هل يكفي "تنظيف الدرج من الأعلى"؟.
لطالما ترددت في أدبيات الإصلاح الإداري والسياسي مقولة شهيرة تُشَبّه مكافحة الفساد بـ "تنظيف الدرج"، مؤكدة أن عملية التطهير يجب أن تبدأ حتماً من الأعلى إلى الأسفل؛ فإذا صلح الرأس صلح الجسد، على حد هذا الرأي.
ورغم الجاذبية النظرية البسيطة لهذا الطرح، إلا أن الاصطدام بالواقع العملي، لا سيما في البيئات السياسية المعقدة التي يتغلغل فيها نفوذ النخب، يكشف عن ثغرة بنيوية تجعل من هذا المسار الأحادي عملاً قاصراً، بل ومحكوماً بالفشل.
إن القراءة الواقعية لظاهرة الفساد تؤكد أن النجاح الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بين الأعلى أو الأسفل، بل في تبني إستراتيجية "المسار المزدوج" التي تعمل على تطهير الطرفين معاً وفي آن واحد.
ثغرة الرأس: لماذا يتعطل البدء من الأعلى بمفرده؟
عندما يمتلك الساسة والمسؤولون الكبار نفوذاً واسعاً وشبكات مصالح متقاطعة، فإنهم ينجحون في بناء "حصانة واقعية" تحميهم من الملاحقة القانونية، عبر شبكة من الوسطاء يتم التضحية بهم بمجرد تكشف أولى خيوط الفساد.
في ظل هذه الظروف، يواجه مبدأ "التنظيف من الأعلى" معضلتين بنيويتين:
1- حلقة القرار المفرغة: بما أن قرار مكافحة الفساد وإطلاق حملات التطهير يصدر عادة من السلطة العليا، فإن انتظار البدء من الأعلى يعني رهن الإصلاح برغبة وإرادة الجهات التي تحتاج هي نفسها إلى التطهير والمحاسبة.
2- الاستغلال السياسي للمكافحة: يتحول شعار مكافحة الفساد في البيئات عالية النفوذ إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية؛ حيث تُستهدف الرؤوس الضعيفة أو الخارجة عن التحالفات الحاكمة، بينما تظل الرؤوس الأكثر نفوذاً محمية ومحصنة تحت مظلة التوازنات السياسية.
التلازم الحتمي: لماذا يتلكأ الأسفل بفشل الأعلى؟
إن الترابط بين مستويات الفساد ليس ترابطاً إدارياً بحتاً، بل هو ترابط نفسي وثقافي وثيق.
وإذا فشلت الدولة في تنظيف الهرم من قمته، فإن أي محاولة لإصلاح القاعدة وتطهير الأسفل ستصاب حتماً بالتلكؤ والجمود لسببين رئيسيين:
أولاً- غياب القدوة والعدوى الأخلاقية: حين يرى صغار الموظفين وعامة المواطنين أن كبار المسؤولين ينهبون الموارد العامة دون حساب، يترسخ لديهم شعور حاد بالظلم والإحباط. عندئذ يتحول التزام الموظف الصغير بالقانون في نظر محيطه إلى نوع من "السذاجة"، وتتحول الرشوة الصغيرة إلى "آلية تعايش" مبررة أخلاقياً لمواجهة صعوبات الحياة، تحت وطأة شعور عام بأن "الكبار يسرقون الملايين، فلماذا نُحاسب نحن على الفتات؟".
ثانياً- الحماية العكسية وتكامل البيئة الفاسدة: لا يمكن لفساد الأعلى أن ينمو وينجو دون بيئة إدارية "مرنة" وفاسدة في الأسفل لتمرير المعاملات، وتوقيع العقود المشبوهة، وتغطية الثغرات. لذلك، يعمل المتنفذون في القمة على حماية شبكات الفساد الصغير في القاعدة وتغذيتها، لتكون بمثابة درع واقٍ وغطاء إجرائي لفسادهم الأكبر.
الحل في "المسار المزدوج": ملاقط الضغط المشترك:
لتجاوز هذه الحلقة المفرغة، ومن منظور هذه الرؤية الإستراتيجية، فإن مكافحة الفساد لا يمكن أن تنجح إلا بضربة متزامنة عبر اتجاهين يلتقيان في المنتصف:
1. مسار الضغط الصاعد (من الأسفل): التحصين البنيوي والمجتمعي وذلك من خلال تبسيط الإجراءات ورقمنة المعاملات لتقليل الاحتكاك البشري، وتأمين قنوات آمنة ومحمية للإبلاغ عن الفساد، مع تفعيل قوانين حماية المخبرين وتقديم مكافآت مالية مجزية لهم.
2. مسار الضغط الهابط (من الأعلى): الردع القضائي الحاسم عبر تمكين قضاء مستقل تماماً، لا يخضع للتوازنات أو التسويات السياسية، ويملك الجرأة والغطاء الدستوري لملاحقة الرؤوس الكبيرة وهذا ما تبنته اغلب دساتير العالم ، وهذا يعني إرسال رسالة ردع واضحة مفادها: "لا أحد فوق القانون"، وهذا ما نصت عليه اغلب دساتير العالم، ومنها الدستور العراقي.
في نهاية المطاف، إن مكافحة الفساد ليست خياراً بين قمة الهرم أو قاعدته؛ فالتركيز على الأعلى منفصلاً يصطدم بجدار النفوذ السياسي المنيع، والتركيز على الأسفل منفرداً يواجه جدار الإحباط وغياب القدوة.
موجز القول: إن الفساد منظومة متكاملة تحمي أطرافها بعضاً، ولا يمكن تفكيكها إلا بـفكي ملاقط يطبقان عليها معاً: قضاء مستقل يضرب في الأعلى، ومجتمع محصّن تقنياً وقانونياً يكشف ويحارب في الأسفل.
***
فارس حامد عبد الكريم
بغداد -2026








