عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

نايف عبوش: تأملات في الإنسان ما بعد الذكاء الاصطناعي

إذا كان الحديث عن الذكاء الاصطناعي في ما مضى من الزمن ضربًا من الخيال العلمي، فلا شك انه قد أصبح اليوم واقعًا ملموسا، وتقنية مألوفة تستخدم في إنجاز الأعمال، حيث بات الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل تفاصيل مفرادت الحياة اليومية، ويغير طبيعة العمل، والتعليم، والإبداع الآلي، والتواصل. ولعل السؤال الأكثر أهمية اليوم، وفي ضوء كل هذه التطورات التقنية الرقمية الهائلة، هو ليس إلى أين يتجه الذكاء الصناعي؟ وإنما بات السؤال إلى أين يتجه الإنسان بعد الذكاء الصناعي؟

ولاريب إننا اليوم نقف على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة، قد يصح أن يطلق عليها مرحلة الإنسان ما بعد الذكاء الصناعي، وهي مرحلة تجاوزت مقاييس التفوق بامتلاك المعلومة وحدها، بعد ان أصبحت المعلومة في متناول الجميع، إذ بات التفوق يقاس بامتلاك القدرة على توظيف المعلومة، وتحليلها، وإضفاء البعد الإنساني عليها.

وتجدر الاشارة في المجال إلى أن الذكاء الاصطناعي في عالم اليوم قد تولّى كثيرًا من المهام التي كانت حكرًا على الإنسان يوما ما، إذ اصبح الذكاء الاصطناعي يكتب، ويترجم، ويصمم، ويحلل البيانات، ويشخّص بعض الأمراض، ويساعد في اتخاذ القرار.

على أن الذكاء الاصطناعي مع كل هذا التقدم، يبقى معطى اليا يفتقر إلى امتلاك الضمير، وينقصه الحس الوجداني، وتعوزه الحكمة المستولدة من التجربة الإنسانية، ومن ثم فالفرق بين الإنسان والآلة لايكمن في مجرد سرعة التفكير، بل في عمق المعنى. فالآلة باتت تستطيع أن تنتج نصا، لكنها لا تستطيع أن تعيش التجربة التي تمنح الكلمات روحها، ولا تشعر بوجع الفقد، أو لذة النجاح، أو رهبة المسؤولية، وبالتالي فهي تحاكي ذكاء الإنسان، لكنها لا تمتلك الوعي الإنساني.

ولهذا، فإن على الإنسان في المرحلة المقبلة، أن يعيد النظر في تعريف قيمته، فلا ينصرف إلى مجرد منافسة الآلة فيما تتفوق فيه عليه من سرعة ودقة في الاداء، وإنما عليه أن يعزز ما يميزه عنها في مجالات الإبداع، والخيال، والبصيرة، والقدرة على إصدار الأحكام الأخلاقية، والتعاطف مع الآخرين، وصناعة المعنى.

ولعل أخطر ما يمكن أن يواجه البشرية، في قادم الأيام، ليس تطور الذكاء الاصطناعي ذاته، وإنما استسلام الإنسان للذكاء الاصطناعي، واعتماده الكامل عليه، بحيث يفقد تدريجيًا ملكات التأمل، والاجتهاد، والإبداع، ويصبح مجرد مستهلك لما تنتجه الخوارزميات، في حين ينبغي أن تظل التقنية وسيلة لتحرير الإنسان، لا وسيلة لاستلابه، وتجريده من قدراته، ومواهبه الخلقية.

ومن هنا يتطلب الأمر الحرص على الموازنة التامة بين العقل والضمير، وبين المعرفة والقيم، وبين التقدم العلمي والمسؤولية الأخلاقية في مستقبل علاقة الإنسان بتطور الذكاء الاصطناعي، بحيث يبقى الإنسان في كل الأحوال سيد الالة. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تطور، يظل أداة من صنع الإنسان، ولن يستطيع أن يحل محل الروح الإنسانية التي أودعها الله في خلقه، على قاعدة (لقد خلقنا الإنسان في احسن تقويم) ولا أن يعوض الحكمة التي تصقلها التجارب، ولا أن يحل محل الضمير الذي يهدي إلى الرشد، ومن ثم ينبغي أن يظل المستقبل الحقيقي، مستقبل الإنسان القادر على أن يقود التقنية، لا مستقبل الآلة التي تقود الإنسان.

وهكذا ينبغي أن يظل التحدي الأكبر في زمن ما بعد الذكاء الاصطناعي، هو أن الحفاظ على انسانية الإنسان، وصيانتها من المسخ، والتشويه، والضياع، بتداعيات تقنيات العصرنة الصاخبة، في جوانبها السلبية.

***

نايف عبوش

في المثقف اليوم