أقلام حرة
حميد القحطاني: حين تنام البذرة في التراب الخطأ
تأمل في عقل يبتكر ولا يبني
من التحوير إلى الابتكار: حين يتحرّر العقل العراقي من عبودية الضرورة ثمة مشهد يتكرر كل صباح في أزقة بغداد الصناعية، لا يلفت انتباه المارّ العجول، لكنه يستوقف المتأمل طويلاً ويُقلقه بصمت: فنّي يجلس القرفصاء أمام محرك معطوب، لا يملك القطعة الأصلية ولا يملك ثمنها فيُغمض عينيه لحظة كمن يُصغي إلى صوت داخلي بعيد، ثم يمد يده ببطء واثق ويصنع من لا شيء شيئاً. يُصلح ما أعجز غيره، ثم يمضي دون أن يكتب اسمه على ما صنع ودون ان يعلم ان ما فعله للتو كان يمكن ان يكون بداية حضارة.
هذا المشهد لا يطرح سؤالاً تقنيا، بل يطرح سؤالاً وجوديا في صميم ما تعنيه الحضارة ذاتها.
حين نُمعن النظر في ما يُسمى شعبياً بـ ”التحوير“ - ذلك الإبداع الفطري الذي وُلد من رحم الحصار ونضج في فرن الأزمات المتراكمة - نجد أنفسنا أمام ظاهرة سوسيولوجية نادرة: طاقة خلاقة حقيقية أصيلة غير مستعارة لكنها تعمل في دائرة مغلقة لا تُولّد تراكماً. انها تُطفئ حرائق اليوم وتنتظر حرائق الغد، في حلقة لا ترتفع ولا تتصاعد كمن يبني جداراً من الرمل كل مرة من جديد لأن الموجة التالية لا تترك أثر الجدار السابق.
والسؤال الحضاري الحقيقي هنا ليس: لماذا لا يبتكر العراقيون؟ فهم يبتكرون، وقد أثبتوا ذلك في أقسى الظروف التي تُعجز الآخرين. السؤال الأعمق والأشد إيلاماً هو: لماذا لا يتراكم ابتكارهم؟ لماذا تُشرق الفكرة ثم تغرب دون أن تُورث ضوءها لمن يأتي بعدها؟
الحضارة في جوهرها ليست لحظات عبقرية متفرقة، فتلك تملكها كل الأمم وكل الشعوب في لحظات ألمها الكبرى. الحضارة هي القدرة على تحويل اللحظة العبقرية إلى رصيد مستمر وتحويل الإلهام الفردي إلى ذاكرة جماعية وتحويل الحل العابر إلى مبدأ ثابت يُبنى عليه. إنها فن التراكم، ومن لا يُتقن هذا الفن يظل يُعيد اختراع العجلة في كل جيل ويدفع ضريبة البداية من جديد في كل أزمة.
ما يُعانيه العقل العراقي المبدع اليوم هو ما يمكن تسميته ب ”فخ الضرورة الحضاري“: حين تستنزف الأزمات المتراكمة - حروب متعاقبة وعقوبات خانقة وانهيار مؤسسي مديد وتآكل بطيء للثقة بين الإنسان ومنظومته - كل طاقة المجتمع وتُحوّلها نحو البقاء، تنضب تلقائياً طاقة ”التخيل الحر“، ذلك التخيل الذي يتجاوز ضرورة اليوم نحو إمكان. ينتج عن ذلك أجيال تُحسن الإجابة على مشكلات الحاضر إحساناً بالغا لكنها لم تتعلم كيف تطرح الأسئلة الكبرى التي تصنع المستقبل.
والفارق بين المحوِّر العراقي وصاحب ”الكراج الكاليفورني“ الذي تحوّل إلى إمبراطورية تقنية ليس - كما يُسارع كثيرون إلى الظن - فارقا في شحنة الذكاء الفطري أو عمق الموهبة أو حدة الحدس. كلاهما يرى في القطعة المهملة ما لا يراه غيره وكلاهما يُولّد من الشُح حلاً يُدهش العارفين. الفارق الحقيقي والحاسم كامن في شيء آخر: في البيئة التي تحتضن الفكرة حين تُولد وفي المنظومة التي تحفظها وتُضاعفها أو تتركها تموت في صمت.
المحوِّر العراقي حين يبتكر يبتكر وحيداً وحين ينجح ينجح وحيداً وحين يموت يأخذ سره معه لأنه لا نظام يستقبل ما صنع ويبني عليه. أما صاحب الكراج في سان خوسيه، فحين يبتكر تستقبله منظومة كاملة: قانون يحمي فكرته، جامعة تُطوّرها، مستثمر يُموّلها وسوق يُثمّنها. ليس أذكى منه لكنه ليس وحيداً. وهذا الفارق - بين عبقري وحيد وعبقري محاط - هو بالضبط الفارق بين شرارة تخبو وشعلة تُضيء.
ثمة تجربة واحدة تستحق الوقوف عندها بعمق لأنها الأقرب إلى روحنا وأكثرها إضاءة لمسارنا: الهند حين واجهت المعادلة ذاتها، لم تختر أن تستحي من ارتجالها الفطري المسمى ”جوغاد“، ولم تتركه يتيماً في أزقتها. اختارت أن تُؤسّسه وتُشرعنه، فنقلته من الورشة الى قاعات الجامعات ومن الحاجة الى فلسفة حتى صارت ”الهندسة المقتصدة“ شيئاً تُصدّره الهند إلى العالم لا تستورده. لم يتغير العقل الهندي، بل تغيّر ما يُقال له عن نفسه.
القاسم المشترك بين هذه التجارب ليس وفرة الموارد ولا غياب الأزمات. القاسم المشترك هو قرار واحد بدا بسيطاً لكنه كان في حقيقته تحولاً حضاريا عميقا: أن تذهب المؤسسة إلى المبتكر بدلاً من أن تنتظره وأن تقول له بصدق: ما بين يديك من خبرة هو رأس مال وطني، لا رخيصة اجتماعية.
غير أن الوقوف عند إصلاح المنظومة وحدها خطأ تشخيصي فادح. فالأنظمة المؤسسية المجرّدة من روح المعنى تلك الهياكل الباردة الخالية من إحساس حقيقي بالرسالة والكرامة لا تُنتج حضارة بل تُنتج آلات. ما يحتاجه العراق قبل أي قانون للملكية الفكرية وقبل أي صندوق للاستثمار في الابتكار، هو شيء أكثر عمقاً وأكثر عُسرا في الوقت ذاته: استعادة ”الكرامة المعرفية“ للفني والمحوِّر والمخترع الشعبي. تلك الكرامة التي تعيد له صورته أمام نفسه وأمام مجتمعه، وتُعلن أن ما يفعله ليس مهنة اضطرارية لمن أخطأ الطريق إلى الجامعة، بل هو شكل راق من أشكال المعرفة الإنسانية وإن خلا من الشهادات المؤطّرة على الجدران.
الجامعة العراقية اليوم تُخرّج عقولاً تنتظر وظيفة. الورشة تصنع عقولاً تخلق حلولا. وبين هذين العالمين المتوازيين اللذين لا يلتقيان تضيع طاقة الأمة في ثغرة لا يراها أحد، بينما يحمل كل منهما ما ينقصه الآخر. المهندس يملك المنهجية ويفتقر إلى الحدس الميداني والفنّي يملك الحدس الميداني ويفتقر إلى المنهجية وحين يلتقيان لا يُنتجان موظفاً ولا عاملاً بل يُنتجان مبتكراً.
وفي قلب هذا كله يبرز جيل جديد يرفض الاختيار بين عالمين ويصنع عالماً ثالثا بيده. شباب تعلّموا من الشاشة ما لم تُعلّمهم إياه المدرسة واكتشفوا ما لم يكتشفه الجيل السابق: أن اللابتوب لا يُلغي الورشة بل يُضاعفها، وأن المنهجية الرقمية لا تتناقض مع الخبرة اليدوية بل تُكملها وتُوسّع أفقها. هؤلاء يحملون في أيديهم إجابة جزئية عمّا سألنا عنه، ليس بكلامهم بل بوجودهم ذاته، إذ يُثبتون كل يوم أن الفجوة بين ما نملك وما نريد ليست هوّة في الطبيعة، بل هي مسافة في الإرادة يمكن قطعها بخطوات واعية ومتراكمة
إن الأرض التي كانت يوماً مهد الكتابة الأولى وأم المدن وأرسلت للعالم أول قوانينه المدوَّنة وأولى حساباته الفلكية، لا تحتاج اليوم الى أن تستعير هويتها من أحد ولا الى أن تستورد نموذجها جاهزاً من وادٍ بعيد. هي تحتاج فقط إلى أن تنظر بعيون مفتوحة إلى ما تحمله بين يديها وأن تُدرك أن الفنّي الجالس القرفصاء في أزقة بغداد يحمل في يديه المُلوَّثتين بالزيت بذرة ما تبحث عنه. ومهمة المجتمع والدولة والجامعة والقانون ليست اختراع شيء من العدم، بل هي في مجملها مهمة واحدة بسيطة وعميقة معاً: أن تقف إلى جانب هذا الفنّي وتقول له بوضوح وإنصاف وكرامة أنت لست مصلّحاً للأعطال، أنت مهندس لم نكتشفك بعد.
يوم يُقال هذا الكلام بصدق ويتحوّل من خطاب الى سياسة ومن سياسة الى ثقافة، يومها فقط يُكمل العراق معادلته الحضارية المعلّقة منذ أمد طويل. ويومها يتذكر العالم ما نسيه وتتذكر بغداد ما أنسته إياها الأزمات: أن من علّم الإنسانية كيف تكتب لا يعجزه أن يُعلّمها كيف تبتكر.
***
حميد القحطاني







