أقلام حرة
عبد السلام فاروق: فلاسفة آخر الشهر!!
هذه الحكاية لا تبدأ من حيث تظنون. لا تبدأ من برج عاجي يطِل على نهر السين، ولا من صالون أدبي تفوح منه رائحة العطر الفرنسي والثقة الزائدة، ولا حتى من مدرج جامعة القاهرة حيث يتثاءب الطلبة على صوت أستاذ يشرح نظرية المعرفة. الحكاية تبدأ من مشهد عابر، مشهد لو مررت به في الشارع لما التفت إليه، لكنه يختزل المأساة كلها كأنه ضربة سكين في خاصرة الحقيقة.
شاب عربي، وسيم، يلبس جاكيت جلد، يدرس الفلسفة في أوروبا. يجلس في مقهى باريسي عتيق، يقرأ هيدجر بالألمانية، ويدخن السجائر ببطء، وكأنه يقلد جان بول بلموندو في فيلم من أفلام الموجة الجديدة. يتأمل كتاب "الوجود والزمان" وفي باله أن العالم كله ينتظر أن يفك طلاسمه، بينما بلده الأم يغلي على نار هادئة، نار الفقر والقهر والجهل. وفي اللحظة التي يغلق فيها الكتاب، لا لشيء إلا لأنه سئم، يرفع عينيه في المرآة المقابلة، فيدرك فجأة، بغتة، أنه لا يفهم شيئًا على الإطلاق. لا يفهم بلده الذي تركه خلفه. لا يفهم أمه التي تتصل به آخر الشهر، لا لتسأل عن هيدجر طبعًا، بل لتسأل السؤال الإنساني الحقيقي: "حولت الفلوس ولا لسه؟". لا يفهم لماذا يشعر أن هذه الأفكار الكبيرة التي يحملها في رأسه كبدلة مستعارة من محل أزياء فكرية، يرتديها في المناسبات الأكاديمية، ويخلعها بامتنان شديد حين يعود إلى غرفته، ليبحلق في سقفها ويستمع إلى صوت صمت لا يشبه أي شيء.
هذا المشهد الذي تصورته الآن ليس استثناء يا صديقي. لا تغالط نفسك. هذا هو القاعدة. هذا هو المدخل الوحيد لمتاهة لا يملك أحد خريطتها، متاهة المثقف العربي الذي تحول، دون أن يدري، إلى ما يمكن تسميته بـ"الكائن الليلي". كائن لا يحتمل الضوء، ضوء الواقع العربي القاسي، الحاد، المباشر، الذي لا يجيد المواربة ولا يفهم لغة المجاز. إنه يعيش في منطقة الشفق الفكري، حيث الأفكار ضباب لطيف، دخان سجائر، لا شفرات حادة تقطع. وحين يضطر، بحكم الظروف، للخروج إلى شمس الواقع الحارقة، تصيبه حساسية مفرطة. يعطس، تدمع عيناه، يشعر بالدوار، ويريد العودة سريعًا إلى كهفه المظلل، إلى حضن النص، إلى حيث الكلمات لا تعض.
علمتني الحياة، وقراءة التاريخ بتركيز، أن أثق في التشخيص البارد، تشخيص الطبيب الذي لا يكذب على مريضه، ولا أثق مطلقًا في الحلول الساخنة التي يقدمها الدجالون. فالمشاكل الكبيرة، من النوع الذي نعاني منه، لا تحل بجرة قلم أو بقصيدة حماسية. المشاكل الكبيرة تدار. ولكن قبل أن ندير، علينا أن نفهم. وفهم مأساة النخبة العربية يتطلب منا أن نقوم بما يشبه التشريح الطبي، أن نفتح الجثة بهدوء، بدون تقزز، ونرى ما بداخلها. وعندما نفعل ذلك، نكتشف شيئًا صادمًا بحق؛ أن الجثة ليست ميتة تمامًا. إنها في حالة موت سريري. القلب ينبض بالنبضات الأولية للحياة البيولوجية، لكن الحياة العاقلة، الواعية، الفاعلة، قد توقفت.
وهذا، يا سادة، هو التعريف الدقيق لكلمة "الزومبي" في أدب الرعب وفي السينما. كائن يتحرك، يأكل، يمشي، يتكلم، يكتب مقالات، يقتبس من دريدا، يردد كلامًا عن التفكيك، ولكنه لا يحيا. لقد مات الجزء المتصل بالواقع فيه، ومات الجزء القادر على الفعل والتغيير، وبقي الجزء القادر على ترديد الكلام وحده، مثل اسطوانة قديمة مشروخة.
المشكلة ليست أن مثقفينا قرأوا كانط وهيجل وهوسرل. لا، فهذا شرف لولا أنهم حولوه إلى عار. المشكلة أنهم قرأوهم كما يقرأ الواحد منا كتالوج أثاث من دمياط، لا كما يقرأ إنسان يبحث عن معنى لوجوده في هذا العالم المعطوب. لقد تعاملوا مع الفلسفة كما تتعامل ربة منزل مع مجلة ديكور، تنظر إلى الصور الجميلة، وتتخيل كيف سيكون شكل بيتها لو امتلكت هذا الكنبة وتلك الأباجورة، ثم تطوي المجلة بأسى، وتعود إلى مطبخها الضيق وموقدها القديم الذي لا يعمل.
الأفكار، في وجدان هذه النخبة، صارت صورًا للاستهلاك البصري والعقلي، لا أدوات للفعل. صارت ديكورًا عقليًا، لا أسلحة في معركة الحياة اليومية. وهذا هو الانفصال الأول والقاتل: انفصال بين الفكرة كشكل أنيق، والفكرة كمضمون ساخن قد يحرق يديك. لقد حفظوا شكل الفكرة، هيكلها، لكنهم لم يعيشوا حرارتها أبدًا، لم يختبروا ما أسماه الفيلسوف الوجودي كيركجارد بـ"القلق والرجفة". لهذا صار فكرهم بلا حرارة، مجمدًا، وفكر بلا حرارة هو جثة فكرية لا أكثر. هو معلومات مخزنة على قرص صلب، لا موقف من الحياة.
هل تذكرون تلك اللحظة في أفلام الرعب القديمة، حين يفتح البطل بغباء منقطع النظير كتابًا مسكونًا، فتنبعث منه أرواح شريرة تغير حياته إلى الأبد؟ أحيانًا أتخيل أن ما حدث للمثقف العربي هو العكس تمامًا وبكل دقة. لقد فتح كتب الفلسفة الغربية بفضول حذر، فلم تنبعث منها أرواح. بل على العكس، دخلت روحه هو في الكتاب، وبقيت هناك أسيرة. عاد الجسد إلى الوطن، إلى القاهرة، إلى الدار البيضاء، إلى دمشق، لكن الروح ظلت حبيسة في نصوص هايدجر ودريدا وفوكو، تركض بين السطور لا تعرف كيف تخرج. وهكذا، وببساطة شديدة، صار المثقف العربي جسدًا بلا روح، أو روحًا بلا جسد حسب زاوية النظر!. في الحالتين، هو كائن ممزق، نصفه هنا في المقهى الشعبي، ونصفه هناك في السيمنار الأكاديمي. وهذا، إن أردت الدقة، هو التعريف العملي للاغتراب.
ولكن، وكما تعلمنا من القصص البوليسية الجيدة، لا تثق أبدًا في التفسير الوحيد الجاهز. هناك دائمًا احتمال آخر، دافع آخر، بعيد. وهذا الاحتمال الآخر، الذي يزعجني ويقلق نومي ويدفعني للكتابة، هو أن الاغتراب ليس حادثًا عرضيًا أصاب مثقفنا المسكين، بل هو استراتيجية بقاء مقصودة. إنه خيار، ربما غير واعي، لكنه خيار. إنه ميكانيزم دفاع.
المثقف العربي، في أعمق أعماقه، يخاف. يخاف من مواجهة الواقع لأنه لو واجهه حقًا، لو نظر في عينيه مباشرة، لاضطر إلى أمرين كلاهما مر وقاتل: إما أن يفعل شيئًا خطيرًا يهدد راحته وسلامته ومكانته، وإما أن يعترف، في لحظة صدق نادرة، بعجزه الكامل. وكلا الأمرين مرعب. لذا، يختار الطريق الثالث: الانفصال اللذيذ. أن يبني عالماً موازياً من الأفكار الجميلة المصفوفة بعناية، ويقنع نفسه أن هذا العالم هو الحقيقي، وأن العالم الخارجي، عالم الغبار والصراخ ولحمة الجاموس، هو الزائف. هذا، بالضبط، ما يفعله مريض الفصام الذي يخلق واقعًا بديلاً لأنه ببساطة لا يتحمل الواقع الحقيقي. والسؤال المخيف الذي يلح علي هو: هل مثقفونا مصابون بفصام جمعي غير مشخص؟
قد يبدو كلامي هذا قاسيًا، أعرف ذلك. وأنا لا أدعي مطلقًا أنني أفضل منهم. لا يا سيدي، ربما أنا واحد منهم، أكتب مقالاً عن الاغتراب وأنا مغترب، أنظر إلى المشكلة من الخارج وأنا أغرق في داخلها. لكن ما يفرق بين مريض وآخر، كما قال الحكماء، هو أن الأول يعرف أنه مريض، والثاني لا يعرف. والوعي بالمرض هو نصف الشفاء، أو هكذا قالوا لنا لنشعر ببعض الأمل.
لكن مشكلة نخبتنا الثقافية أنهم لا يعرفون أنهم مرضى. يظنون، بثقة تثير الغيرة أحيانًا، أنهم في قمة الصحة الفكرية، وأن المجتمع هو المريض المتخلف الذي يحتاج إلى من يلقنه الدرس. وقد يكون المجتمع مريضًا فعلاً، لا أحد ينكر هذا، لكنهم جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع، يصيبهم ما يصيبه، ويصيبونه بما فيهم.
لننتقل إلى النقطة الاقتصادية، التي يخجل منها مثقفنا النبيل. هذا الخجل ذاته عرض من أعراض المرض، بل هو المرض عينه. إنه خجل الأرستقراطي الذي يعتبر الحديث عن المال قلة ذوق، مع أنه يعرف جيدًا أن المال هو عصب الحياة. لكن الحقيقة التي يغفل عنها أرستقراطينا الفكري، أو يتغافل، هي أن الخبز ليس مجرد مادة. الخبز ليس كربوهيدرات ونشويات. الخبز هو كرامة. هو أمان. هو حق أصيل في الحياة. وحين يبحث الفقير عن الخبز، فهو لا يبحث عن شيء مادي حقير، إنما يبحث عن أساس وجوده الإنساني. وحين يتجاهل المثقف هذا السؤال، أو يعتبره "سؤالاً صغيرًا" لا يليق بعقله الكبير، فهو لا يخطئ فقط في التشخيص، بل يمارس عنفًا رمزيًا دنيئًا، يمارس استعلاءً طبقياً مقنعًا بلغة فلسفية لا يفهمها إلا هو ورفاقه.
هذا المثقف الذي يتحدث عن العدم عند هيدجر بنشوة، هل ذاق طعم العدم الحقيقي في حياته؟ العدم ليس فكرة في كتاب تقرأ على ضوء شمعة. العدم هو أن ينام طفل جائع بمعدة فارغة. العدم هو أن تبحث عن دواء لأمك ولا تجده. العدم هو أن تفقد كل شيء وتقف وحيدًا. هذا هو العدم المعاش، الذي لا يحتاج إلى ترجمة. وهذا هو تحديدًا ما يتهرب منه مثقفنا بكل براعة، حين يلوذ بمفاهيم مجردة تحميه من مواجهة بشاعة الواقع.
ولكن، ومن باب العدل الذي نحاول أن نتعلمه، لابد أن نعطي الفقراء حقهم كاملاً. هم ليسوا مجرد مادة خام للفلسفة، ولا هم موضوعًا للدراسة الاجتماعية الباردة. كما أنهم ليسوا حكماء صامتين كما تحب النخبة أن تصفهم في كتاباتها المليئة بالشفقة الممزوجة بالتعالي. لأن هذا الوصف نفسه، يا سادة، يحمل استعلاء مقيتًا، لأنه يحول الفقر قسرًا إلى فضيلة، وهذا تزييف قبيح للحقيقة. الفقر ليس فضيلة، الفقر لعنة، سوط من نار. والفقراء ليسوا فلاسفة صامتين، هم بشر عاديون، طيبون وأشرار، يريدون أن يعيشوا بكرامة. يريدون تعليماً لائقاً لأولادهم، وصحة لأجسادهم، وعملاً شريفاً يحفظ ماء وجوههم من ماء المذلة. هم لا يحتاجون من المثقف أن يتغنى بحكمتهم الصامتة المزعومة، بل يحتاجون إليه أن ينقلب على نظام ينتج الفقر ويعيد إنتاجه بكل عنفوان. ولكن المثقف، الذي يخاف من الضوء ويحب منطقته الرمادية، لا يستطيع أن يفعل هذا. لأنه لو فعله، لدخل في صراع حقيقي مع السلطة التي تمنحه المكانة، ومع السوق التي تمنحه المال، ومع "الأنا العليا" التي تمنحه الاحترام. لذا، يختار الحل الأسهل والأكثر خسة في أحيان كثيرة: أن يكتب قصيدة عن "جمال البؤس"، بدلاً من أن يحارب البؤس.
في النهاية، ماذا نفعل؟ سؤال قديم، متعب، ومحبط أحيانًا لدرجة البكاء. ليس لدي وصفة سحرية، ولا أؤمن بالوصفات الجاهزة أصلاً. ولكن ما أعرفه، من تجربة الحياة ومن تجربة القراءة، أن الإنقاذ يبدأ من لحظة الصدق. لحظة يقول فيها المثقف لنفسه، بصوت مسموع، أمام المرآة: "أنا خائف. أنا مغترب. أنا لا أفهم شعبي كما ينبغي. أفكاري مستعارة، وغضبي مستعار، وحتى يأسي مستعار. أريد أن أبدأ من جديد. من الصفر. من السؤال الأول: لماذا أنا هنا؟ وما مهمتي الحقيقية؟".
هذه اللحظة مرعبة. إنها تشبه لحظة استيقاظ بطل رواية رعب، حين يكتشف أن الوحش الذي كان يطارده طوال القصة ليس كائنًا فضائيًا، بل هو في الحقيقة بداخله، جزء منه، يسكن في أعماقه ويتحكم في مصيره.
المثقف العربي يحتاج أن يكتشف أن الوحش ليس في الخارج، ليس في الواقع، المجتمع، الدولة، التخلف، بل في الداخل. في طريقة تفكيره هو. في علاقته المريبة بالمعرفة. في خوفه المقيم من المواجهة. وعند هذا الاكتشاف المرعب، قد يحدث شيئان لا ثالث لهما: إما أن ينهار ويدخل في اكتئاب مزمن لا يخرج منه، وإما أن ينهض. ببطء. بتردد. مرتجفًا. ويبدأ أول خطوة في طريق طويل. طريق لا يعرف نهايته، لكنه على الأقل طريق خاص به، حقيقي، لا طريقًا مستعارًا من أحد.
في روايات الرعب، هناك دائمًا تعويذة تطرد الشياطين. في عالم الواقع، لا توجد تعويذات. توجد محاولات. توجد حيوات نحياها بالتجربة والخطأ، بالوجع والفرح النادر. وتوجد لحظات نادرة جدًا، من الصدق التام، قد تغير كل شيء. ربما، فقط ربما، إذا تجرأ مثقفونا على تلك اللحظة، سنرى فجرًا مختلفًا. فجرًا لا يخاف من ضوئه أحد، ولا يهرب منه أحد إلى كهفه.
***
د. عبد السلام فاروق







