أقلام حرة
زهراء ماجد: عودة البرابرة
كثيرة هي المعايير التي ولدت خارج الأنظمة، ثم ما لبثت أن اندمجت فيها، حتى غدت جزءٍ من بنيتها، ولعل " البربرية" من أبرز هذه المفاهيم التي شهدت هذا التحول. في أصلها التاريخي، كان اليونان يطلقون صفة " البربري" على كل من لا يتقن اللغة الإغريقية، ثم اتسعت الدلالة لتشمل كل من يقف خارج أسوار المدينة، وخارج نظامها وقوانينها، لم يكن البربري انذاك توصيفاً أخلاقياً بقدر ما كان حدا فاصلا بين" نحن" و" الاخر" .
غير أن التداول اللاحق للمفهوم حمله بعداُ قيميا، فصار البربري هو ذاك الذي يمارس العنف والهمجية، ويقع خارج المعايير الإنسانية والأخلاقية، وهنا استقر المعنى في الوعي العام: البربري كائن بدائي، لا ينتمي إلى المدينة، ولا يتناغم مع مفاهيم الإنسان الحديث المشبعة بشعارات الحق والقانون والإنسانوية.
لكن ماذا لو انقلبت الدلالة؟
لم يعد السؤال اليوم: من هو البربري؟ بل: أين تسكن البربرية؟
الواقع الراهن يضعنا أمام أزمة عميقة في ضبط المفاهيم، فمصطلحات مثل السلام، والحقوق، والحرب، والإعلام، لم تعد تشير إلى معان مستقرة، بل أصبحت قابلة لإعادة التشكيل وفق السياق والسلطة. في هذا الاضطراب، لم تعد البربرية استثناء، بل صارت جزء من هذا الانزلاق المفهومي العام.
لم تعد البربرية تقف خارج الأسوار، بل انزاحت نحو مركز المدينة.
نجدها اليوم في قلب العلم، وفي بنية التكنولوجيا، وفي آليات القرار السياسي، لم تعد تشير إلى من هو اقل انسانية، بل إلى من يتحكم في تعريف الإنسانية ذاتها.
فقد اقترنت البربرية بالسلطة، ووجدت في الأنظمة الرأسمالية مجالا لإعادة انتاجها، لم تعد مرفوضة كما في السابق، بل أُعيد تشكيلها وتهجينها داخل نظام جديد، يرفع شعارات الحقوق، والمؤسسات، والإنتاجية. وهكذا لم تختف البربرية، بل تغير شكلها: من عنف فوضوي إلى عنف منظم، من قسوة مكشوفة إلى قسوة ممأسسة.
إن البربري اليوم لا يعيش خارج الحضارة، بل في عمقها.
يمارس سلوكا بدائيا، لكن بأدوات متقدمة، وينتج عنفه داخل منظومة تدعي العقلانية.
وهنا تكمن المفارقة:
لم نعد ننتظر البرابرة.. بل أصبحنا نعيش زمنا تعاد فيه صياغة البربرية بوصفها أحد أشكال الحضارة.
***
زهراء ماجد







