أقلام حرة
فاطمة الدفعي: النسوية والرأسمالية.. تحالفٌ لتهديم الأسرة وصناعة الفردانية
عندما حضرت حلقات النسوية للدكتور البشير عصام المراكشي انصدمت من التحرر الذي يدعو إليه الغرب، وقد أرعبتني أفكارهم الشيطانية التي يدعون النسوية إليها؛ فهم يريدون للمرأة الفردانية المطلقة؛ أي تحويل المرأة إلى فرد مستقل تماماً لا يرتبط بأسرة ولا بقيم دينية، بل يرتبط فقط بـ "الدولة" و"السوق"، مما يسهل استغلالها اقتصادياً وتفكيك المجتمع من نواته الأولى (الأسرة).
وفكرة البرنامج تتمحور حول أن الحركة النسوية المعاصرة، وإن رفعت شعارات "التحرر"، قد تحولت في الحقيقة إلى أداة طيعة في يد النظام الرأسمالي لتحويل المرأة من "كيان إنساني وأسري" إلى "وحدة إنتاجية" تخدم أصحاب العمل.
الفردانية المطلقة: فخ التفكيك المجتمعي
(المرأة التي كانت ملكة في بيتها، تملك وقتها وقرارها وتدير مملكتها الصغيرة، أصبحت اليوم تلهث وراء (أجر زهيد) وتخضع لسلطة مدير لا يرحم، وتسمي ذلك تحرراً!) "من كتاب "النسوية: من التحرر إلى الاسترقاق"
كانت الأسرة في صورتها المتوازنة تمنح المرأة مساحة من الاستقرار والقرار داخل بيتها، لكن التحولات الاقتصادية الحديثة دفعت بكثير من النساء إلى سوق العمل، أحياناً بدافع الحاجة، وأحياناً تحت ضغط اجتماعي يصور العمل الخارجي بوصفه المعيار الوحيد للقيمة.
لقد أصبحت المرأة بعد حركة النسوية هذه سلعة تُباع وتُشترى لكن بطريقة مغلفة بالتحضر والتقدم والرقي، وبكلام فلسفي أعادوا زمن الاستعباد وجعلوا المرأة كالجارية، لكنهم استخدموا مصطلحاً متحضرًا ومتحرراً فأسموها عاملة، وموظفة تخدم المجتمع، وباسم التحرر استعبدوها وجعلوها تدمر حياتها وشبابها وتتخلى عن استقرارها، وعن أهم مهمة في حياتها وأكبر أحلامها وهي أسرة سعيدة وأبناء حولها ومنزل تسكن فيه هنيئة ومطمئنة، لأن هذه هي فطرتها السوية التي خلقها الله عليها، ولكنهم للأسف جردوها منها بكلامهم المعسول عن الحرية التي تتربص بها خارج مملكتها الآمنة، قتلوا المرأة وجردوها من أنوثتها باسم تحريرها ومساواتها مع الرجال في مجتمعات تافهة لا تعرف أن الاختلاف سُنة الله في الكون؛ فإن تشابهت الأعمال والغايات والأهداف فلن تتشابه المقاييس الحيوية والبيولوجية التي بناها الله في كل الكائنات بدقة متناهية ونظام بديع وبأشكال مختلفة.
الجارية المعاصرة: استعبادٌ مغلفٌ برداء الرقي
إن طمس الفوارق الطبيعية بين الجنسين قد يؤدي إلى ارتباك في الأدوار، بحيث تفقد كل من الأنوثة والذكورة توازنها الطبيعي بدلاً من أن تتكامل؛ فالذكورة إن اختلت وأصبحت رقيقة وحساسة أصبح الرجل مجرد كائن بغيض مقرف، والأنوثة أيضاً إن أصبحت خشنة وقوية أصبحت المرأة مجرد صورة من بعيد تراها تحسبها أنثى وعندما تقترب منها تعرف أنها كائن متحول مخيف. وحركة النسوية الرأسمالية تلك قد سممت كل معاني الأنوثة، وجعلت من الألقاب التي كانت فخر المرأة تصبح عاراً وبطالة في نظرهم المعتم؛ فلقب ربة منزل ولقب الأم والمربية ولقب الزوجة المطيعة كلها أصبحت ألقاباً سُمية قاتلة بالنسبة لنساء اليوم.
فبحسب الدراسات فإن كثيراً من النساء تملن – نفسياً واجتماعياً – إلى تقدير الاستقرار الأسري ودور الأمومة، وهو ما تؤكده دراسات في علم النفس الأسري، لكن الخطاب المعاصر أحياناً يقلل من قيمة هذه الأدوار لصالح أدوار إنتاجية بحتة.
"لقد أصبحت الأمومة في المنظور النسوي الحديث نوعاً من أنواع (الإعاقة) التي تعيق المرأة عن اللحاق بركب المادة، فبدلاً من تكريم الأم، أصبح يُنظر إليها كفرد عاطل عن الإنتاج." من كتاب النسوية: من التحرر إلى الاسترقاق.
المال والبنون زينة الحياة الدنيا فكيف نحرم أنفسنا من تلك النعمة ومن أجمل ما في الحياة لكي نعيش في شقاء أبدي وكدح لا ينتهي؟ أي عقول تلك التي تختار العيش الهمجي بقانون البقاء على قيد السعي والعمل؟ كيف تفني المرأة حياتها كادحة في أسواق الرجال تبيع وتشتري؟ ألم تكن قبل الإسلام تُعرض في تلك الأسواق نفسها لكنها كانت تُباع فيها وتُشترى؟ وبعد الإسلام أصبحت ملكة لا مملوكة، ولكن طريقة الغرب في الإقناع جعلتها تصدق أن خروجها للأسواق يعد تحرراً ورقيّاً وانتصاراً لأنوثتها التي صانها الإسلام عن العيون الماكرة وعن النفوس الخبيثة، حركة النسوية هذه تجاوزت حدها ومسحت الأنوثة من كل أنثى صدقتها.
تزييف الفطرة.. حين تضيع الحدود بين الذكورة والأنوثة
(إن النسوية حركة (ضد المرأة) في المقام الأول؛ لأنها تزدري كل ما هو أنثوي أصيل (كالحياء، والسكينة، والتربية) وتعتبره مظهراً من مظاهر الضعف.) من كتاب النسوية: من التحرر إلى الاسترقاق.
ورغم أن كلامهم عن التحرر عكس ما يدعون المرأة إليه، إلا أنه وللأسف هناك من تتأثر بما يقال، فمن البيان سحراً يسحر الألباب، وبكلامهم المبهرج وتلاعبهم بالمصطلحات جعلوا ربة المنزل تخجل من عملها وتظن أنها غير مفيدة لمجتمعها ولنفسها، صدقت أن اعتمادها على الرجل ضعف بينما هو القوة التي سخرها الله لها لحمايتها وللقوامة عليها، المرأة التي تكتفي بتربية أبنائها وبالاهتمام ببيتها وبزوجها هي التي تعرف معنى أن تكون أنثى ومعنى أن تعيش ملكة حرة طليقة في مملكتها لا تخدم أحداً ولا تعمل أعمال الرجال لتنال أجر عملها؛ فهي مصونة مكرمة عندها كل ما تحتاج إليه. عن أي نسوية يتحدثون بالله عليكم؟ تلك التي تقدح ليل نهار لتأخذ أجرها وتعود لمنزل فارغ لا حب يملؤه ولا أسرة تدفئه، لا زوج حنون ولا أبناء يملؤون قلبها وحياتها بالحياة الحقيقية. عن أي حقوق يتحدث هؤلاء وهم يحرمون المرأة من كل هذه الحقوق؟ فهي لا تحتاج غيرها ولا تريد حياة صاخبة متعبة مثل حياة الرجال لكنها فتنة تفتن فيها النساء وتقع ضحيتها الأسر وتدمر بسببها المجتمعات وتنهدم بعد ذلك الحضارات.
(إن النسوية لم تطمح لجعل المرأة مساوية للرجل في الكرامة، بل طمحت لجعلها (نسخة رديئة) من الرجل، فأجبرتها على خوض معارك ليست معاركها، وقيدتها بمقاييس ذكورية بحتة.) من كتاب النسوية: من التحرر إلى الاسترقاق.
المرأة خلقت رقيقة وحساسة لتكون سكناً ورحمة لزوجها؛ هو يتعب ويعمل ليصرف عليها ويوفر لها كل ما تحتاجه في حياتها، وهي توفر له كل ما يحتاجه في بيته من مأكل وملبس ونظافة وراحة وأبناء بارين وحياة دافئة، هذه هي الأسرة التي يتكون منها المجتمع الراقي وتبنى بها الحضارات بقانون ونظام وتطور حقيقي.
دورانٌ في الفراغ: مقايضة المودة بالأجر المادي
إن ما حدث ليس تحرراً من الأعباء، بل هو (تبادل للأدوار) في سوق مادية جافة؛ فالمرأة التي كانت تخدم بيتها بحب، أصبحت اليوم تخدم في بيوت الآخرين أو شركاتهم لتنال أجراً تدفعه لاحقاً لامرأة أخرى (موظفة الحضانة أو العاملة المنزلية) لتقوم بمهامها الأصلية! لقد تحولت المودة إلى مقارنة ومنافسة، وضاعت (البركة) في هذا الدوران المفرغ لإثبات الذات الأنانية وإثبات الكمال الزائف للرجل والمرأة؛ تدمرت الأسرة حين غابت المرأة عنها ولم يعد هناك رجل عظيم في زماننا لأن لا امرأة في بيته تخرج عظمته، لا يوجد جيل فاتح لفلسطين لأن الأمهات غير متفرغات لتربية الأبطال الفاتحين، غابت الأم وغابت الأخت وغابت المربية وغابت ربة المنزل وغابت الزوجة المطيعة فغابت الرجولة والبطولة والنخوة والنصرة وغابت المجتمعات ثم غابت عنا الحضارة بأكملها...
حيث تخرج الأم لتبني شركات الغرباء، وتترك بناءها الحقيقي (أبناءها) ليقوم به غرباء آخرون بالأجر. فهل استقرت النفس؟ وهل ارتاحت الأجساد؟ أم أننا نعيش في خدعة كبرى، حيث نركض طوال اليوم لنجمع المال لنشتري به (خدمات) كان الحب والرحمة يقدمانها مجاناً في ظل مملكة الأسرة الدافئة؟
ولكن هناك نساء ما زلن محتفظات بدورهن بل إنها تأخذ دور الرجل بكل أنوثة، نساء عاملات لكن ليس لإثبات أنفسهن بل لبناء جيل الفاتحين، هن قلائل لكنهن يعادلن ألف امرأة، فخروجهن كان ضرورة، خرجن للبناء وليس للعرض ولا للاستعراض والمقارنة مع الرجال. أولئك النساء علمننا أن المرأة تستطيع أن تأخذ دور الرجال بكل بساطة، لكن دورها يعجز عن أخذه ألف رجل. المرأة الناجحة هي التي تعمل وتحلم وتسعى لنيل الأهداف لكنها تعرف كيف تحفظ حقوق المجتمع بالمحافظة على أسرتها من الضياع والشتات. المرأة التي لا تضحي بأحلامها لكنها لا تدمر أسرتها ولا تهدم بيتها لتنال مناصب زائفة ولتحقق أحلاماً غير سعيدة بعد أن تركت جيلاً كاملاً يراقبها بدموع الحرمان. المرأة التي ربت أبناءها وحافظت على بيتها، تعلمت واجتهدت ووازنت بين حقها وواجبها؛ تلك التي يقال أن لها علينا حقاً وحقوقها كلها محفوظة رغم أنف المجتمع والعالم بأكمله.
***
بقلم الحرية: فاطمة محمد الدفعي







