قضايا
عماد خالد رحمة: الأستاطيقا وتحولات الوعي
الجمال بوصفه تشريعاً للخيال والحرية
منذ أن انشقّ الوعي الإنساني عن يقيناته الأولى، لم يعد الجمال ترفاً حسّياً يُضاف إلى العالم، بل صار طريقةً في فهم الوجود نفسه؛ إذ إنّ علم الجمال، أو الأستاطيقا، لم يولد بوصفه تأملاً في الزينة أو المحاكاة، وإنما وُلد بوصفه ارتجاجاً عميقاً في بنية الفكر الغربي، وانقلاباً على النظام الدوغمائي الذي كان يضع الذات في تبعيةٍ مطلقة لموضوعٍ مفارق وثابت. ولهذا بدا ظهور الأستاطيقا الحديثة متزامناً مع ما سمّاه الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط «الثورة الكوبرنيكية» في الفلسفة؛ تلك الثورة التي لم تغيّر مسار المعرفة فقط، بل غيّرت صورة الإنسان عن نفسه، وعن علاقته بالعالم، وعن معنى الإدراك والخيال والحرية.
لقد كان العالم، قبل هذه القطيعة الكانطية، يُفهم بوصفه حقيقةً جاهزةً تقف خارج الذات، بينما يُنظر إلى العقل كمرآةٍ سلبيةٍ تعكس الموجودات كما هي. غير أنّ كانط زعزع هذا التصور من جذوره حين أعلن أن العقل لا يستقبل العالم فحسب، بل يشارك في بنائه وإضفاء معناه؛ فالذات ليست مستودعاً خاملاً للمعرفة، وإنما هي قوة تشريعية تمنح الظواهر انتظامها وإمكان ظهورها. ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة: إنّ الإنسان «مشرّع الطبيعة». أي إنّ الطبيعة، كما تُدرَك، ليست معطىً خالصاً، بل هي حصيلة تفاعلٍ خلاق بين الحسّ والمقولات والوعي.
في هذا التحول الجذري، لم يعد الجمال مجرد خاصيةٍ في الأشياء، بل أصبح تجربةً تنكشف فيها حرية الذات وهي تؤسس علاقتها بالعالم دون إكراهٍ مفهومي أو منفعةٍ عملية. فالحكم الجمالي عند كانط لا يقوم على المعرفة ولا على الأخلاق، بل على ذلك الانسجام الحرّ بين المخيلة والفهم؛ ذلك الاهتزاز الداخلي الذي يجعل الروح تشعر بأنّ العالم قابلٌ لأن يُحَبّ قبل أن يُفهَم، وأن يُتأمّل قبل أن يُستعمل.
ولعلّ أعظم ما اكتشفته الأستاطيقا الحديثة هو أنّ المخيلة ليست أداةً ثانوية تزيّن الواقع، بل هي القوة السرية التي تمنح الإدراك نفسه حيويته. فالمخيّلة، في التصور الكانطي، ليست مجرد خزانٍ للصور، وإنما طاقة توليدية قادرة على خلق إمكاناتٍ جديدة للحدس والمعنى. إنها الوسيط الخفيّ بين الحسّ والعقل، بين المادة والصورة، بين الفوضى والقانون. ولذلك قال صموئيل تايلور كولريدج إنّ المخيلة «قوة توحيدية» تعيد خلق العالم في داخل الذات، لا عبر نسخه، بل عبر بعثه من جديد.
ومن هنا نفهم لماذا ارتبط الجمال بالحرية منذ نشأته الفلسفية الحديثة؛ لأنّ التجربة الجمالية هي اللحظة التي يتحرر فيها الإدراك من قسر المنفعة ومن صرامة المفهوم. ففي تأمل لوحةٍ أو قصيدةٍ أو معزوفةٍ موسيقية، لا نبحث عن حقيقةٍ علمية ولا عن غايةٍ نفعية، بل نختبر انفتاحاً داخلياً يجعل الذات أكثر اتساعاً وقدرةً على الإنصات لما هو غير قابلٍ للاختزال. ولذلك رأى فريدريش شيلر أنّ الجمال هو المجال الذي يتصالح فيه الإنسان مع ذاته، لأنّ الإنسان لا يكون إنساناً كاملاً إلا حين يلعب؛ أي حين يتحرر من الضرورة ويدخل فضاء التشكيل الحرّ.
إنّ الفن، وفق هذا المعنى، ليس محاكاةً للعالم، بل إعادة اختراعٍ له. والقصيدة العظيمة لا تصف الأشياء كما هي، بل تكشف ما كان خفياً فيها. ولهذا كان مارتن هايدغر يرى أنّ العمل الفني ليس شيئاً جميلاً فحسب، بل هو انكشافٌ للحقيقة؛ إذ إنّ الحقيقة، في الفن، لا تظهر بوصفها برهاناً، وإنما بوصفها إشراقاً. إنّ القصيدة لا تقول العالم، بل تجعله يحدث من جديد داخل اللغة.
وهنا تبلغ اللغة ذروتها الجمالية؛ فاللغة ليست أداة نقلٍ محايدة، وإنما بيت الوجود كما يقول هايدغر. والكلمات، حين تبلغ كثافتها الشعرية، تتحول إلى كائناتٍ حيّةٍ تُنصت إلى ما وراء المعنى المباشر. ولذلك كان رومان ياكوبسون يرى أنّ الوظيفة الشعرية للغة تقوم على تركيز الرسالة على ذاتها؛ أي على جعل اللغة تُظهر مادتها وإيقاعها وتوتراتها الداخلية، لا أن تكون مجرد قناة عبورٍ نحو المعنى.
ومن هذا المنظور، يصبح الجمال نوعاً من المقاومة ضد الابتذال والاعتياد؛ لأنّ الإنسان، حين يفقد قدرته على الدهشة، يفقد شيئاً من إنسانيته العميقة. إنّ الجمال ليس زينةً للحياة، بل إنقاذٌ لها من التشيؤ. ولهذا كتب ثيودور أدورنو أنّ الفن الحقيقي يحمل دائماً أثراً من السلب والاحتجاج؛ لأنه يرفض أن يذوب العالم في المنفعة الخالصة أو في النظام التقني البارد.
إنّ الأستاطيقا، بهذا المعنى، ليست علماً للجمال فحسب، بل هي تفكيرٌ في الحرية والخيال والوعي والزمن. إنها محاولة لفهم كيف يستطيع الإنسان أن يخلق عالماً آخر داخل العالم؛ عالماً لا تحكمه الضرورة وحدها، بل تحكمه القدرة على التخيّل والتجاوز وإعادة التشكيل. ومن هنا كان الجمال حدثاً روحياً قبل أن يكون خاصيةً حسية؛ لأنه يكشف أنّ الإنسان ليس كائناً يستهلك الواقع فقط، بل كائنٌ يعيد تأويله باستمرار.
وحين تبلغ المخيلة أقصى حريتها، لا تعود الطبيعة معطىً جاهزاً، بل تصبح إمكانيةً مفتوحة. وهنا يظهر أصل الحسّ الجمالي: ذلك الحدس الذي يخلق طبيعةً أخرى، لا تُقاس بقوانين المادة وحدها، بل بأحداثٍ روحيةٍ خالصة؛ طبيعةٍ تُولد فيها الأشياء من جديد داخل الرؤية، ويصبح العالم فيها أقلّ صلابةً وأكثر قابليةً للحلم.
***
بقلم: عماد خالد رحمة برلين







