في رحلة الحياة، يسعى الإنسان بطبيعته إلى البحث عن من يسانده ويقف إلى جانبه ويساعده. فالدعم النفسي والاجتماعي حاجة إنسانية تمنحنا الشعور بالأمن والأمان، وتخفف عنا أعباء الطريق ووعرتها، وتزيد من قدرتنا على مواجهة التحديات والصعوبات. ولذلك نشعر بالامتنان عندما نجد من يشجعنا ويقف في صفنا، أو يواسي آلامنا، أو يمد لنا يد العون في لحظات الضعف والهوان.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الدعم إلى مصدر اعتماد كامل، وعندما تصبح قوتنا مرتبطة بوجود الآخرين من حولنا. فالحياة بطبيعتها متقلبة، والناس تتغير ظروفهم وأولوياتهم، وقد يأتي يوم لا نجد فيه من يمنحنا الكلمة التي ننتظرها أو المساندة التي اعتدنا عليها. هنا يظهر السؤال الأهم: من يبقى سندك الحقيقي عندما يغيب الجميع ويتخلون عنك؟
إن أعظم قوة يمكن أن يمتلكها الإنسان هي أن يجعل اعتماده الأول على الله عز وجل. فالله سبحانه لا يغيب، ولا يتخلى عن عباده، ولا يعجزه أمر في الأرض ولا في السماء. وعندما يدرك الإنسان هذه الحقيقة، فإنه يجد في الدعاء والعبادة والتقرب والصلة واليقين طاقة روحية هائلة تمنحه السكينة والثبات مهما اشتدت الظروف وتكالبت عليه الأيام والليالي.
وإلى جانب الاعتماد على الله، تأتي الثقة بالنفس كركيزة أساسية للنجاح والاستمرار. فالثقة بالنفس لا تعني الغرور والتعالي على البشر أو الشعور بالكمال والمثالية الزائدة عن الحد، بل تعني الإيمان بالقدرة بالذات وملكاتها وقوتها والقدرة على التعلم والنهوض بعد التعثر والأخطاء والضعف. إنها القوة التي تدفعك للوقوف مرة أخرى بعد كل إخفاق، وتجعلك ترى في الفشل درساً مهماً لا نهاية، وفي العقبات فرصة للنمو لا سبباً للاستسلام ورفع الراية.
كثير من الناس ينتظرون التشجيع حتى يبدأوا، وينتظرون الدعم حتى يستمروا، وينتظرون التصفيق حتى يثقوا بأنفسهم. لكن أصحاب الإنجازات الحقيقية تعلموا أن الدافع الأقوى يأتي من الداخل، وأن النجاح يبدأ عندما يصبح الإنسان قادراً على تحفيز نفسه بنفسه وأن يستمد قوته مما يملك من قدرات وطاقات تنير له دروب الآفاق.
لذلك لا تجعل سعادتك رهينة لأحد، ولا تربط قيمتك بما يقوله الآخرون عنك، ولا تنتظر منهم أن يحملوا عنك مسؤولية حياتك. قدر كل من يدعمك، واشكر كل من يقف إلى جانبك، لكن لا تجعل وجودهم شرطًا أساسياً لاستمرارك أو نجاحك أو سعادتك.
اهتم ببناء نفسك كل يوم. غذ روحك بالإيمان، وعقلك بالمعرفة، وشخصيتك بالتجارب النافعة. استثمر وقتك في التعلم والتطوير والعمل الجاد، واسعَ إلى تحقيق أهدافك بثبات وصبر. فكل خطوة تخطوها نحو تطوير ذاتك هي استثمار حقيقي في حاضرك ومستقبلك.
في النهاية، يبقى الإنسان أقوى عندما يجمع بين أمرين: قلب معلق بالله، ونفس تؤمن بقدراتها وتسعى إلى تطويرها. عندها لن تهزه الظروف وتقلباتها، ولن توقفه العقبات، ولن ينتظر من الآخرين أن يصنعوا له مستقبله، لأنه أدرك أن مصدر القوة الحقيقي يبدأ من علاقته بربه، ثم من إيمانه بنفسه.
فإذا خذلك الناس يوماً، فلا تيأس. وإذا تأخر الدعم، فلا تتوقف. واجعل يقينك دائماً أن من كان الله معه فلن يكون وحده أبداً. ومن كان الله عليه فمن معه.
***
د. اكرم عثمان
21-6-2026







