التعذيب بالريش
تُعدُّ قصة "التعذيب بالريش" واحدةً من أغربِ قصصِ التعذيبِ التي يوثقها السيدُ صاحب الحكيم في مؤلفه (المشار إليه في المقالات السابقة)، إلى جانبِ قصصٍ أخرى تشكلتْ غرابتُها وفقاً للمواقفِ والأحداثِ التي رافقتْ عملياتِ التعذيبِ الممنهجةِ التي كان يمارسها أعضاءُ حزبِ البعثِ بحقِّ الضحايا.
تقول الضحيةُ (سليمة علي)، الموثقةُ شهادتُها في تقريرِ السيد الحكيم، إنها تعرضتْ إلى عمليةِ تعذيبٍ بالريش؛ وهي طريقةٌ تبدو -كما شرحته الضحيةُ- أنها كانت أسلوباً ممنهجاً ومتبعاً بكثرةٍ. تذكر الضحيةُ في شهادتها "وُضِعتُ في غرفةٍ فارغةٍ مصبوغةٍ باللون الأبيضِ ومملوءةٍ بالريشِ، ثم تُشغَّلُ المروحةُ بأقصى سرعتِها فيتطايرُ الريشُ ولا أستطيعُ التنفسَ . "
هذه الشهادةُ تؤكد المقاربةَ المعتادةَ في ملءِ الغرفةِ بالريشِ وصبغِها بالأبيضِ، وإن كانتْ -قياساً بوسائلِ التعذيبِ الأخرى التي دونتُها في كتابي (أساليب التعذيب والجريمة البعثية، 2024)، أو تلك التي ذكرها السيدُ الحكيم في تقريره الصادر عام 2003- تشكل جزءاً بسيطاً من الإجرامِ الدمويِّ للبعثِ. فالضحيةُ نفسُها تعرضتْ أيضاً لأساليب أخرى كالتعذيبِ بالكيبلاتِ، والأنابيبِ المطاطيةِ، والأسلاكِ المعدنيةِ، والصعقِ بالكهرباء، والتعليقِ بالمروحةِ، وكسرِ العظامِ.
وعلى الرغمِ من أن طريقةَ "التعذيب بالريش" تبدو يسيرةً في ظاهرها، إلا أنها في الواقعِ طريقةٌ خانقةٌ ومخيفةٌ تثير الرعبَ؛ فالضحيةُ لا تعلم ما سيتتبعها من طرق تعذيب أخرى، وعادةً ما كان الجلادون يتدرجون مع الضحايا من الأساليبِ السهلةِ إلى الأشدِّ قسوةً المؤديةِ إلى الموتِ. وتوضح الضحيةُ أن أساليبَ تحقيقٍ دنيئةً مُورستْ معها قبل التعذيبِ البدنيِّ؛ وهي إجراءاتٌ وضغوطٌ تهدف لانتزاعِ اعترافاتٍ عن تهمٍ لم ترتكبْها ولا تعرف عنْها شيئاً، مثل: تهريبِ عناصرَ مطلوبةٍ، أو الانتماءِ لحزبِ الدعوةِ ومساعدةِ شخصياتٍ منه. بل إن الالتزامَ الدينيَّ بحد ذاته كان لديهم تهمةً تستحق الملاحقةَ، والاعتقالَ، أو الإعدامَ، حيث اعتادوا توجيهَ تهمٍ جائرةٍ تكون أقربَ إلى الذرائعِ منها إلى العقابِ الجنائيِّ المستحقِّ.
بدأتْ رحلة الاعتقالِ من قِبل الاستخباراتِ العسكريةِ في مدينة البصرةِ، ونُقلتِ الضحيةُ بعدها إلى بغدادَ، وتحديداً إلى "الشعبة الخامسة" في الكاظميةِ. وتصف الضحيةُ زنازينَ هذه الشعبةِ بأنها غرفٌ مخيفةٌ تحت الأرضِ، تتصل بممراتٍ مظلمةٍ وذاتِ إضاءةٍ خافتةٍ، حيث كان التعذيبُ يُمارس فيها مساءً، أو يمتد طوال الدوامِ الرسميِّ من الثامنة صباحاً وحتى أذان المغربِ، بتناوبٍ مستمرٍّ بين الضباط، والشرطة، وعناصر الأمن.
لقد دأب السيدُ الحكيم على تدوين هذه القصصِ وتسجيلِ الشهاداتِ لتكون ورقةَ ضغطٍ وإدانةٍ تاريخيةٍ، ونقلاً للحقيقةِ حتى وإن تأخرتْ؛ فالمحاكمة التاريخيةُ أحياناً تكون أهمَّ من المحاكمة الجنائيةِ. ومن هنا، فإن عقوبةَ "الاجتثاثِ" التي صدرت بحق الفكر البعثي وتجريم الترويج له، تُعدُّ عمليةَ محوٍ عادلةً من التاريخ لإيديولوجيةٍ قاتلةٍ مارستْ أبشعَ طرقِ التنكيلِ بالشعب العراقيِّ.
***
بقلم: د. رائد عبيس







