسلام.
وُلد الإسلام السياسي من رحم الأزمات الحديثة: انهيار الدولة الإسلامية التي امتد سلطانها قرونًا، ثم الاستعمار وما تبعه من تقسيم وتهميش سياسي وثقافي. فرفع هذا التيار شعار استعادة "المجد الإسلامي" عبر تطبيق الشريعة. غير أنّ الأفكار، ما إن تحوّلت إلى أيديولوجيات وأحزاب، حتى تراجع البعد الروحي، وانساق الناس خلف هذا الحزب أو ذاك الزعيم. ولم يقتصر الأمر على النخب، بل امتد إلى قطاعات واسعة من البسطاء الذين اتبعوا زعماءهم في خياراتهم السياسية بلا مساءلة، في مشهد أعاد إنتاج التعصّب القبلي وصنمية الولاء التي جاء الإسلام أساسًا ليقوّضها.
وما نشهده اليوم من حكومات تقوم على أساس ديني أو طائفي، ومن انتخابات يتصدرها زعماء يرفعون راية الدفاع عن الدين، ليس إلا طعنة في جوهر الرسالة، إذ يُستَخدم الدين غطاءً للصراع على السلطة، فتُشوَّه الحقيقة ويُفرَّغ المعنى.
والحقيقة أن الإسلام لا يحتاج إلى من يثبّته بالقوة، فالإيمان علاقة بين الإنسان وربه، لا تُفرض بالسيف ولا تُصان بالشعارات. أما أحلام استعادة أنماط حكم تاريخية، فقد أثبت الواقع أنها أوهام سرعان ما تتبدد. فالتاريخ دورات متعاقبة، إمبراطوريات كبرى كروما وأثينا أفلت، لكن شعوبها لم ترتهن للماضي، بل تقبّلت حاضرها وسعت إلى تطويره.
فمتى يكفّ المتحدثون باسم الدين عن توظيفه في مشاريعهم السلطوية؟ ومتى يُصارحون الناس بأن ما يختبئ خلف الشعارات ليس سوى طموح إلى الهيمنة، مهما تجمّل بعبارات مدنية؟
ربما تكمن الحكمة اليوم في استعادة التوازن: أن يبقى الإسلام قوة أخلاقية تُنير الحياة العامة دون أن يُختزل في صراع على السلطة. فحين يغيب البعد الروحي، يتحول الدين إلى أداة هيمنة، وحين ينفصل عن الواقع، يصبح عزلة لا تُغيّر شيئًا. الإسلام الأصيل ليس سياسيًا ولا روحانيًا فحسب، بل هو توازن بين الحق والرحمة، بين العقل والروح، بين الإنسان وربّه.
***
بشرى الهلالي







