عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مقاربات فنية وحضارية

احمد عابر: موت الفنان.. حين يعزف الموت لحن الخلود

في غرفة يغمرها الضوء الخافت وبين لوحات لم تكتمل بعد...يجلس الموت حاملا ألحانه كأنه جاء ليعزف لا ليقبض الأرواح.

المشهد ليس تهويدة أخيرة بالمعنى المألوف بل هو لقاء صامت بين فنان أنهكه البحث عن الجمال ورفيق ظل يرافقه منذ النفس الاول وصرخة الولادة الاولى.

في هذا المرسم الضيق حيث تتناثر الأوراق والألوان على الأرض وحيث السقف المائل يضغط على الغرفة بوطأة الاختناق، تتحول النهاية إلى طقس من طقوس العبور.

"الفن هو نشاط إنساني، يقوم على أن ينقل رجل بوعي عن طريق إشارات خارجية معينة المشاعر التي عاشها للآخرين."

هكذا كتب الروائي الروسي ليو تولستوي في مقالته "ما هو الفن؟"، مقدما تعريفا يختزل جوهر العملية الإبداعية في فعل المشاركة الوجدانية.

الفن عند تولستوي ليس استعراضا للتقنية ولا زخرفة سطحية بل هو جسر من الإحساس يمده الفنان بين روحه وأرواح الآخرين.. محاولا أن يجعلهم يعيشون ولو للحظة ما اختبره هو من فرح أو ألم أو دهشة.

هذا المعنى يجد تجسيدا بصريا استثنائيا في واحدة من أكثر اللوحات تأثيرا في مطلع القرن العشرين حيث لا ينقلنا الرسام إلى تأمل موت الفنان فحسب بل يشركنا في المشاعر التي عاشها ذلك الفنان وهو يواجه نهايته.2736 Death of the artist

تعد لوحة "موت الفنان" واحدة من أعمق أعمال الفنان البولندي سيغموند أندريخيفيتش، وقد رسمها عام ١٩٠١. تصور اللوحة مشهدا داخليا يغلب عليه السكون وربما الكآبة وان شئت الخلوة لفنان شاب يرقد على فراش الموت داخل مرسمه البسيط.

تتوزع عناصر العمل بعناية لخلق جو من الحزن والتأمل لكن ما يستحق الوقوف عنده هو البنية التكوينية ذاتها. السقف المائل يضغط على الفضاء من الأعلى، مانحا المشهد إحساسا بالانغلاق والاختناق وكأن الغرفة نفسها تحتضر. المساحة الفارغة في مقدمة اللوحة تبتلع الجسد الممدد فتبدو قامة الفنان ضئيلة أمام مصيره في مقابل حضور الموت المتضخم إلى جواره.

أما الضوء المنبعث من المصباح الخافت فليس ضوء حياة بقدر ما هو ضوء احتضار...وهج أخير ينسحب ببطء. وتظل اللوحات غير المكتملة المبعثرة على الأرض الشاهد الأبلغ على حياة توقفت في ذروة عطائها.

ينتمي سيغموند أندريخيفيتش إلى جيل من الفنانين الذين جمعوا بين الواقعية والرمزية وهي مدرسة فنية سعت إلى تجاوز النقل الحرفي للواقع نحو التعبير عن المعاني النفسية والفلسفية والروحية. درس الفن في وارسو وكراكوف ثم في باريس وهناك تأثر بالاتجاهات الرمزية التي كانت منتشرة في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر. تميزت أعماله بالاهتمام بالمشاعر الإنسانية العميقة واستخدام الرموز البصرية للتعبير عن قضايا الوجود والموت والعزلة. وفي هذه اللوحة تحديدا يظهر تأثره الواضح بالفن الرمزي من خلال تجسيد الموت. تذكرنا هذه المعالجة ولو من طرف خفي بتقليد "رقصة الموت" في الفن الأوروبي الوسيط غير أن أندريخيفيتش يستبدل رقصة الجمع المخيفة بثنائية حميمية بين الموت والفنان، كما لو أنه يعيد كتابة الإرث البصري بروح حداثية شاعرة.

ولهذا تعد "موت الفنان" عملا فنيا يتجاوز حدود التجربة الشخصية ليصبح تأملا إنسانيا عاما في العلاقة بين الفن والحياة والموت.

يقدم مارتن هايدغر في كتابه "الكينونة والزمان" تصورا يضيء هذا المشهد بطريقة لافتة، إذ يقول:

"الموت هو الإمكانية الأكثر ذاتية ولا يمكن تجاوزها. الموت بوصفه نهاية الكينونة في العالم هو الإمكانية الأخص للوجود."

بالنسبة لهايدغر الموت ليس مجرد حادثة بيولوجية تقع في نهاية الحياة بل هو إمكانية وجودية تصاحب الكائن البشري في كل لحظة من لحظاته وتشكل علاقته بوجوده ذاته.

الوعي بهذه الإمكانية هو ما يحرر الإنسان من التشتت في التفاهة اليومية ويدفعه إلى أن يعيش حياته بـ"أصالة"، أي أن يختار إمكانياته بنفسه ويحقق ذاته من خلالها.

في سياق اللوحة يصبح الفنان الذي يرقد على فراش الموت هو الإنسان الذي عاش هذه الأصالة عبر فنه. قراره بأن يكون فنانا وأن يخلق الجمال هو استجابة لإمكانية الموت. العزف الأخير للهيكل العظمي هو التجسيد البصري لهذه الإمكانية القصوى إنه صوت النهاية الذي لم يباغت الفنان وكل انسان بل يرافقنا جميعا طوال الحياة.

حضور الموت يمنح كل لحظة وكل عمل الثقل الوجودي والاستحقاق للمعنى لمن يدرك ما استطاع حضور الموت.

إذا كان هايدغر يرى في الموت طريقا نحو الأصالة... فإن بإمكاننا الاستعانة برجل آخر هو الفيلسوف البريطاني  برتراند راسل لفهم ما هو الفن. زاوية فهمه أقل قلقا وأكثر احتفاء بالحياة.

قبيل وفاته بعامين كتب راسل في آخر مقالاته:

"هناك فنان مسجون في كل واحد منا. أطلقوا سراحه لينشر الفرح في كل مكان."

هذا التصور يحمل تفاؤلا عميقا إذ يرى راسل الإبداع لا كنشاط نخبوي بل كجوهر إنساني كامن في كل فرد ينتظر لحظة الإطلاق.

قيمة الفن هنا لا تكمن فقط في مواجهة العدم أو في خلود الأثر بل في قدرته على خلق البهجة. عند تطبيق هذا المعنى على لوحة أندريخيفيتش يتحول الهيكل العظمي الذي يعزف على الكمان من رسول نهاية إلى رسول تحرر. حياة الفنان كلها كانت محاولة لإطلاق سراح ذلك السجين الداخلي وهذا ما ترمز إليه اللوحات والأوراق المتناثرة في أرجاء المرسم؛ إنها آثار عملية تحرير استمرت طويلا. الموت هنا هو المفتاح الأخير الذي يحرر الفنان المسجون في الجسد من قفصه ليصبح قادرا على نشر فرحه في كل مكان متحررا من حدود الزمان والمكان وحتى من جسده ليبقى أثره.

في هذا السياق لا يمكن إغفال بعد آخر خفي في اللوحة وهو حسب فهمي الإيحاء بأن الموت ليس فناء محضا بل عبور. الموسيقى التي تعزف تحمل شيئا.... كأنها تراتيل مرافقة لروح تستعد للانتقال. الفن هنا بتعريف تولستوي...هو تلك الإشارة الخارجية التي تنقل إلينا المشاعر رغم العبور فتتحول اللوحة إلى وثيقة صامتة. الجسد يخبو لكن الأثر يمتد والكمان يظل مشرعا على صمت من نوع آخر... صمت لا يعني النهاية.

وهكذا نعود لى تعريف تولستوي للفن كفعل إنساني ينقل المشاعر التي عاشها الفنان إلى الآخرين. لوحة أندريخيفيتش، بهذا المعنى، هي فعل نقل مزدوج فهي تنقل إلينا أولا مشاعر الفنان المحتضر بهدوئه وتسليمه. ثم تنقل إلينا من خلال رمزية الهيكل العظمي العازف مشاعر ذلك "الصديق الأخير" ذاته الذي لم يكن يوما عدوا بل رفيقا دائما يعزف اللحن الأخير. نغادر اللوحة ويبقى الكمان معلقا في صمت الغرفة وكأن اللحن لم ينته بعد.

وهل اللحن الذي سيحمله موتنا المؤكد يوما ما... حين يجلس إلى جوارنا سيكون صدى لحياة عشناها بأصالة أم صمتا لم نملأه بعد؟

***

د احمد عابر