عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

ياسين غالب: الكويت ودبي.. قصة صعود وهبوط المدن الخليجية

تسلك مدن الخليج العربي سلوك الأخوات الغيورات؛ فالتأنيث في أسماء هذه المدن ليس مجرد مصادفة لغوية، بل يكاد يبدو علامة سيميولوجية على أن المدينة أمٌّ لا أب، امرأة لا رجل. وبينما تجمع هذه المدن روابط التاريخ والعِرق والدم، فإنها تتنافس في الوقت نفسه على أدوار القيادة السياسية والاقتصادية، وعلى عرش السياحة بكل أشكالها: الثقافية، والتاريخية، والاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية، والرياضية. عدى عن مكة والمدينة كمدن دائمة للسياحة الدينية والمكتسبة من الحج والعمرة.

هذا العرش الفخري في العادة لا يُقسم بين مدينتين. إنه لقب يكاد يكون فرديًا وحصريًا، من يصل إليه يتربع عليه وحده، ومن يفقده يفسح المجال لمدينة أخرى لتصعد.

في الثمانينات كانت الكويت هي تلك المدينة. كانت نافذة الخليج على العالم ودرة مدنه. لم تكن هناك مدينة خليجية تنافسها في التقدم المعرفي والثقافي والحضري. أما في الجانب الإنشائي والخدمي والترفيهي والإعلامي، فقد تجاوزت في حضورها وتأثيرها عواصم عربية كبرى أنهكتها الحروب مثل بغداد والقاهرة وبيروت.

ربما ساهم الرخاء الاقتصادي الذي عاشته الكويت آنذاك، مقابل الحروب التي ضربت تلك العواصم في السبعينات والثمانينات، في هذا التحول. فقد سحبت تلك الحروب رونق مدن عربية كانت يومًا على الخارطة السياحية والثقافية العالمية. وهكذا تدفقت العمالة والخبرات من تلك المدن نحو الكويت، تلك البقعة الصغيرة التي نهضت بسرعة مذهلة من الرمال.

في تلك المرحلة كانت الكويت مدينة منفتحة نسبيًا مقارنة بمعظم مدن الخليج. ازدهرت الصحافة والفنون، وقادت مؤسسات ثقافية بارزة المشهد الفكري العربي مثل مجلة العربي والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

أما على الصعيد السياحي والترفيهي، فقد امتلكت الكويت معالم كانت مقصداً للزوار من مختلف دول الخليج، مثل منتزه الشعب الترفيهي، وأبراج الكويت، والجزيرة الخضراء، إضافة إلى مشاريع التسوق المطلة على البحر مثل سوق شرق. وحتى طبيعتها البحرية امتدت إلى جزر هادئة مثل جزيرة بوبيان التي تمثل أكبر الجزر الكويتية وإحدى أهم بيئاتها الطبيعية.

في المقابل، كانت دبي في تلك الفترة مدينة تجارية صاعدة، لكنها لم تكن بعد الوجهة العالمية التي نعرفها اليوم. كان اقتصادها يعتمد أساسًا على التجارة والموانئ مثل ميناء جبل علي وخور دبي. ولم تكن المدينة تضم ناطحات السحاب أو المنتجعات الفاخرة التي أصبحت لاحقًا جزءًا من صورتها العالمية.

غير أن لحظة مفصلية غيرت مسار التاريخ. فقرار سياسي وعسكري اتخذه صدام حسين أدى إلى اختفاء الكويت مؤقتًا من الخارطة السياسية حين غزاها العراق عام 1990. فجأة وجدت دولة كاملة نفسها خارج المعادلة، بل كادت تختفي حتى من الخريطة الدولية التي يمثلها علمها في مبنى الأمم المتحدة كدولة مثلها مثل الصين وفرنسا والولايات المتحدة على سبيل المثال. خرجت الكويت من الحرب محررة، لكنها خرجت أيضًا مثقلة بآثار الصدمة. ورغم التعويضات الضخمة التي حصلت عليها عن الأضرار المادية والمعنوية، فإن ذلك لم يعِد لها بسهولة البريق الذي تمتعت به قبل الحرب. فقد تعطلت الحياة السياحية لسنوات، وتضررت البنية التحتية، وانشغلت الدولة بمرحلة طويلة من إعادة البناء.

في تلك الأثناء كانت دبي تتحرك بسرعة في الاتجاه المعاكس. فقد استغلت الاستقرار النسبي لتسريع مشاريعها الاقتصادية والسياحية، وبدأت منذ التسعينات رحلة تحول طموحة نحو العالمية. ومع مطلع الألفية الجديدة ظهرت مشاريع غيرت صورتها بالكامل مثل برج خليفة ونخلة جميرا. بمرور الوقت لم يعد اسم دبي مجرد اسم مدينة، بل تحول إلى علامة تجارية عالمية. مثل المدن الكبرى كـ باريس ولندن، صار الناس يقصدونها لاسمها قبل أي شيء آخر. حتى أسماء أحيائها أصبحت تُستعار في مشاريع عقارية حول العالم، مثل اسم جميرا الذي تحول إلى رمز عالمي للفخامة الساحلية.

لقد بنت دبي صورتها على معادلة واضحة: السياحة الدولية، المشاريع المعمارية الفريدة، كسر الأرقام القياسية في البناء والترفيه، والأهم من ذلك الاستقرار والأمان اللذان يجذبان رؤوس الأموال العالمية.. لكن التاريخ يعلمنا أن مكانة المدن ليست أبدية. فكما صعدت الكويت في مرحلة معينة من تاريخ الخليج ثم تراجع حضورها بفعل الأحداث الكبرى، صعدت دبي بسرعة مذهلة لتحتل موقعًا متقدمًا في الخريطة العالمية.

الحقيقة البسيطة التي يؤكدها التاريخ هي أن المدن لا تُبنى بالأبراج وحدها، بل بالاستقرار والثقة الدولية والاستمرار في الابتكار.وفي منطقة لا تهدأ فيها الجغرافيا السياسية، تبقى دورة الصعود والهبوط مفتوحة دائمًا. فكل مدينة تصعد قد تترك خلفها مدينة أخرى تخفت أضواؤها.

ويبقى السؤال الذي لا يجيب عنه التاريخ إلا بعد حين:

أي مدينة خليجية ستكون التالية في هذا السباق؟

هل هي الرياض؟ المدينة التي تصر على تغيير ثقافتها المحلية وتعويضها بثقافة عولمة في نسخ مقارب لمدن آسيوية معروفة مثل كوالالمبور وغيرها، وتصر على تسكين المقرات الإقليمية التابعة للشركات العالمية فيها كشرط أساسي للعمل في المملكة العربية السعودية.

ربما الحروب كوارث في موقع وثمار مالية ولوجستية في موقع مقابل ينتظر دوره في عجلة التجارة والاستثمار العالمي.

***

ياسين غالب