عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أكرم عثمان: قيادة الأفكار الجديدة

من إدارة التقليد إلى صناعة الإبداع المؤسسي

في بيئات العمل الحديثة والمتطورة، لم تعد القيادة تقاس فقط بقدرة المسؤول على إدارة الموارد أو ضبط العمليات، بل أصبحت تقاس بمدى قدرته على خلق مساحة فكرية حرة تستوعب الأفكار الجديدة، حتى تلك التي تبدو في ظاهرها  غريبة أو بعيدة عن المألوف والمتعارف عليه أو متجاوزة للأنماط التقليدية في التفكير.

إن الأفكار غير المألوفة غالباً ما تقابل بشيء من الرفض والاستهجان أو التحفظ في البداية، لأنها تخرج عن الإطار المتعارف عليه وتكسر حالة الاستقرار الذهني التي اعتاد عليها الأفراد والجماعات داخل المؤسسات والمنظمات. غير أن التجربة الإنسانية والإدارية تثبت أن كثيراً من الحلول العميقة والمتفردة للمشكلات المعقدة لم تولد من داخل الصندوق، بل جاءت من أفكار جريئة أعادت تعريف المشكلة نفسها، وفتحت مسارات وآفاق جديدة للتعامل معها، خصوصاً في أوقات الملمات والأزمات والتحديات الكبرى.

ينظر إلى أن الإبداع الحقيقي لا يعني فقط تحسين الموجود وتجميله، بل القدرة على إعادة بناء الفكرة من جذورها وأعماقها، والنظر إلى الواقع من زوايا متعددة ومختلفة، قد تبدو في البداية غريبة أو غير منطقية أو غير قابلة للتطبيق والتحقق. وهنا تتجلى أهمية التفرد والأصالة الفكرية لدى الموظفين والعاملين، خاصة في سياقات جلسات ولقاءات العصف الذهني وورش العمل والمراجعات المهنية والوظيفية، حيث تكون البيئة الخصبة لتوليد الأفكار وتطويرها قبل الحكم عليها.

إن القائد الواعي لا يتعامل مع الأفكار من زاوية القبول أو الرفض السريع، بل من زاوية القيمة والأثر وقدرتها على تحقيق الأهداف والوصول إلى الغايات الكبرى. فهو لا يسأل: هل هذه الفكرة توافق رؤيتي أو أفكاري وتتناغم معها؟ بل يسأل: هل يمكن لهذه الفكرة أن تضيف قيمة ووزن حقيقي؟ وهل يمكن تطويرها لتصبح قابلة للتطبيق وتحقق أثراً إيجابياً ونوعياً؟

وحين يشعر الموظفون أن أفكارهم تستقبل باحترام ويتم قبولها والترحيب بها، وتناقش بموضوعية بعيداً عن التحيز أو الإقصاء والتهميش، فإن ذلك ينعكس مباشرة على مستوى مشاركتهم ودافعيتهم وقدرتهم على الإثراء وتقديم المزيد من الأفكار والمقترحات التي قد تسهم في النمو والبناء والتطوير. إذ تتحول بيئة العمل من مساحة تنفيذية جامدة ومقيدة للأفكار الخلاقة والمبدعة إلى بيئة حية نابضة ترحب بكل الأفكار مهما كانت غريبة أو بعيدة عن الأذهان والتوقعات، وثرية بالتجريب والممارسة والتعلم والتطوير المستمر والدائم.

ومن هنا، فإن احتضان الأفكار الجديدة لا يعد ترفاً تنظيمياً، أو تضييعاً للأوقات، ولم يكن يناسب هوى المسؤول أو المدير، بل هو شرط أساسي لبقاء المنظمات قادرة على التكيف والنمو في عالم سريع التغير ومتصارع بين منافسيه. فالمؤسسات التي تغلق أبوابها أمام التفكير المختلف وغير المألوف، غالباً ما تفقد بوصلتها وقدرتها على التطور والاستمرارية في نجاحاتها وتألقها في عملها، بينما تلك التي تتبنى الإثراء والتنوع الفكري وتحتضن الإبداع والمبدعين وتشجعهم على خوض غمار التفكير الخلاق، هي التي تعطي مساحات لمبدعيها بالتفكير تحسن من حاضرها وتصنع مستقبلها بثقة ومرونة وتميز منقطع النظير.

***

د. أكرم عثمان

10-7-2026

في المثقف اليوم