عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

سامي البدري: والدجاجة تلد.. عندما يريد الحاكم

سواء كان عربياً مؤمنا أم شيوعياً كافراً!

الأنظمة العربية، البائد والقائم منها، على حد سواء، وجميعها كانت ومازالت معادية للشيوعية وأحزابها، أخذت أسوأ ما في الماركسية ودعت إليه، الشيوعية كايديولوجية وأحزاب، وهو مفهوم (الواقعية الاشتراكية) وهو من بين أكثر مفاهيم الشيوعية التباساً وتخلفاً وعدائية للشعوب والمثقفين بالفعل، لأنه، في واقع الحال، كان سيف السلطة القمعي والرقابي المسلط على الثقافة والمثقفين وحرية الرأي والتعبير.

فهذا المصطلح الملتبس في واقعه وهدفه، نادى بأن تكون وسائل التعبير الثقافية، وبكافة أشكالها ومجالاتها، محصورة في التعبير عن مشاكل الطبقات المسحوقة في المجتمع، وهي طبقة العمال والفلاحين، هاتان الطبقتان الفقيرتان اللتين سعت الأحزاب الشيوعية لاستغلال جهلهما، من حيث كونهما تمثلان الأغلبية في جميع مجتمعات كوكب الأرض، لتمرير إشكالياتها مع الثقافة ومن يمثلونها، (كجهاز توعية ورقابة ثقافيّان وإنسانيان) وجعلهما تحت السيطرة والرقابة، بحجة أن النتاج التعبيري - الثقافي، وبكافة أوجه تمثله، يجب أن يعبر عن مشاكل العمال والفلاحين وباقي الطبقات المسحوقة، لا التوعية بتجاوزات القمع وكشف جرائم ممارسات السلطة وأربابها.

الغريب أن المؤسسات الثقافية العربية (وللغرابة بما فيها الأنظمة الملكية، الأنظمة التي تدعوها الأنظمة الجمهورية - الثورجية بالأنظمة الرجعية والمتخلفة) أخذت هذا الفهم وجعلت منه المعيار الأول لتقييم الأعمال الأدبية والفنية، وميزان جودتها، وخاصة في مجال الرواية، التي استشرت جوائزها في الخمسة وعشرين سنة الماضية، بشكل مثير للشك والريبة معاً، أكثر مما هو مثير للتساؤل الثقافي البريء.

الطريف (هل هو طريف فعلاً!) أن فهم الشيوعية لتطويع واستغلال التعبير الثقافي، قد تحول إلى وجهة الرؤية والتقييم الوحيدة للطبقة الأكاديمية العربية، مجاراة لأنظمتها، وعليه فهي أصبحت معيارهم الأوحد لتقييم جودة الروايات، في مسابقات الجوائز التي صاروا ينتدبون لتقييم ما يقدم إليها، تحت شعار كلمة الحق الباطلة (إذا لم يعبر الأدب عن مشاكل المجتمع، فعن أي شيء يعبر ولم يكتب وسيكتب)؟!

وبالمقابل سأسأل ككل الروائيين، كما ينبغي (ومن قال أن الأدب - الرواية منه على وجه الخصوص- قد كتب، ويجب أن يكتب، من أجل التعبير عن مشاكل المجتمع وهموم طبقاته المسحوقة، بتعبير الفهم الشيوعي)؟

هل كتبت رواية (دونكي خوته) من أجل التعبير عن هموم العمال والفلاحين أم للمتعة؟ ومثلها يسري القول على رواية روبنسون كروزو ورواية باميلا، كروايات أولى وأولية، معروفة ومعتمدة،  لمسيرة نشوء الرواية، بشكلها الذي نتعارفه ونعتمده اليوم وتطورها أيضاً.. وإلى يومنا هذا؟

على الإطلاق، الرواية لم تكتب إلا للمتعة... ومنذ يومها الأول.. إذن لماذا تقبلت أنظمتنا (الرجعية والمتخلفة.. عفواً المؤمنة!) إهانة الأحزاب الشيوعية والفكر الماركسي لنفسها، بقبولها لهذا الفهم الشيوعي حزبياً والماركسي فكرياً؟

ببساطة لأن هذا الفهم يأتي على هوى جميع الأنظمة العربية، كبيوت لتفريخ السلطة وأدواتها القمعية. فجميع الأنظمة العربية، وسواء كانت ثورية - تقدمية، جمهورية، أو كانت رجعية - متخلفة، ملكية، فإن رؤيتها واحدة تجاه الثقافة ومنتجيها (جهاز زعزعة للاستقرار والسلم الوطني، قبل أن يكون أداة لترويج الأفكار السامة والهدامة، المنافية للأخلاق والآداب والمثل والقيم الاجتماعية السليمة والمرضي عنها.. والتي يجب أن تسود وتبقى ليبقى النظام.. إلى الأبد.. وأبد الآبدين)!

الحقيقة، وهذا ما يثبته تاريخ الأحزاب الشيوعية التي وصلت للحكم وتمتعت بفيوض نعيمه، في دول المعسكر الاشتراكي السابق، على وجه الخصوص، فإن دعوى الواقعية الاشتراكية، لم تكن سوى (كلمة حق يراد بها باطل) وهدفها السيطرة على ما تنتجه أقلام المثقفين في دولهم، من أجل أن يبقى النتاج الأدبي والفكري، بل وحتى الديني، تحت السيطرة ولا يقول إلا ما يرى ويريد أركان النظام وما يديم بقائهم في السلطة، مهما كانت مساحة استبدادهم وظلمهم واستعبادهم للشعوب، لا لشيء سوى دوام بقائهم في نعيم السلطة وبحبوحة أموالها وامتيازاتها الأخرى.

وكل ما يرضي الحاكم العربي ويديم بقائه على كرسي السلطة، يأتي باسم الأخلاق والقيم والمثل.. والسلم والسلام الأهلي والاجتماعي.. والوطن طبعاً أيضاً.. أليست هذه هي الحقيقة المرة؟

الحاكم، سواء كان عربياً أم غربياً، وسواء كان ملحداً وكافراً أم مؤمناً ووطنياً، لا يهمهم غير البقاء في السلطة، وعليه فإن الثقافة والإعلام، كوسائل توعية وتحريض، هي معاول هدم وتفتيت لوحدة الوطن. أما بركات (الواقعية الشيوعية الملحدة) فهي الروح والثقافة الوطنيتان، ولأركانها وحدهم يجب دفع الثمن.. وعطايا الجوائز الكبرى وامتيازاتها!.. وطبعاً الموت والخذلان لمن يقول أن هذا المفهوم شيوعياً وليس وطنياً وهدفه المحافظة على وحدة الوطن والسلم الأهلي ووحدة الشعب و.. إلى آخره من شعارات رسمية تؤثث الصفحات الأولى للصحف الرسمية ولأروقة الجامعات ونوادي إبداعها الذي يجب أن يبقى وطنياً جداً ومنضبطاً جداً!

ولكن ماذا عن المتعة في الرواية، التي من أجلها وحدها نقرأها؟

من أفهم كارل ماركس أن الرواية قد (اخترعت) لتكون بوقاً دعائياً للزعيم أو رأس السلطة والحزب القائد؟ سرفانتس؟ روبنسن كروزو؟ شكسبير؟ ريشاردسون؟ كآباء مؤسسين؟

والأهم من كل هذا هو، لماذا كل شيء طرحه كارل ماركس، في رؤيته الشيوعية، كان كافراً ولا أخلاقياً، في نظر الأنظمة العربية الديموقراطية والأخلاقية، فيما عدا دعوته النتنة هذه (الواقعية الاشتراكية)؟

المشكلة الكبرى هي أن دعوى الشيوعية الكافرة هذه، صارت وحدها هي المعيار الذي يجب أن تصدر الرواية بموجبه من دور النشر العربية، ووحدها المعيار الذي تطبل بموجبه وسائل الإعلام (للأعمال الروائية الكبيرة والخالدة).. وأيضاً وحدها التي تبتسم لها شرفات قصور الحكم العربية.. ببساطة لأن كان غابريل غارسيا ماركيز قد شهد لأحد أركان الحكم الشيوعي (فيدل كاسترو) بقراءة الرواية، فأنا أقطع بأن ما من حاكم عربي قد قرأ رواية يوماً.. وربما لن يفعلها يوماً حتى بطريق الخطأ!

ربما لأن الحاكم العربي يعد نفسه صانع حدث الرواية الكبير.. والأوحد؟

ربما.. من يدري... فما يفكر به سيدي وحده هو الذي يعرفه، كما يقول ماركيز في روايته (الجنرال في متاهة).

***

د. سامي البدري