حين يكون الثبات رسالة لا مجرد صمود
تعد البيئات السامة من أكثر التحديات التي قد تواجه الإنسان في حياته المهنية والاجتماعية، فهي لا تستنزف الجهد والطاقة فحسب، بل قد تؤثر في الدافعية والتحفيز والشغف، والنجاح والإبداع، والصحة النفسية والجسدية، وجودة العلاقات داخل المنظمة والمؤسسة. ومع ذلك، فإن القدرة على إحداث التغيير في مثل هذه البيئات ليست مستحيلة، لكنها تتطلب نفوساً عظيمة، وعقولاً متفتحة وواعية، وقلوباً راسخة ومتزنة وتتسم بالثبات والقوة العنوية والصلابة النفسية، تؤمن بأن الإصلاح يبدأ من الداخللا من الخارج قبل أن ينعكس على المحيط الذي يحياه الفرد والجماعة.
ومن المهم ألا يفسر الإنسان كل سلوك سلبي مباشر أو غير مباشر على أنه استهداف شخصي له وتحد له؛ ففي كثير من الأحيان تكون السمية سمة عامة للبيئة بأكملها، وليست موجهة ضد فرد بعينه. أو شخصه. فهي قد تكون نتاج ثقافة تنظيمية غير صحية، أو نفوس تعودت على ممارسات تراكمت مع مرور الوقت، أو نتيجة افتقار بعض الأفراد إلى المهارات الإنسانية والمهنية الأساسية في التواصل الفعال والتعامل بتهذيب ولطافة، وغير قادرة على إدارة الاختلاف والخلاف، وتفتقر إلى احترام الآخرين وتقديرهم.
إن الأشخاص الذين يصنعون الفارق لا يسمحون لبيئاتهم أن تعيد تشكيل قيمهم أو تنتقص من أخلاقهم، بل يتمسكون بمبادئهم وقيمهم التي يمتلكونها، ويقودون بالقدوة والموعظة الحسنة، ويتعاملون مع الآخرين باحترام حتى عندما لا يلقون المعاملة نفسها. فهم يدركون أن المهنية الحقيقية لا تقاس بمدى سهولة الظروف، وإنما بالقدرة على المحافظة على الاتزان والاحترام والإنصاف في أصعب المواقف وأكثرها تحدياً ومراراً.
تأملشَأنُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كشَأنِ غالبِ الأنبياءِ عليهم وعلى نبيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ أُوذوا في سَبيلِ اللهِ، وتَعرَّضوا للتَّكذيبِ مِن قَومِهم، فتَحمَّلوا مِن الإيذاءِ ما كَتَبَه اللهُ عليهم في سَبيلِ القِيامِ بحقِّ الأمانةِ والتَّبليغِ. . كما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه”كَأنِّي أنظُرُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَحكي نَبيًّا مِنَ الأنبياءِ ضَرَبَه قَومُه فأدمَوه، وهو يَمسَحُ الدَّمَ عن وجهِه ويقولُ: اللهُمَّ اغفِرْ لقَومي؛ فإنَّهم لا يَعلَمونَ.” صحيح البخاري
ولا يعني السعي إلى التغيير أن يتحمل الإنسان ما لا يطاق أو يقبل بالإساءة المستمرة والإهانة، بل يعني أن يبدأ بإصلاح ما يستطيع إصلاحه، وأن ينشر ثقافة الحوار البناء والهادف، والتقدير، والعمل الجماعي، وأن يكون نموذجاً يقلد ويحتذى به في القول والسلوك والأداء. فإذا وجد أن البيئة ترفض كل محاولات الإصلاح، فإن الحفاظ على كرامته وصحته النفسية يصبح قراراً حكيماً ومدروساً، لا هروباً من المسؤولية أو التخلي عنها.
إن المؤسسات لا تبنى بالأنظمة وحدها، بل تبنى كذلك بالإنسان. وكل بيئة عمل تقدر الاحترام، وتستثمر في تطوير مهارات موظفيها، وتشجع التواصل الإيجابي، هي بيئة تمتلك فرصاً أكبر للاستدامة والنجاح. أما البيئات التي تمارس القهر والتسلط والسمية المقيتة والمرفوضة وتتجاهل هذه القيم وتهمل بناء مهارات التهذيب والسلوك اللطيف والراقي، فإنها قد تحقق نتائج مؤقتة، لكنها تخسر على المدى البعيد أهم أصولها: الإنسان الذي هو ديمومة النجاح والتميز.
ويبقى الأمل معقوداً على وجود قادة يدركون أن بناء ثقافة عمل صحية ليس ترفاً إدارياً ولا هدراً للوقت أو الموارد، بل هو الركيزة الأساسية للتميز المؤسسي والاستدامة. فالتغيير الحقيقي لا يبدأ باللوائح والإجراءات، وإنما يبدأ بترسيخ قيم أصيلة، وتبنّي أفكار إيجابية، وترجمتها إلى سلوك يومي وممارسات عملية، حتى تصبح جزءًا من هوية المؤسسة وثقافتها.
إن المنظماتلا تقاس فقط بحجم أرباحها، أو بارتفاع أسهمها، أو ببريق إنجازاتها، بل تقاس أيضاً بقدرتها على بناء بيئة عمل إنسانية وصحية، يشعر فيها العاملون بالأمان والاحترام والتقدير. فالمؤسسة التي تصون كرامة الإنسان، وتحترم آدميته، وتعترف بجهوده، وتغرس قيم العدالة والثقة والتعاون، هي المؤسسة الأقدر على استقطاب الكفاءات، وإطلاق طاقاتها، وتحقيق رسالتها ورؤيتها على المدى البعيد.
فالإنسان هو رأس المال الحقيقي لأي منظمة، وهو مصدر إبداعها واستمرارها. وكل استثمار في بناء بيئة عمل إيجابية هو استثمار مباشر في جودة الأداء، وتعزيز الولاء، وتحقيق التميز المؤسسي المستدام.
***
بقلم: د. أكرم عثمان
2-7-2026








