أقلام حرة
عبد الأمير الركابي: الحرب الدائرة بالمنظور اللاارضوي (3)
لا انتقال من اليدوية من دون مغادرة الاحادية الارضوية وقصوريتها الاعقالية، بما يضع هذا الجانب من عملية الانتقال بموقع الاساس والهدف المقصود، اي الغاية التي تقع الالة بموضع العامل المساعد على تحققها للضرورة، مايجعل من "اكتشاف" و "اماطة اللثام" الجارية هنا في ارض اللاارضوية بمثابة المنطلق والاساس الانتقالي المنوه عنه بغض النظر عن التوهميه الابتدائية، فالعقل البشري عقلان عقل يدوي ارضوي، وعقل انقلابي متعد للقصورية البدائية الارضوية اليوم ومن هنا فصاعدا يبدا بالحضور بعد مايقارب العقدين المنصرمين من السعي غيرالملاحظ ولا المنوه عنه، مادام بالامكان عجزا وقصدا اخراجه من الدائرة، علما بان تدني مستوى الادراكية وزرايته الغامرة، يحول مثل هذا الموقف الى ممارسة بداهة بازاء انقلاب كلي، وثورة كبرى تنحو الى ولادة المنظور الوطن كوني العراقي المغيب منذ مايزيد على السبعة الاف عام، بانتظار طور من التاريخ البشري المجتمعي من اليدوية، المجتمعية والانتقال الى المجتمعية العقلية، وقت تتوفر الاسباب عقلا لادراك ماقد كان خارج الطاقة العقلية البشرية الادني، وتظل كذلك مادامت اليدوية سائدة.
هذا ولابد من اخذ حال متبقيات الارضوية وحثالات الريعيه الراهنه، ومع بدء وتيرة الانتقال الكبرى بالاعتبار وقد وصلت مستويات من الانحدار والتردي الشامل والاميه التي تجعلها قاصرة حتى بازاء ذاتها التي تنتسب لها، وقد تهالكت وامتلات عجزا وتشوها على الصعد كافة، الامر الذي من المستحيل تصور امكانيه او حتى احتمال مقاربته كما الحال مع عمل من نوع " ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ: من الابراهيمه الى ظهور المهدي هكذا يرد التاريخ العراقي على التحدي الامريكي" الصادر عن "دار الانتشار العربي/ بيروت" عام 2008 ب 460 ص، عدا عن عشرات لابل مئات المقالات المنشورة في "الحوار المتمدن" في الفترة اللاحقة على صدر الكتاب المشار اليه والى اليوم، هذا غير كتاب من نوع "تجديد النبوة"بلا ناشر، وصولا اخيرا الى " كتاب العراق" الصادر عن نفس الدار التي اصدرت الكتاب الاول في 2025 لنتعرف على ظاهرة غير ملاحظة ولا مؤشر عليها باية صيغة كانت، خصوصا مع وبعد تشرين 2019، حيث نتوفر على مسار راهن للنطقية اللاارضوية العظمى المؤجله، واقعا يكرر مناسبات سابقة غير ناطقة، اولها ثورة ،1920 تبعتها ثورة 1958، وصولا الى الثورة الراهنه المولودة في غمار بدء النطقية المؤجلة، وحلول لحظة الانتفاض الواقعي اللاارضوي غير الناطق بصيغته الاخيرة والنهائية، بانتظار لحظة الانقلاب الكبرى الكونيه وحلول تاريخ النطقية الموجله اللاارضوية العظمى.
انه "زمن النطقية" المتجهه نحو " تشرين اللاارضوية الناطقة"، وهو يواكب متفاعلا تحولات الانتقالية المجتمعية من الارضوية اليدوية، بعد التوهمية الاوربيه الامريكيه بانتظار اكتمال اسبابها بحلول لحظة وسيلة الانتاج العقلية اللاحقة على التكنولوجية الانتاجية الغالبه حاليا، بعد الفترة الاليه المصنعية، وتعاظم ازمه الكيانيه المفقسه خارج رحم التاريخ مع احتدام وتعاظم الرغبة في اختلاق اسباب كيانيه مفبركه مستعادة ابراهيميا، وهو ماقد صار اليوم منهجيه كيانيه، ترامب ممثلها ومنفذها النموذج.
ومن غير المفترض عند معاينه لحظة انقلاب كبرى فاصلة وانتقاليه نوعيه، تجاهل ضخامه المجريات والاحداث الملازمه للحظة من هذا النوع، بالاخص تحت طائلة الانقلابيه الكلية في المنظور والرؤية والقدرة العقلية على النظر، مابين معتاد مترسخ متراكم، واخر صار اليوم لزوما في حال تحقق، مابين منظور الارضوية التاريخي الراسخ الذي انتهت صلاحيته، والانبجاس الشامل اللاارضوي الازدواجي الذي صار حاضرا وهو يصارع داخلا من بين الشقوق التي تولدها الشروط والاليات الموضوعيه، مع كل مايتلازم مع عمليه عظمى من هذا النوع من مصاعب كبرى غير مالوفة ومتعددة الاشكال والتجليات.
هذا غير مامتوقع ان يستغرقه الانتقال الكبير من زمن وتراكميه حدثية كما الحال في العراق من التسعينات الى اليوم، مع ما منتظر وقد لايكون في الحسبان، ويحضر هنا للتذكير تاريخ الاصطراعيه الامريكية العراقية من التسعينات، وظهور تيار "المعارضة الوطنيه" بمختلف مواقفها المضادة للعدوان الامريكي، وصولا لوقوع العدوان وعملية السحق الكياني عام 2003 والاتجاه الى وضع خيار مضاد للذي كانت الولايات المتحدة بصدده وتخطط له بما يكرس انهاء حضور العراق، حين اقترح تيار المعارضة الوطنية "المؤتمر التاسيسي العراقي" وقتها، وعقد لهذا الغرض في 2004 مؤتمرا تحضيريا للمؤتمر التاسيسي في بيروت، حضره 350 شخصية جاءوا من العراق، تهيئة للخيار الاخر، ولابد من الاعتراف بان مقاربة الحقيقة الاصطراعية الكونيه التي دخل غمرتها العراق في حينه، لم تكن قد جرت مقاربتها بكل ابعادها وقتها، وربما الى اليوم، وان غلبه المنظور الارضي كانت ماتزال مهيمنه بانتظار بداية تلمس الطريق الواجب من يومه، وبدء ادراك الاهمية الفصل للناحية الفكرية التصورية والموقع الحاسم للمسالة الكبرى المعلقة على مر تاريخ عراق الازدواج المجتمعي، ماقد رجح من حينه المكانة الفاصلة للمهمه الفكرية الوطن كونيه، اي لوجود العراق الذي امضى تاريخه الثر الاستثنائي السيزيفي الكوني بلا رؤية للذات ظلت متجاوز للقدرات العقلية المتاحة للكائن البشري، مع ان الوصول اليها ضرورة قصوى، ولحظة انقلاب بشرية استثنائيةعلى مستوى المعمورة.
وعلى سبيل المثال، فان موضوعا مثل ازدواجية المواجهه المفترضة من قبل مجتمع مزدوج كينونة وبنية ماكانت، وهي ليست مقبوله او قريبه للتداول حتى الساعه، ولنتصور لو ان احدهم قال بان ماحصل بين العراق والولايات المتحدة وحملتها التدميرية الكونيه لم يكن معركة مع العراق، بقدر ماهو معركة مع العراق الارضوي، وان المجابهه الاشمل والابعد، اي الاصطراعية اللاارضوية مع العدوان التدميري ظلت وماتزال لها تجليات وسياقات اخرى، وتفاعليه مستمرة الى الساعة، بعد ان انتهى الطرف الارضوي، وفقد اية امكانات تصد او استمرارية باية صيغة كانت، ويصعب جدا على اي كان، ان يقبل مثل هذه الفكرة، او يتخيلها كاحتمال، مع انها موجودة في تاريخ هذا المكان وحاضره، بالامكان متابعتها واظهار الامثلة عليها في اكثر من حالة وفترة تاريخيه، منها ولعل ابرزها تلك التي تعود الى انهيار الدورة الثانيه العباسية القرمطية الانتظارية مع سقوط بغداد عاصمة الدورة الثانيه عام 1258 وتحولها الى مركز براني، تتناوب عليه الدول واشباه الامبراطوريات من هولاكو الى العثمانيين والانكليز ممن كانوا يستعملون العاصمة المنهاره موقعا رمزيا لاحتلال ماكانت اسبابه قائمه او ممكنه، اذ ظلت الدول المتعاقبة معزوله في العاصمه بغداد، سلطاتها لاتتعدى اسوار المدن الكبرى.
والاهم هنا ليس فقط اقتصار السلطات البرانية على بغداد وحدها من دون بقية ارجاء العراق، وبالاخص منه ارض السواد اسفل بغداد، فالحاصل وقتهاماكان مجرد تعذر سيطرة، بقدر ماكان استمرار الديناميات الخاصة الذاتيه الوطن كونيه في التشكل، من دون اعلان كيانوي هو اصلا امر غير وارد ضمن تكوين المجتمعية اللاارضوية، فما ان حل القرن السادس عشر حتى ظهرت علائم التشكل الانبعاثي مع " انحاد قبائل المنتفك" في ارض سومر، بعد تفاعليه استمرت من سقوط بغداد في القرن الثالث عشر، متخذه شكل فوضى عارمه ظلت شاملة لارض السواد حتى القرن الخامس عشر، عندما بدات عملية نضج التشكل الانبعاثي الثالث الراهن بالتبلور، متخذه صيغة " القبليه" الاولى التي ستتبعها مع القرن الثامن عشر صيغة ثانيه انتظارية نجفية، وصولا الى الثالثة المواكبه للبرانيه الحداثية الاستعمارية مع القرن العشرين.
ـ يتبع ـ
***
عبد الأمير الركابي







