أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: اللاتعيّن الأنطولوجي
قراءة في تحوّلات مفهوم الوجود خارج الميتافيزيقا الكلاسيكية
منذ أن وضع بارمنيدس سيف الحقيقة بين وجود كائن وعدمه والتفكير الأنطولوجي يئن تحت وطأة سؤال لا يهدأ، ما معنى أن يكون الشيء موجوداً؟ ذلك السؤال الذي بدا بريئاً في ظاهره سرعان ما انقلب إلى مأزق لم تنتهِ منه الفلسفة حتى يومنا هذا، فكل محاولة للإمساك بالوجود كانت تشبه قبضاً على سراب أو تثبيتاً لنهر جارٍ. فالوجود ذلك الاسم الأكبر والأخطر في قاموس البشر كلما ظن الفيلسوف أنه أوشك على تعريفه يغدر به فيتحول إلى شيء آخر أو يتبخر كالضباب عند أول شعاع شمس عارمة لليقين. وهنا يكمن الخطب ربما لم يكن الوجود قابلاً للتعريف أصلاً وربما كان من طبيعته أن يكون غير متعين وأن يظل هكذا إلى الأبد لا بسبب قصور في عقولنا بل بسبب أصله الهارب، أصله الذي يشبه الفراغ الأكثر خصوبة أو الليل الذي يسبق كل فجر.
ولعل ما نسميه "الميتافيزيقا الكلاسيكية" لم يكن سوى محاولة يائسة لتجميد هذا الليل لتحويل النهر إلى تمثال واللهب إلى فحم خامد. تلك المحاولات التي بدأت مع أفلاطون حين أسس عالم المثل الثابت مروراً بأرسطو الذي صاغ المنطق لصيد الجواهر وصولاً إلى هيغل الذي أراد للروح المطلق أن يعرف نفسه معرفة كلية في نهاية التاريخ. لكن كل هذه الأبنية الشامخة لم تصمد أمام رياح الشك التي هبت من عدة جهات، من ناحية أظهرت أن الحضور الكامل هو وهم لغوي ومن ناحية أخرى أثبتت أن الزمن لا ينتظر أحداً وأن "الآن" الذي نعيشه هو مجرد جسر بين ما لم يعد وما لم يأت بعد. مفارقة أن الوجود نفسه مرهون باللاتعيّن، هي التي ستشغل بالنا في هذه القراءة.
سنحاول هنا أن نتتبع التحولات الكبرى في مفهوم الوجود منذ اللحظة التي بدأ فيها ذلك المفهوم يتصدع داخل جدران الميتافيزيقا التقليدية إلى اللحظة التي خرج منها تماماً، ليس ليتشرد بل ليجد بيته الحقيقي في العراء، في فضاء اللاتعيّن المقدس. سنرى كيف أعاد كيركغور الاعتبار للقلق بوصفه رئة الوجود الإنساني وكيف علمنا هايدغر أن الوجود ليس سوى "ليس" لا يظهر إلا في اختفائه وكيف مضى دريدا وليفيناس ودولوز إلى أبعد من ذلك حتى جعلوا اللاتعيّن هو الأصل الأصيل والشرط الأول لكل معنى. إنها مغامرة التفكير في ما لا يمكن إدراكه، مغامرة لا تقل شأناً عن مغامرة أوديسيوس في بحر لا شواطئ له، لكن شواطئه هي البحر نفسه. فلا تظن أن هذه القراءة ستقدم لك إجابة تطمئن بها روحك بل على العكس، ربما تطمئن روحك حين تتيقن أن الأمان الحقيقي ليس في الإجابة بل في السؤال المفتوح، في الهاوية التي تنظر إليك وفي نظرك الذي يخلق الهاوية.
منذ أن رسم بارمنيدس درب الحقيقة في تمييزه بين سبيل الوجود وسبيل العدم والوجود الكلاسيكي يعاني من وهم الحضور الكثيف، من أسْر اللحظة في شباك الجوهر الثابت. لم يكن السؤال "ما الوجود؟" مجرد استفهام عن أول الأسئلة بل كان إعلان حرب على الضباب، على اللاتعيّن، على كل ما يلوذ بظلال الإمكان بدلاً من وقائع التحقق. ذلك أن الميتافيزيقا الكلاسيكية من أفلاطون إلى هيغل، بنت عرشها على فكرة أن الوجود جوهر معقَّل، قابل للتمثل التام، خاضع لمنطق الهوية وعدم التناقض. فالموجود في هذا المنظور هو ما يحضر حضوراً كاملاً أمام الوعي، ما يمكن حصره في مفهوم، ما يمتلك ماهية محددة سلفاً. لكن هذا البناء الضخم بدأ يتصدع حين اكتشف الفكر الحديث أن للوجود ضفة أخرى لا ترد إلى الحضور وأن ثمّة منزلقاً أنطولوجياً لا مفر منه، وهو أن الوجود كلما حاولنا القبض عليه يفلت كالرمل لا لأنه بعيد المنال فحسب، بل لأنه في طبيعته الأعمق أن يكون معلقاً بين الإمكان والتحقق وبين الظهور والخفاء.
لقد أدرك هيراقليطس باكراً أن الوجود ليس سوى نهر لا نعبر فيه مرتين، لكن الميتافيزيقا فضّلت بارمنيدس على هيراقليطس، فضّلت الكرة المصمتة على النار الحية. ومع ذلك فإن التحول الحاسم بدأ مع كيركغور الذي فتح الباب على مصراعيه للاتعيّن بوصفه سمة كونية لا مرضاً عارضاً في الوعي. فحين رفض كيركغور اختزال الوجود إلى ماهية وأصر على أن الوجود الإنساني (Existents) سابقة على أي تحديد ماهوي، كان يزرع في قلب الأنطولوجيا قنبلة موقوتة، فالموجود أي إنسان كان أو شيئاً لا يُعرف من خلال ما هو عليه في لحظة ما بل من خلال ما يمكن أن يصير إليه أي من خلال احتمالاته ومخاطره ولاتعيّنه الجوهري. إن القفزة الإيمانية عند كيركغور ليست هروباً من العقل بل اعترافاً بأن الحقيقة المطلقة في الوجود الشخصي لا تُدرك إلا في خضم الألم والقلق أي في مناطق الضباب التي لا يعرفها البرهان الهندسي.
لكن الهزة الأكبر أتت من هايدغر، ذلك الفيلسوف الذي أعاد صياغة سؤال الوجود وكأنه سؤال منسي بل ومسكوت عنه عمداً. في "الكون والزمان"، لم يكن الوجود (Sein) جوهراً بل حدثاً ولم يصر "موجوداً" (Seiendes) يضاف إلى سائر الموجودات بل هو الأفق الذي تظهر فيه الموجودات. وهنا يكمن اللاتعيّن الأنطولوجي الأول والأخير، الوجود ليس شيئاً وإذا حاولنا تحديده كشيء نفقده. ذلك أن الوجود "ليس" بأي معنى من معاني الكينونة المعهودة، إنه الـ "ليس" الذي يجعل الكينونة ممكنة. هايدغر يدعوه "الفرجة" ، تلك المساحة الخالية التي تضيء فجأة فتسمح للأشياء بأن تتبدّى، لكنها تبقى هي نفسها غير مضيئة، غير حاضرة وغير متعينة. العلاقة بين الوجود والموجودات عند هايدغر أشبه بالعلاقة بين الغيب والشهادة في التجربة الصوفية، الغيب هو شرط الشهادة لكنه لا ينحل فيها. وهنا كان هاجس هايدغر الأبدي كيف نفكر في الوجود دون أن نجمده في موجود؟ كيف نقول "الوجود" دون أن نحوله إلى مفهوم؟
لقد لجأ هايدغر إلى لغة متوترة مليئة بالاستعارات والاشتقاقات اللغوية لأنه كان يعرف أن اللغة الميتافيزيقية التقليدية – لغة الفاعل والمفعول، الجوهر والعرض – غير قادرة على مناورة هذا اللاتعيّن. فاللغة التي نرثها من أرسطو وما بعده تجعلنا نفكر تلقائياً في "شيء ما" له صفات، لكن الوجود لا يمتلك صفات، بل هو الذي يجعل الصفات ممكنة. ألا يعني هذا أن اللاتعيّن الأنطولوجي هو سمة بنيوية للوجود نفسه وليس مجرد قصور في أدواتنا المعرفية؟ عندما يقول هايدغر إن "الوجود ليس كائناً"، فهو لا يصدر حكماً سلبياً فقط بل يفتح فضاءً من اللاحتمالية يهتز فيه كل يقين. فالموجودات كلها من الحجر إلى الملاك معرضة للتلاشي والظهور في هذا الأفق المتقلب الذي هو الوجود.
ما فعله هايدغر بفلسفته جعل تلاميذه ومن تلاهم يعيشون في هذا الكسر الأنطولوجي. لكن الطريق لم يتوقف عنده. جاء دريدا ليضرب المسمار الأخير في نعش الميتافيزيقا الحضورية بمفهوم "الاختلاف" الذي هو أصل المعنى قبل أن يكون معنى. دريدا الذي كان قارئاً ذكياً لهوسرل وهايدغر أدرك أن كل محاولة لتأسيس الحقيقة على حضور ذاتي (الكوجيتو الديكارتي) أو على حضور موضوعي (العالم الطبيعي عند هوسرل) تناسى أنها تستعير معناها من نظام من الغيابات والآثار. فالاختلاف بمعناه المزدوج (اختلاف زمكاني وتأجيل دلالي) يعلن أن لا شيء حاضرا بذاته وأن كل هوية تتشكل من علاقتها بغيرها ومن تمايزها عن الآخر ومن أثر ما ليس هي. هل يمكن أن تكون هناك أنطولوجيا للاختلاف؟ بالتأكيد لكنها أنطولوجيا لا تبدأ بوحدة الوجود بل بثنائيته الأساسية وبتعدده الجذري. الوجود عند دريدا لم يعد بيتاً يسكنه الإنسان كما حلم هايدغر بل نسيجاً من الإحالات المتبادلة، كتابة بلا بداية ولا نهاية.
هذا اللاتعيّن الأنطولوجي الذي يكشف عن نفسه بقوة في فكر دريدا له جذور عميقة في النقد النيتشوي للغة. نيتشه كان يرى قبل الجميع تقريباً أن القواعد النحوية هي ميتافيزيقا الشعب إذ تُوهمنا بوجود "فاعل" و"فعل" حيث لا يوجد سوى سيولة محضة. فاللغة بنظامها الثنائي (اسم/فعل، فاعل/مفعول)، تجبرنا على تخيّل "أنا" ثابتة وراء الأفعال بينما الأنا في حقيقتها سلسلة من الغرائز والقوى التي لا تهدأ. إذا نحن جرؤنا على التفكير خارج قواعد اللغة فلا نجد جوهراً بل عوالم متصارعة من التفسيرات، لا حقائق ثابتة، بل تأويلات لا تنتهي. ويصير الوجود نفسه تأويلاً أي سلسلة مفتوحة من المعاني لا تستقر على معنى نهائي. هنا يلتقي لاتعيّن الوجود باللاتعيّن التأويلي فلا فرق بين مسألة "ما الوجود؟" ومسألة "كيف نفهم وجوداً معيناً؟"، فكلاهما يهويان في بئر اللانهاية.
غير أن هذا الطريق الهايدغري-الدريدي ليس الطريق الوحيد لفهم اللاتعيّن الأنطولوجي. ثمة مسار آخر ربما يكون أكثر إثارة للدهشة وهو ذلك الذي انتهجه فيتغنشتاين المتأخر في "تحقيقات فلسفية". فيتغنشتاين الذي كان في شبابه قد أعاد بناء حدود اللغة والعالم في صورة منطقية متقنة (رسالة المنطق-الفلسفية)، اكتشف أن المعنى لا ينشأ من مطابقة اللغة للواقع بل من الاستخدام أي من ألعاب اللغة التي لا تخضع لبنية أساسية واحدة. ماذا يعني هذا أنطولوجيا؟ معناه أن العالم ليس مجموع وقائع بل مجموع سياقات. الكائنات لا تمتلك "جوهراً" ينتظر من يكتشفه بل تتشكل في شبكة العلاقات والممارسات التي نُخضعها لها. الفأرة مثلاً ليست "حيواناً قارضاً" في معزل عن كل اعتبار بل هي في لعبة اللغة البيولوجية شيء وفي لعبة لغة المطبخ شيء آخر وفي لعبة لغة الأدب شيء ثالث. لا يوجد "فأر في ذاته"، بل فقط "فأر في لعبة لغة معينة". هذا لا يعني أن العالم وهمي، بل يعني أنه مُؤلّف أي مركّب من وجهات نظر متعددة وأن وحدة الوجود ليست مسبقة بل هي من صنعنا نحن مستخدمي اللغة. وهنا من جديد يطل اللاتعيّن الأنطولوجي برأسه إذا تعددت ألعاب اللغة تعددت الأنطولوجيات ولا حكم فوق هذه الألعاب ولا "الوجود" الذي يوحدها. هناك فقط الوجودات الموصوفة بطرق مختلفة في أزمنة وأمكنة متغايرة.
ويمكننا أن نلمس ولادة إشكالية جديدة للفكر المعاصر، كيف يمكن تأسيس أخلاق أو سياسة أو حتى علاقة عادية بالعالم إذا كان الوجود نفسه يتفلت من أيدينا، إذا لم يكن هناك يقين أنطولوجي نرتكز إليه؟ أليس هذا اللاتعيّن مدعاة للقلق المرضي للانهزامية وللشك المطلق؟ ربما لكنّ الفلاسفة الذين سلكوا هذا الطريق لم يكونوا أبداً دعاة تشاؤم. هايدغر مثلاً رأى في اللاتعيّن أعظم هبة للإنسان لأنه هو الذي يجعله حراً. فلو كان الوجود متعيناً بالكامل ولو كانت الأشياء محددة سلفاً في ماهياتها ما كان للإنسان أن يخترع أو يحب أو يموت اختياراً. إن القلق الذي يتحدث عنه هايدغر ليس خوفاً من شيء معين بل هو انكشاف لامتعيّن الوجود ذاته أي انكشاف كون العالم ليس محكوماً بقوانين مطلقة بل هو فضاء مفتوح للمشروع الإنساني. المشروع هنا هو محاولة لاكتمال لا يكتمل أبداً لأن الإنسان كائن في الطريق وكينونته ذاتها هي لاتعيّنها.
أما دريدا فذهب إلى أبعد من ذلك، اللاتعيّن عند دريدا ليس فوضى بل هو شرط العدالة نفسها. فالعدالة في نظره ليست تطبيقاً آلياً للقوانين لأن القانون كلما طُبّق على حالة فردية كان هناك فجوة بين عموميته وخصوصية الحالة. العدالة تنشأ في تلك الفجوة أي في لحظة القرار التي لا تستند إلى قاعدة مسبقة تماماً والتي تتحمل مسؤولية اللاتعيّن. لا يمكن للعدالة أن تكون عادلة إذا كانت محسوبة سلفاً بل لا بد أن تكون محفوفة بالمخاطرة أي غير متعينة. ويصير لاتعيّن الوجود فضيلة أخلاقية وعلامة على نضج الفكر الذي تخلى عن وهم الحقيقة المطلقة وعرف كيف يعيش وسط الظلال.
غير أن هذا المنزلق الأنطولوجي لم يكن مجرد نزوة فلسفية في أروقة التفكير الغربي بل كان انعكاساً لتحولات أعمق في العلاقة بين الإنسان والعالم وبين الكلمة والموجود. إذا كان الوجود في الميتافيزيقا التقليدية يُفهم بوصفه حضوراً كاملاً للحاضر في الآن فإن التفكير المعاصر في اللاتعيّن يعلن أن الوجود لا يُسلم نفسه طواعية للقبض عليه بل يقاوم كل إمساك ويهرب من كل تعريف تماماً كما يهرب الماء من بين الأصابع. هذه المقاومة ليست ضعفاً في العقل بل هي قوة الوجود نفسه لأنه ببساطة ليس شيئاً يمكن تمثله كاملاً. ألم يقل شوبنهاور في حكمته المرة، إن الإرادة كشيء في ذاته لا تُعرف إلا من خلال تمظهراتها لكنها تبقى غائبة عن كل معرفة؟ صحيح أن شوبنهاور كان لا يزال أسير نزعة مثالية لكنه فتح الباب أمام فكرة أساسية، ثمّة عمق أنطولوجي لا ينضب وثمّة ما هو غير قابل للحضور الكامل.
هذا العمق يتجلى بوضوح في فلسفة إيمانويل ليفيناس ذلك الفيلسوف الذي قلب الأنطولوجيا رأساً على عقب حين جعل الأخلاق هي الميتافيزيقا الأولى. ليفيناس شعر مثل هايدغر أن الوجود يفلت من المعرفة المفهومية لكنه ذهب إلى أن هذا الإفلات ليس مجرد سمة كونية محايدة بل هو علاقة مع الآخر . فالآخر في حضوره لا يمكن اختزاله إلى أي مفهوم لأنه وجه يتحدث إليّ من ارتفاع لا يمكن مساواته. وجه الآخر هو تجسيد حي للاتعيّن الأنطولوجي، أنت لا تستطيع أن تحدد الآخر كما تحدد حجراً لأنه يتفوق عليك ولأنه يأمرك "لا تقتل" قبل أي فهم. هنا اللاتعيّن ليس نقصاً في المعرفة بل هو زائد في الأخلاق وفائض لا يمكن للوعي احتواؤه. ليفيناس يخبرنا أن العلاقة مع الآخر هي علاقة بلا مفهوم أي علاقة تجبرنا على التخلي عن أطماع المعرفة الكلية وعن رغبتنا في أن أضم العالم إلى مملكتي المعرفية. ليس الوجود إذن كياناً جامداً ندرسه بل هو نداء يقتحم أنانيتنا ويكسرها. أليست هذه هي أعمق صورة من صور اللاتعيّن؟ أن يواجه العقل شيئاً لا يستطيع تمثله لأنه أكبر منه ولأنه لا يمثل نفسه أصلاً.
هذا الفائض الأخلاقي عند ليفيناس يفتح أمامنا زاوية أخرى من اللاتعيّن الأنطولوجي وهي الزمانية. فإذا كان الكائن لا ينكشف دفعة واحدة بل في الزمن، والزمن ليس مجرد وعاء محايد بل هو تأجيل وتذكّر وترقّب، فإن الوجود يتوزّع على ثلاثة مستويات: الماضي والمستقبل والحاضر الذي لا يمكن الإمساك به لحظة وقوعه. بينما تعامل الفلاسفة الكلاسيكيون مع الزمن كعارضٍ للجوهر وجاء برغسون ليقلب المنظور معتبراً أن الزمن هو ما نسميه الحياة أي المدة ، ذلك التدفق المتصل وغير المتجانس الذي لا يمكن اختزاله إلى نقاط زمانية متقطعة. ففي المدة البرغسونية لا وجود لـ"الآن" الخالص بل تموج مستمر بين ما مضى وما سيأتي أي لاتعيّن جوهري. وهذا يشبه ما ذهب إليه هايدغر من وصف الدازاين (الكائن البشري) بوصفه "كائناً ممكناً" أي أنه ليس ما هو عليه بل ما لم يصر عليه بعد. الوجود الإنساني ليس حضوراً مكتملاً بل هو قلق دائم تجاه المستقبل وحنين إلى ماضٍ لم يكن حاضراً قط. وإذا كان الإنسان هو النموذح الأكثر وضوحاً للوجود، كونه الوحيد الذي يتساءل عن الوجود فإن لاتعيّنه الذاتي يلقي بظلاله على الوجود برمته.
لكن ألا يؤدي هذا التعميم للاتعيّن إلى نتائج مرعبة؟ إذا كان الوجود كله معلقاً بين الإمكان والتحقق وبين الظهور والاختفاء فأين نثبت أقدامنا؟ أليس هذا مدعاة ليأس وجودي كما عبر عنه سارتر في عبارته الشهيرة "الإنسان محكوم عليه أن يكون حراً"؟ سارتر في "الوجود والعدم"، أخذ من هايدغر ومن كيركغور وجعلهما أكثر تطرفاً. الوجود عند سارتر في صيغته الإلحادية يسبق الماهية تماماً أي أن الإنسان أولاً يوجد في العالم (يرمي به إلى هناك)، ثم بعد ذلك يصوغ ماهيته عبر أفعاله الحرة. لكن الحرية هنا ليست اختياراً بين خيارات واضحة بل هي عبء ثقيل لأن الإنسان لا يختار فقط ما سيفعله بل هو الذي يخلق قيم العالم من خلال اختياراته. هنا يتخذ اللاتعيّن الأنطولوجي طابعاً مأساوياً، الوجود لا معنى له في ذاته (إنه سخيف كما قال كامو) والإنسان هو الذي يضطر إلى اختراع المعنى وسط لا معنى دون أي دليل مسبق ودون أي ضمان. الغثيان الذي تحدث عنه سارتر في روايته الشهيرة هو تجربة هذا اللاتعيّن الجامح، حيث تذوب الأشياء في سيولتها الأصلية وحيث يتساقط عن الوجود قناع الجوهر فجأة ويُترك الإنسان وجهاً لوجه مع مادة لزجة لا شكل لها.
غير أن هذا التفسير السارتري للاتعيّن رغم قوته الفنية والأخلاقية ظل أسير نزعة إنسانية مفرطة إذ جعل اللاتعيّن يدور حول المشروع الفردي والاختيار. لكن فلسفات ما بعد البنيوية وبخاصة عند جيل دولوز وفليكس غواتاري حاولت تحرير اللاتعيّن من مركزية الإنسان. دولوز في عمله "الاختلاف والتكرار" يبني أنطولوجية كاملة على مفهوم الاختلاف المحض الذي لا يقبل الرد إلى هوية أو تماثل. الوجود عند دولوز ليس كائناً ولا جوهراً بل هو حدث وتكرار، تكرار ليس لعين الشيء بل للاختلاف نفسه. فكرة التكرار هنا دقيقة، إذا كان الشيء يتكرر فهو لا يتكرر لأنه هو نفسه بل لأنه يختلف أي لأن كل ظهور جديد يحمل في طياته آثار الظهورات السابقة مع إضافات جديدة. هذا الفهم يلغي نهائياً ثنائية الجوهر والعرض ويفتح الباب أمام مفهوم الآلة الرغبة، أي شبكات متدفقة من العلاقات والقوى لا تستقر على هوية ثابتة. ويكون اللاتعيّن الأنطولوجي هو عين الإنتاجية الوجودية، الكون ليس فوضى لكنه ليس نظاماً جامداً أيضاً بل هو كائن حي يتنفس ويتحول ويخلق نفسه بنفسه في كل لحظة. دولوز لا يخاف من اللاتعيّن بل يراه أعظم قوة للتفكير لأنه يحررنا من أغلال التمثل والتماثل.
ربما كان الأكثر جرأة في هذا المضمار هو ميشيل فوكو، رغم أنه لم يكتب أنطولوجيا بالمعنى التقليدي. فوكو من خلال أعماله الأركيولوجية وجينالوجياته للسلطة والمعرفة أظهر أن "الوجود" ليس سوى أثر لترتيبات تاريخية متغيرة وأن "الحقيقة" نفسها ليست سوى لعبة قوى متقلبة. بمعنى آخر اللاتعيّن الأنطولوجي عند فوكو ليس سمة من سمات العالم بل هو طريقة العالم في أن لا توجد طبيعة بشرية ثابتة ولا توجد حقائق متعالية ولا توجد أنطولوجيا نهائية بل فقط نُظم خطابية وممارسات مؤسسية تتغير من عصر إلى عصر. هذه الرؤية تضع اللاتعيّن في صلب التاريخ نفسه، فما نسميه "الجنس" مثلاً ليس واقعاً طبيعياً بل هو بناء خطابي تخضع لتحولات عميقة عبر قرون. و"العقل" ليس قدراً إنسانياً بل هو نتاج عصر معين (العصر الكلاسيكي) ثم أعلن عن موته في نهاية القرن العشرين. الإنسان كما قال فوكو في عبارته الشهيرة هو "اختراع حديث وربما هو على وشك الزوال". وهنا يصل التفكير في اللاتعيّن إلى ذروته، فحتى السائل عن الوجود (أي الإنسان) ليس ثابتاً بل هو عرضة للتلاشي مثل أي كائن آخر.
بعد كل هذا الترحال الفلسفي من بارمنيدس إلى فوكو ماذا نستنتج؟ هل نحن أمام تفكيك لكل يقين أم أن ثمّة أرضاً صلبة يمكن أن نقف عليها رغم كل الأمواج؟
إن اللاتعيّن الأنطولوجي ليس نظرية بل هو تجربة حية يعيشها أي إنسان جرؤ على التفكير خارج الأطر المألوفة. كلما سألنا "ما الوجود؟"، وجدنا أنفسنا نغرق في بحر من الإشارات والإحالات والغموض. لكن هذه ليست هزيمة بل هي طريق إلى نوع آخر من الحكمة، حكمة تقبل الظل والضوء معاً وحكمة تعرف أن اليقين المطلق هو الموت ذاته وأن الحياة تبدأ حيث ينتهي اليقين. الفلاسفة الذين سلكوا طريق اللاتعيّن لم يكونوا عبدة لا أدرية بل كانوا أكثر شجاعة من غيرهم لأنهم تحملوا مسؤولية العيش دون حماية من ميتافيزيقا تمنحهم الإجابات الجاهزة. إنهم أشبه بالبحار الذي يبحر بلا خريطة ولا يطلب من البحر أن يصبح يابسة بل يتعلم كيف يرقص على أمواجه.
فالوجود إذا كان لنا أن ننصفه لا يراد له أن يُحصر في كتاب ولا أن يُختزل في صيغة ولا أن يُختم بخاتم. الوجود هو ذاك الذي يجعلنا نبدأ من جديد كل صباح، ذاك الذي يدفعنا إلى السؤال رغم أننا نعلم أن الإجابة ستهرب منا. ربما تكون الطريقة الوحيدة لتجربة الوجود هي أن نعيشه لا أن نفكر فيه. لكننا كبشر لا نستطيع إلا أن نفكر. وهذا هو المصير الجميل والمأسوي في آن: أن نفكر في ما لا يمكن أن نفكر فيه تماماً وأن نكتب مقالات عن اللاتعيّن ونحن نعلم أنها لن تمسكه أبداً. وتبقى الأنطولوجيا – تلك العاشقة القديمة للحضور – أرملة إلى الأبد لكنها أرملة غنية بتوقها جميلة بشغفها حية بتقلباتها. وربما هذا هو جوهر الحقيقة، أنها ليست شيئاً نملكه بل شيئاً ننتمي إليه نغوص فيه ونضيع فيه، ثم نخرج منه وقد تغيرنا ولا نعرف كيف. هذا هو اللاتعيّن الأنطولوجي ليس عيباً في الخلق بل سر الخلق ذاته.
***
د. حمزة مولخنيف







