عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

نايف عبوش: الذكاء الاصطناعي.. بين تبليد الوجدان واستلاب الإبداع

يشهد عالمنا المعاصر ثورة تقنية رقمية غير مسبوقة، مع توسع هائل في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي دخلت مختلف مجالات الحياة، حيث أتاحت هذه التقنيات، إمكانات تسهيل الوصول إلى المعلومات، وتحسين الأداء.

وتجدر الاشارة إلى أن هذا التطور المتسارع في التقنية الرقمية، بات يثير في الوقت نفسه، جملة من المخاوف الفكرية، والثقافية، حول أثر التداعيات السلبية لهذا التطور على الإنسان في ذاته، وفي قدراته الوجدانية، والإبداعية. فالإنسان بما يمتلكه من مشاعر، وأحاسيس، وخيال، وتجارب إنسانية، تشكل جوهر شخصيته، يتميز، عن الآلة، بحسه المرهف، ومشاعره الوجدانية، وقدرته على ابداع النصوص، والفنون بشكل رائع، في حين أنه عندما يعتمد اعتماداً مفرطاً على الأنظمة الذكية في التفكير، والكتابة، والتحليل، واتخاذ القرار، فلا بد إنه سيفقد جزءاً من فاعليته الذهنية، ويعتاد على تلقي نتائج جاهزة، دون بذل ما يلزم من جهد عقلي، للوصول إليها. ومن هنا ينشا التخوف، من أن يتحول الذكاء الاصطناعي، من أداة مساعدة، إلى بديل، عن التفكير الإنساني نفسه.

فالإبداع الحقيقي، كما هو معروف، لا يولد من تراكم المعلومات وحدها، وانما يستولد من المعاناة، والتأمل، والخيال، والتجربة الشخصية، بما هي انعكاس لحس المبدع، ورؤيته الخاصة، لكائنات عوالمه.

ولذلك فإن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في إنتاج النصوص، والأعمال الفنية، سيؤدي إلى نوع من استلاب الإبداع، حيث يصبح النتاج الثقافي عندئذ، أقرب إلى إعادة تركيب ٱلي، لما هو موجود، بدلاً من أن يكون تعبيراً أصيلاً، عن تجربة إنسانية حية.

ولاريب أن سهولة الحصول على المحتوى الجاهز، اضعفت دافعية الإنسان إلى القراءة، والبحث، والتأمل، وهي جميعاً روافد أساسية لتكوين الوعي، وتنمية الخيال. ومن ثم، فإنه مع مرور الزمن، سيجد الإنسان نفسه، محاطاً بفيض من النصوص الجاهزة، والصور، والأفكار المنتجة آلياً، لكنها تفتقر إلى الحس الوجداني، الذي يمنحها معناها الإنساني.

وتجدر الاشارة إلى أن التحدي الحقيقي، الذي يواجه الإنسان المعاصر، يكمن في الحفاظ على التوازن، بين الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي الهائلة، وبين صيانة الخصائص الإنسانية، التي تميز الإنسان عن الآلة، وليس رفض الاستفادة من قدراته. إذ كلما ظل الوجدان حياً، والعقل ناقداً، والخيال متقداً، بقي الإبداع الإنساني، قادراً على تجاوز حدود التقنية، وتحويلها إلى وسيلة لخدمة الإنسان، لا أداة لاستلابه.

***

نايف عبوش

في المثقف اليوم