عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

جورج منصور: سيفو بعد 111 سنة

ذاكرة الدم التي لم تمت

في هذه الأيام تحل الذكرى الحادية عشرة بعد المئة لمذابح "سيفو"، تلك المأساة التي تعرض لها السريان والآشوريون والكلدان، إلى جانب مسيحيي الدولة العثمانية خلال سنوات الحرب العالمية الأولى. وبعد مرور أكثر من قرن على تلك الأحداث الدامية، ما زالت الذاكرة الجمعية لشعوب المنطقة تحمل جراحاً لم تندمل، فيما يواصل أحفاد الضحايا المطالبة بالاعتراف التاريخي والإنساني بتلك الجريمة.

ففي الحادي عشر من حزيران (يونيو) من كل عام، يستذكر السريان والآشوريون والكلدان في مختلف أنحاء العالم واحدة من أكثر المآسي دموية في تاريخ الشرق الحديث: مذابح "سيفو". وهذا العام إذ تحل ذكراها الحادية عشرة بعد المئة، يعود السؤال الأخلاقي والتاريخي إلى الواجهة بإلحاح: كيف يمكن لجريمة بهذا الحجم أن تبقى خارج دائرة الوعي العالمي، الذي يتحدث كثيراً بالدفاع عن حقوق الإنسان والعدالة والذاكرة؟

كلمة "سيفو" في اللغة السريانية تعني "السيف"، وقد تحولت إلى رمز لموجة واسعة من القتل والتهجير والإبادة اجتاحت مناطق طور عابدين وهكاري وأورمية وديار بكر وماردين ونصيبين وغيرها من المدن والقرى التي شكلت لقرون طويلة موطناً تاريخياً للسريان والآشوريين والكلدان. كانت تلك المناطق تزخر بأديرة عريقة وكنائس ومدارس وتراث ثقافي ولغوي يعود لآلاف السنين، لكن سنوات الحرب غيّرت وجه تلك المناطق إلى الأبد.

لم تكن المأساة مجرد أعمال عنف متفرقة فرضتها ظروف الحرب، كما حاول البعض تصويرها لاحقاً، بل عملية منظمة أدت إلى اقتلاع جماعات سكانية بأكملها من جذورها التاريخية. ففي تلك المناطق، تعرضت مئات القرى والبلدات للهدم والتدمير، وأُحرقت الكنائس والأديرة، وقُتل رجال الدين والمدنيون، بينما سُيقت آلاف العائلات في مسيرات تهجير قاسية، انتهى كثير منها بالموت جوعاً أو مرضاً أو رمياً بالرصاص.

تشير غالبية الدراسات التاريخية إلى أن مئات الآلاف من المدنيين قتلوا خلال سنوات 1914 – 1918، فيما تتراوح تقديرات ضحايا السريان والآشوريين والكلدان بين 250 ألفاً و300 ألف إنسان. ويذهب عدد من الباحثين إلى أن أكثر من نصف الوجود السرياني والآشوري في بعض المناطق التاريخية قد اختفى خلال سنوات قليلة فقط.

ليست سيفو حادثة تاريخية عابرة يمكن إيداعها في أرشيف الماضي وإغلاق ملفها، بل جرح حضاري وإنساني يكشف كيف يمكن للتعصب القومي والديني أن يتحول إلى آلة تدمير تستهدف الإنسان بسبب هويته وانتمائه. فقد خسرت شعوب بأكملها عشرات الآلاف من أبنائها، ودُمرت قرى ومدن، وتشكلت موجات واسعة من الشتات ما تزال آثارها حاضرة حتى يومنا هذا.

ويشير عدد من الباحثين إلى أن أكثر من نصف الوجود السرياني والآشوري في بعض مناطقه التاريخية اختفى خلال سنوات قليلة فقط. كما أدت المذابح وما تبعها من نزوح جماعي إلى نشوء واحدة من أكبر موجات الشتات في تاريخ هذه الشعوب، حيث استقر الناجون وأبناؤهم في العراق وسوريا ولبنان، ثم في أوروبا والأمريكيتين وأستراليا.

ومع أن الزمن مضى، فإن أهمية إحياء ذكرى سيفو لا تكمن فقط في تكريم الضحايا أو استذكار آلامهم، بل في الدفاع عن الحقيقة التاريخية نفسها. فالأمم التي تنكر مآسي الماضي تترك الباب مفتوحاً أمام تكرارها، بينما يشكل الاعتراف بالجرائم ومواجهة الوقائع بشجاعة خطوة أساسية نحو المصالحة والعدالة وبناء مستقبل أكثر إنسانية.

لقد شهد القرنان العشرون والحادي والعشرون مذابح وجرائم إبادة جماعية في أماكن مختلفة من العالم، ما يؤكد أن الكراهية لا تزال قادرة على إنتاج المآسي متى ما وجدت بيئة مناسبة من التعصب والتمييز والصمت الدولي. ومن هنا فإن استذكار سيفو لا يخص السريان أو الآشوريين أو الكلدان وحدهم، بل يمثل رسالة عالمية ضد جميع أشكال الاضطهاد الديني والقومي والعنصري.

لا تُقاس المأساة بعدد الضحايا فحسب، بل أيضاً بما خسرته الإنسانية من تراث وثقافة وتنوع. فقد كانت مناطق المشرق، عبر قرون طويلة، نموذجاً لتعدد اللغات والثقافات والأديان. وعندما تعرض أحد مكونات هذا النسيج التاريخي للاستئصال أو التهجير، لم تكن الخسارة تخص جماعة بعينها، بل أصابت المنطقة بأسرها. إن اختفاء قرى تاريخية، وتراجع استخدام اللغة السريانية في مواطنها الأصلية، واندثار كثير من التقاليد والعادات المحلية، كلها نتائج بعيدة المدى لمأساة سيفو.

ومن المؤلم أن كثيراً من أبناء الأجيال الجديدة لا يعرفون سوى القليل عن هذه الأحداث، رغم أنها شكلت محطة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. ولذلك تزداد مسؤولية الباحثين والمؤرخين والمؤسسات الثقافية والإعلامية في توثيق الوقائع وحفظ الشهادات ونقل الذاكرة إلى الأجيال المقبلة بعيداً عن التسييس أو المبالغة أو التوظيف الأيديولوجي.

وإذا كانت الإبادة الأرمنية قد حظيت باهتمام دولي واسع نسبياً خلال العقود الماضية، فإن مأساة سيفو بقيت لفترة طويلة على هامش السردية العالمية للحرب العالمية الأولى، رغم أن الوقائع التاريخية تظهر أن ضحاياها كانوا جزءاً من الموجة نفسها من العنف الجماعي التي اجتاحت المسيحيين في الأناضول وبلاد ما بين النهرين. ولهذا شهدت العقود الأخيرة نشاطاً متزايداً من قبل مؤرخين ومؤسسات أكاديمية ومنظمات حقوقية لإعادة إدراج سيفو في الذاكرة التاريخية العالمية باعتبارها إحدى كبرى الجرائم الجماعية في القرن العشرين.

لقد أدرك العالم، بعد الحرب العالمية الثانية، أن إنكار الجرائم لا يقل خطورة عن ارتكابها. فالإنكار يقتل الضحايا مرة ثانية، ويمنح الجلاد فرصة للهروب من المسؤولية التاريخية. ومن هنا فإن مطلب الاعتراف بمذابح سيفو لا ينطلق من رغبة في الانتقام أو استحضار صراعات الماضي، بل من الإيمان بأن العدالة تبدأ بالاعتراف بالحقيقة.

وتأتي الذكرى الحادية عشرة بعد المئة لسيفو في وقت ما تزال فيه المجتمعات المسيحية المشرقية تواجه تحديات كبيرة بفعل الحروب والهجرة وعدم الاستقرار. وبينما تختلف الظروف التاريخية والسياسية بين الأمس واليوم، يبقى القلق على مستقبل الوجود المسيحي التاريخي في الشرق حاضراً بقوة. ولذلك يتحول استذكار سيفو إلى دعوة للحفاظ على التعددية الثقافية والدينية التي شكلت جوهر حضارة المنطقة عبر آلاف السنين.

لا يمكن إعادة الضحايا إلى الحياة، ولا استرجاع القرى التي اختفت أو العائلات التي تشتتت في المنافي، لكن يمكن الحفاظ على الذاكرة وصون الحقيقة. فالذاكرة ليست دعوة إلى الانتقام، بل جسر نحو العدالة والإنصاف، وليست استدعاء للكراهية، بل تحذير دائم من نتائجها الكارثية.

بعد مئة وإحدى عشرة سنة على سيفو، لا تزال أسماء الضحايا المجهولين تتردد في صلوات الكنائس وذاكرة العائلات المنتشرة في أنحاء العالم. وما دام هناك من يروي قصصهم ويحفظ أسماء قراهم وأديرتهم ولغتهم وتراثهم، فإن السيف الذي أراد أن يقطع جذورهم لن ينجح في محو وجودهم من التاريخ.

تبقى سيفو، في جوهرها، شهادة مؤلمة على قدرة الإنسان على ارتكاب الفظائع، لكنها في الوقت نفسه شهادة على قدرة الشعوب على البقاء والصمود وحفظ ذاكرتها. وبين الدم والذاكرة، وبين الألم والأمل، تستمر رسالة هذه الذكرى: لا سلام حقيقياً بلا اعتراف، ولا مصالحة حقيقية بلا عدالة، ولا مستقبل آمناً ما لم تتعلم البشرية من مآسي ماضيها.

إن سيفو ليست قضية تخص السريان أو الآشوريين أو الكلدان وحدهم، بل قضية إنسانية عالمية تتعلق بحق الشعوب في الحياة والأمان والكرامة. وهي تذكير دائم بأن الكراهية القومية والدينية، عندما تتحول إلى سياسة دولة أو إلى خطاب تعبئة جماهيرية، تصبح قادرة على تدمير مجتمعات وحضارات بأكملها.

ولهذا تبقى ذكرى سيفو أكثر من مناسبة تاريخية؛ إنها وقفة ضمير أمام واحدة من الصفحات السوداء في تاريخ الإنسانية، ورسالة تؤكد أن العدالة قد تتأخر، لكن الحقيقة لا تموت، وأن الشعوب التي تحفظ ذاكرتها قادرة دائماً على الانتصار على محاولات محوها من التاريخ.

***

جورج منصور

في المثقف اليوم