عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

غالب المسعودي: الفلسفة السياسية في الشرق الأوسط

تشريح القصور النقدي وآليات تسييل الأزمات في بيئات العمل العدائية

إبستيمولوجيا العجز في الفكر السياسي

إن مفهوم القصور النقدي في الفضاء الفكري للشرق الأوسط لا يشير إلى ضعف في الأدوات المنهجية، بل يمثل حالة من "العجز البنيوي" المتجذر في طبيعة العلاقة بين الفكر والسلطة. هذا القصور ناتج عن تراجع الفلسفة السياسية المعيارية أمام زحف المناهج التجريبية التقنية التي اختزلت البحث العلمي في رصد الظواهر السطحية القابلة للقياس الكمي، مغيبة بذلك الأسئلة الجوهرية حول القيم، والعدالة، والغايات القصوى للفعل الإنساني. لقد أدى هذا التحول إلى تجريد العقل العربي من قدرته على نقد "العقل الجمعي" وإعادة صياغة الثقافة العامة، مما جعل الفلسفة تفقد دورها كحائط صد ضد "بؤر الأوهام" التي تصنعها الماكينات الإعلامية العالمية. وكما يشير الفكر النقدي، فإن الثقافة التي لا تملك ممانعة نقدية هي ثقافة قابلة للاختراق والتبعية المطلقة.

الجانب الاقتصادي المادي.. الاستلاب وتكريس التبعية

لا يمكن فهم القصور النقدي بمعزل عن البنية التحتية الاقتصادية التي تحكم المنطقة. إن الشرق الأوسط يعيش حالة من "الاستلاب المادي" ناتجة عن اندماجه المشوه في النظام الرأسمالي العالمي كمنطقة طرفية وظيفتها الأساسية هي تصدير المواد الخام واستهلاك السلع والخدمات الفكرية المستوردة. في هذا السياق، تصبح الأزمات الاقتصادية وسيلة لإخضاع الطبقات المطحونة وتسييل قدرتها على المواجهة.

إن "تسييل الأزمات" في المنظور المادي يعني تحويل التناقضات الطبقية الحادة إلى قضايا معيشية يومية صغيرة تستهلك جهد الفرد وتمنعه من إدراك موقعه في عملية الإنتاج. إن الثروة في المنطقة لا تدار بوصفها رأس مال بشري، بل كأداة لتعزيز سلطة النخب المرتبطة بالمراكز المالية العالمية. ومن هنا، فإن اللامساواة في الدخل ليست مجرد خلل إحصائي، بل هي نتيجة حتمية لنمط إنتاج يعتمد على الريع والسمسرة الدولية، مما يؤدي إلى سحق الطبقة الوسطى وتهميش "البروليتاريا الرثة"، وهو ما يولد بيئة عمل سياسية عدائية ترفض أي فكر نقدي يسعى لتغيير علاقات الملكية أو توزيع الثروة.

إن انتهاء "العقد الاجتماعي القديم" الذي كان يقدم الخدمات مقابل الولاء لم يفرز عقداً جديداً قائماً على المواطنة، بل أفرز حالة من "الخصومة المادية" حيث تنمو دخول الأثرياء بمعدلات فلكية بينما يغرق الفقراء في ديون سيادية وشخصية لا تنتهي. هذا الوضع يخلق "ديناميات رفاهية سلبية" تجعل اليأس هو الشعور السائد، مما يسهل عملية السيطرة السياسية عبر الإفقار الممنهج وتغييب الوعي بآليات الاستغلال.

الحرب الناعمة وتسييل الوعي الطبقي

في ظل هذا الواقع المادي المأزوم، تبرز "الحرب الناعمة" كأداة ضرورية لتسييل الأزمات وتغييب الوعي الطبقي. إنها "إمبريالية الكلمة والصوت والصورة" التي تسعى لجعل المستغَلين يتبنون قيم مستغِليهم. الميديا الرقمية في الشرق الأوسط ليست مجرد أدوات تواصل، بل هي مصانع لإنتاج "الوعي الزائف" عبر خوارزميات تعمل على "تجنيد الجهل".

تقوم هذه الحرب على مبدأ "التعمية الطبقية"؛ حيث يتم استبدال الصراع المادي الحقيقي بصراعات هوياتية وهمية. فبدلاً من أن يدرك العامل أو الفلاح جذور استلابه في النظام الاقتصادي، يتم جره إلى صراعات طائفية أو مذهبية. هذا الانتقال من "المادي" إلى "الثقافوي" هو جوهر النجاح الذي تحققه سياسات التعمية. إن تسييل الأزمة هنا يعني تمييع الحقوق الاقتصادية وتحويلها إلى مطالب رمزية لا تهدد بنية الحكم أو مصالح المراكز الرأسمالية. وتتفق هذه الرؤية مع طرح "أنطونيو غرامشي" حول الهيمنة الثقافية، حيث تُحكم الطبقة المسيطرة قبضتها عبر القوة وصياغة "إجماع زائف" يجعل المظلومين يتقبلون ظلمهم بوصفه قدراً طبيعياً.

الجيوسياسة الإقليمية.. فراغ القوة وصراع الوكلاء

تعد البيئة الجيوسياسية في الشرق الأوسط من أكثر بيئات العمل عدائية في العالم المعاصر. إن المنطقة تعاني من "مأساة النظام الإقليمي" المتمثلة في العجز عن إيجاد ميكانيزم داخلي لتنظيم الاستقرار. هذا الفراغ في القوة لم يؤدِ إلى استقلال دول المنطقة، بل جعلها ساحة مفتوحة لتنافس القوى الدولية التي تختبر حدود قدراتها عبر "حروب الوكالة".

إن الدول الطامحة للهيمنة الإقليمية تفتقر في الغالب إلى "الشرعية المعيارية"، لذا فهي تلجأ إلى استخدام "الغموض الاستراتيجي" في خطاباتها السياسية. هذا الغموض يسمح بتمرير مشاريع توسعية تحت غطاء الحوار أو التوافق، بينما هي في الحقيقة تعمق الانقسامات المحلية لضمان تبعية الأطراف للمركز. إن الصراع الجيوسياسي في المنطقة ليس صراعاً على المبادئ، بل هو صراع على "خطوط الإمداد" و"ممرات الطاقة" و"الأسواق الاستهلاكية".

إن غياب العقد الاجتماعي الجديد على المستوى المحلي ينعكس فشلاً في بناء "نظام أمني مشترك" على المستوى الإقليمي. وبدلاً من ذلك، نجد أنظمة تعتمد في بقائها على "الغراء الأمني" والتحالفات الخارجية، مما يجعل السياسة الإقليمية حالة من الخصومة الدائمة التي تمنع أي تراكم معرفي أو سياسي مستقل. إن تسييل الأزمات الجيوسياسية يتم عبر تحويل الصراعات الحدودية والسيادية إلى ملفات تقنية تدار في عواصم القرار الدولي، بعيداً عن إرادة الشعوب المحلية.

التواصل التوافقي كآلية لامتصاص الاحتقان وتثبيت الهيمنة

يظهر "التواصل التوافقي" في الخطاب السياسي الشرق أوسطي ليس كأداة لتحقيق العدالة، بل كإطار لإدارة الصراعات ومنع انفجارها الجذري. هذا النمط من التواصل يسعى إلى صياغة "تسويات سياسية" توفر المادة الخام لعمل الفلسفة السياسية المعيارية، ولكنه غالباً ما يقع في فخ "الليبرالية البرجوازية ما بعد الحداثية". إن بطل هذا المشروع هو "المثقف" الذي يهدف إلى تقليص الألم والقسوة دون المساس بهياكل الاستغلال، متوجهاً صوب ثقافة "ما بعد فلسفية" تغلب عليها الجمالية والشاعرية على حساب الصراع المادي.

في الدول التي تعاني من انقسامات حادة، يتحول "الحوار الوطني" إلى ممارسة للتواصل التوافقي الذي يفشل باستمرار في بناء إجماع حقيقي حول القضايا السيادية والإصلاحية. إن النخب الطائفية والسياسية تستخدم هذه الحوارات لتعزيز أنماط تواصل تضمن استمرار مصالحها، مما يخلق فجوة حرجة بين خطاب التوافق وبين الحاجة الملحة للإصلاح البنيوي والشفافية. هذا التواصل، بدلاً من أن يكون جسراً للتحول الديمقراطي، يصبح أداة لتعمية الطبقات المطحونة عن مصالحها الطبقية الحقيقية عبر إغراقها في نقاشات هوياتية ضيقة. وتتماشى هذه الظاهرة مع ما وصفه "يورغن هابرماس" بالفعل التواصلي، ولكن في صيغته المشوهة التي تفتقر إلى تكافؤ الفرص في التعبير والقوة.

الازدراء المعرفي للنظرة المادية ونفي السياسة

شهد الفكر العربي المعاصر تحولاً خطيراً نحو "الازدراء المعرفي" للماركسية والنظريات المادية، وهو توجه تقوده النخب المحافظة التي تسعى لتجاوز مفاهيم "التناقض والصراع" لصالح "الانسجام الموهوم". يتم تصوير التحليل المادي للصراع الطبقي بوصفه "عنفاً فكرياً" أو "دخيلاً ثقافياً"، بينما يتم الترويج لنظريات "التواصل التوافقي" التي تهدف في جوهرها إلى تأبيد الوضع القائم.

هذا الازدراء ليس علمياً، بل هو أيديولوجي يهدف إلى تجريد الطبقات المسحوقة من أدواتها التحليلية الأكثر فاعلية. فعندما يتم نفي "المادي" لصالح "المقدس" أو "الهوياتي"، تفقد السياسة معناها كصراع حول توزيع الموارد والقوة، وتتحول إلى مجرد "طقوس توافقية" بين نخب طائفية أو عرقية. إن هذا "التغريب للماركسية" يتم استخدامه لتشويه أي نقد حقيقي للرأسمالية العالمية، مما يجعل الفلسفة السياسية في المنطقة أداة لتسويغ "أطروحة العنف" التي يمارسها المركز ضد الأطراف تحت مسميات الحداثة والاستقرار. وكما أكد "كارل ماركس"، فإن الفلسفة لم تعد تكتفي بتفسير العالم، بل يجب أن تسعى لتغييره، وهو ما يخشاه القائمون على الازدراء المعرفي اليوم.

 نحو انعتاق معرفي وعقد اجتماعي جذري

إن مأساة النظام الإقليمي وغياب العقد الاجتماعي الجديد تتطلب الانتقال من "التواصل التوافقي" الذي يخدم النخب إلى "تواصل صراعي" يعترف بالتناقضات المادية ويسعى لحلها جذرياً. يجب تجاوز "الازدراء المعرفي" عبر إعادة الاعتبار للفلسفة السياسية المعيارية التي تضع قضايا العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية في قلب البحث العقلاني.

إن المستقبل المرهون بتعافي الاقتصاد العالمي لن يكون كافياً ما لم يصاحبه "انعتاق معرفي" يحرر العقل العربي من أوهام المركزية الغربية ومن سياسات التعمية الرقمية؛ لبناء عقد اجتماعي حقيقي يعيد للسلطة معناها كخدمة عامة، وللمواطن دوره كفاعل تاريخي أصيل. إن استعادة "المادي" في التحليل السياسي هي الخطوة الأولى نحو كسر طوق التبعية وبناء سياسة عربية مستقلة تليق بتضحيات شعوبها وطموحاتها في الكرامة والحرية.

***

غالب المسعودي